النمل يحلّ مسألة في لعبة الشطرنج
استحوذت معضلة جولة الحصان الواردة أدناه على اهتمامي واهتمام فيليب هينغستون. لذلك رغبنا في التوصل إلى طرق مختلفة لحلها. وعثرنا على الدافع لتحقيق هذه المهمة في الطبيعة، وخصوصاً النمل.
خذ مجموعة من قطع لعبة الشطرنج وارمها كلها باستثناء الحصان. ضع الحصان على أي من المربعات الـ 64 على لوح الشطرنج.هل يمكنك أن تقوم بـ 63 نقلة صحيحة تتيح لك المرور بكل مربعات اللوح مرة واحدة لا غير؟ تذكر أن الحصان يستطيع أن يسير مربعين بخط مستقيم ليلتف بعد ذلك بزاوية 90 درجة وينقل مربعاً إضافيّاً. قد تبدو لك هذه مهمة صعبة. ولكن من الممكن تنفيذ هذه المجموعة من الخطوات، التي تُدعى جولة الحصان، بطرق لا تُعدّ.
إذا تمكنت من القيام بـ 63 نقلة لتقف بعد ذلك في مربع يتيح لك العودة إلى المربع الذي انتقلت منه، منفذاً النقلة الرابعة والستين الصحيحة، فتكون قد قمت بما يُدعى جولة مقفلة. أما الجولات الأخرى فتُعرف بالجولات المفتوحة.درس علماء الرياضيات عدد الجولات المقفلة ولاحظوا أن عددها كبير جدّاً: أكثر من 26 تريليوناً. أما عدد الجولات المفتوحة فكبير جدّاً، حتى إننا لا نعرفه بالتحديد.يستخدم النمل نمطاً معيّناً أو نظاماً حسابيّاً للبحث عن الطعام. ومن الممكن اعتماد هذا النظام لمعالجة أنواع مختلفة من المسائل الحسابية، بما فيها مسألة البائع الجوال ومسائل تحديد مسارات السيارات. تساءلت أنا وفيليب عما إذا كان من الممكن اعتماد نظام الاستمثال الذي تتبعه قرية النمل لحل مسألة جولة الحصان.إليكم كيفية عمل هذا النظام: يُستخدم برنامج كمبيوتر لتحفيز قرية من النمل. توكل إلى النمل مهمة البحث عن حل لمسألة. وفيما تنطلق كل نملة لإنجاز هذه المهمة، تخلّف وراءها مساراً من الفرمون، مادة لها رائحة يستخدمها النمل للتواصل مع بعضه البعض. وفي نظام المحاكاة هذا، تترك النملات الأكثر نجاحاً (التي تتمكن من حل المسألة بطريقة أفضل) كمية أكبر من الفرمون، مقارنة بتلك التي يكون أداؤها سيئاً.كررنا هذه العملية مرات عدة (ربما ملايين المرات). ومن خلال التكرار، تزايدت كمية الفرمون في المسارات الجيدة وتراجعت في المسارات السيئة نتيجة التبخر، الذي أُخذ أيضاً في الاعتبار في نظام المحاكاة.في عملية المحاكاة لحل مسألة جولة الحصان، ما كان بإمكان النمل القيام إلا بنقلات صحيحة وما كان باستطاعته الخروج من لوح الشطرنج. وإذا نجحت نملة في إتمام الجولة، نعزز ذلك المسار بزيادة كمية الفرمون فيه، مقارنة بالجولة التي لم تكتمل. بدا طبيعيّاً أن يتبع النمل الذي قام بالجولات اللاحقة معدلات الفرمون الأكثر ارتفاعاً، ما زاد من احتمال أن يقوم بالخطوات ذاتها كما النملات التي حققت النجاح قبله.ضرورة التوازنكان لا بد من فرض توازن ما. إذا اتبعت النملة المسار عينه تماماً كما نملة سابقة، يعمل النظام على دمج الجولتين في جولة واحدة. أما إذا شجعنا النمل كثيراً على عدم اتباع فرمون النمل السابق، نعمل إذاً بطريقة عشوائية. لذلك كان من الضروري تعديل ضوابط هذا النظام بطريقة تتيح لنا التوصل إلى توازن جيد.باستخدام هذا النظام، تمكنا من التوصل إلى نحو نصف مليون جولة. وشكّل ذلك نجاحاً كبيراً مقارنة بالعمل السابق الذي ارتكز على نظام جيني. تحاكي هذه الأنظمة مبدأ تشارلز داروين عن التطور الطبيعي: البقاء للأصلح. فكان الأعضاء الأصلح (مَن يقدّمون أداء أفضل لحل مسألة ما) في نظام المحاكاة يستمرون في حين يموت الأعضاء الأضعف.من الصعب تحديد لِمَ حقق نظام النمل نجاحاً أكبر، مقارنة بالنظام الجيني. ربما يعود ذلك إلى عملية ضبطه، أو ربما يهوى النمل حقّاً لعبة الشطرنج.يعمل الناس على حل مسألة جولة الحصان منذ عام 840 بعد الميلاد. ولا شك في أن هؤلاء ما كانوا يعلمون أن النمل، أو محاكاته، سيحاول حلّ هذه المعضلة بعد أكثر من ألف سنة.