عندما يتظاهