كيف ينمو دماغ طفلك؟
منذ بداية حياة الجنين، يبدأ الدماغ نموه وفق عملية محددة تمتد إلى ما بعد الولادة. لكن تساهم الحوافز الحسية التي يتلقاها الجنين من بيئته في نشوء بنيته النفسية.
بعد بضعة أيام على حصول الحمل، يصبح دماغ الجنين قيد النمو. وبعد 15 يوماً من عملية الإخصاب، يظهر الغلاف الخارجي المستعمَل لتكوين الجهاز العصبي. لتتواصل الخلايا العصبية في ما بينها، تنطلق عملية نمو نقاط الاشتباك العصبي. خلال الجزء الأخير من الحمل، يؤدي النشاط العصبي المرتبط بالحوافز الخارجية والداخلية دوراً أهم في بناء نقاط الاشتباك العصبي والدوائر العصبية. اليوم، بفضل التصوير بالرنين المغناطيسي الذي يسمح برؤية الجسم البشري بتقنية ثلاثية الأبعاد، يمكن أن نشاهد دماغ الطفل بدقة عالية خلال مراحل نموه في رحم أمه.
الجيناتخلال أسابيع الحمل الأولى، يطور الجنين أسس نظامه الحسي. تنظم أجهزة الإدراك التي تتلقى الرسائل من الخارج نفسها تدريجياً، خلال فترة الحياة داخل الرحم. لتعطي مفعولها، ترتبط بمسارات النقل العصبي والمناطق الدماغية المسؤولة عن دمج الرسائل في القشرة الدماغية. تتولى الجينات عملية التنظيم كلها ويتشكّل كل دماغ بشري بحسب النموذج المحدَّد وراثياً. لكن تؤثر خصائص البيئة على هيكل دماغ الجنين.لا يتشابه السائل السلوي أو البيئة السمعية واللمسية بين طفل وآخر. ثمة ركيزة مشتركة طبعاً، لكن تختلف التركيبة الكيماوية للسائل السلوي بحسب غذاء الأم والهواء الذي تتنفسه والأصوات التي تصل إلى أذنيّ كل جنين. تتطور حواس اللمس والذوق والشم والسمع والبصر بإيقاعات مختلفة، لكنها تنشط عند جميع الأجنة قبل الولادة.اللمسمن خلال الأديم الظاهر، أي الغلاف الخارجي للجنين، تتشكل المستقبلات الجلدية التي تضمن تشغيل حاسة اللمس. تظهر، في المقام الأول، على الشفة العليا، بعد انقضاء شهرين على الحمل. في الشهر الخامس من حياة الجنين، يتزود كامل الجسم بتلك المستقبلات ويختبر الجنين شعور الاحتكاك بجدار الرحم أثناء تنقل والدته، كذلك يختبر التحفيز اللمسي عبر الاحتكاك بحبله السري أو عبر مصّ إبهامه.الذوق والشمبين الأسبوع الثامن والحادي عشر من الحمل، يتشكل تجويف الأنف من الخلايا المستقبِلة للروائح: هكذا تتطور حاسة الشم. في نهاية الشهر الثالث، يصبح النظام المعقد الذي تشكّله مستقبلات الشم شبيهاً بنظام الراشدين. مع اقتراب الأسبوع الثاني عشر، تتشكل حاسة الذوق عبر براعم الذوق الخاصة باللسان وتجويف الفم. يتزامن تطور الذوق مع تطور حاسة الشم. نعلم أن الجنين في بيئته يواجه مجموعة متنوعة من الروائح والنكهات خلال يوم واحد. يكشف تخطيط الصدى خلال الفصل الثالث من الحمل عن نشاط ابتلاع مكثف لأن الجنين لا يُحرَم من تذوق السائل السلوي وهو يميل بكل وضوح إلى تفضيل النكهة الحلوة المذاق.السمع تكون البيئة السائلة التي ينمو فيها الجنين صوتية نسبياً. تصل إليه الضجة الداخلية مثل ضربات قلب الأم أو نبض الدم في الحبل السري. حين يتعرض لهذه الضجة، يطور حساسية معينة يمكن أن تترسخ بعد الولادة، عندما ينجح صوت إيقاع منتظم في تهدئته. تُنقَل تلك الأحاسيس السمعية في البداية عبر عظام العمود الفقري. اعتباراً من الشهر الخامس داخل الرحم، تصبح أذن الجنين فاعلة. وفي الشهر السادس، يمكنه التعرف إلى صوت أمه. ومنذ الأسبوع الثامن والعشرين، يستطيع سماع الأصوات الآتية من البيئة المحيطة. ما يثير الدهشة أن الجنين، بين الأسبوع الثامن والعشرين والثاني والثلاثين (يكون الدماغ في هذه المرحلة غير ناضج بعد)، يستطيع التفريق بين أصوات الرجال والنساء. في رحم الأم، تكون أذن الجنين قد تدربت على السمع ويكون الجنين قد اعتاد أصواتاً معينة.في نهاية الشهر الثامن، تنشط {ظاهرة الاعتياد} ويكتسب الجنين القدرة على التمييز بين مختلف المعلومات: يؤدي أي صوت جديد إلى زيادة النشاط الدماغي بينما تترافق المؤشرات المتشابهة مع أثر أخف. ثبت أن القشرة السمعية تستطيع تحليل الأصوات، من خلال التسجيلات التي حصل عليها العلماء عبر تخطيط الدماغ المغناطيسي، وتسمح هذه الطريقة بقياس تنوع الإشارات الكهربائية التي ترصدها الخلايا العصبية.البصريمتد تطور هذه الحاسة على فترة طويلة من حياة الجنين داخل الرحم وحتى بعد الولادة. تنمو أولى العناصر التي تشكل شبكية العين منذ الأسبوع الرابع، لكن تبدأ الأعصاب البصرية بالتطور خلال الأسبوع السابع. في الأسبوع الثاني عشر، تنغلق الجفون على العيون ولا تنفتح مجدداً قبل الأسبوع السادس والعشرين بينما تتابع المنطقة البصرية في الدماغ نموها. يجب الانتظار حتى الشهر السادس كي تبدأ الخلايا المستقبِلة للضوء بالظهور في شبكية العين.في الرحم، تنمو الخلايا التي تسمح بتحليل بيئة النظر العام. أما الخلايا المسؤولة عن تحليل البيئة بدقة وإدراك الألوان، فتنشط بالكامل بعد بضعة أشهر من الولادة. في الشهر السابع من الحمل، من الملاحظ أن الجنين يصبح حساساً تجاه الضوء عبر جدار بطن أمه.الذاكرةيتغذى دماغ الجنين من عناصر حسية ويحفظ خصائص بيئته. قبل موعد الولادة، يمتص الطفل محفزات حسية تختلف بحسب البيئة الثقافية لدى الأم، ويتأثر بعدد من الخصائص التي تحيط به، مثل صوت أمه واللغة المحكية من حوله. استنتج العلماء أن الطفل بعد ولادته يتفاعل مع نص مقروء بلغة الأم.في الفصل الأخير من الحمل، يكون النظام الحسي ناضجاً عند الجنين. لا يولد الطفل من دون أي تجارب، فهو يستطيع اختبار حاستَي الشم والذوق وغيرهما، وتترسخ التجارب على شكل ذكرى لتلك المفاهيم. ثمة استمرارية بين القصص المعيشة في جسم الأم ومرحلة ما بعد الولادة. يتعرف الطفل إلى بعض خصائص بيئة الأم، وقد أثبتت التجارب أن المواليد الجدد يتكلون في مرحلة مبكرة جداً على تلك الخصائص المألوفة التي تطبع الروائح والنكهات والأصوات لتوجيه خياراتهم. يمكن القول إن الجنين ينمو في بيئة محميّة ستسمح له بالانفتاح على بيئته.العواطفصحيح أن الجنين لا يتقاسم الجهاز العصبي نفسه مع أمه، لكنه قد يخضع لحالاتها العاطفية. فهو يشعر، بنسبة معينة، بالتغيرات الهرمونية الحاصلة معها بسبب العواطف التي تخترقها. المثال الأكثر شيوعاً في هذا المجال هو الضغط النفسي المطوّل. نعلم الآن أن هرمون الكورتيزول الذي يفرزه الجسم في فترة الضغط النفسي يستطيع فعلياً تجاوز حاجز المشيمة. يمكن أن تؤدي هذه التفاعلات الكيماوية إلى تسارع إيقاع القلب أو نشوء ردة فعل حركية عند الجنين. ربط العلماء بين ارتفاع معدل الكورتيزول خلال الحمل واضطرابات عاطفية وسلوكية عند الطفل.كلما ظهر الضغط النفسي في مرحلة مبكرة من الحمل، يسهل رصد هذه الآثار. لكن يمكن مقاربة ذلك التبادل من ناحية إيجابية: الشعور العاطفي الممتع عند الأم سيفيد جنينها. يرتبط الجنين ببيئته عبر الأعضاء التي تنشّط الحواس، ويكتسب مفاهيم موسّعة. خلال الفصل الأخير من الحمل، نعلم أن الطفل الذي سيولد قريباً يتعلم كيفية الاختيار بين حوافز مختلفة فضلاً عن تحليل المعلومات. في هذه المرحلة، يكون الجنين قد تزود بالخلايا العصبية التي يتألف منها الدماغ. هكذا لا يبقى أمامه إلا أن يولد كي يختبر قدراته على التعلم، علماً أنها تكون بارزة في تلك المرحلة.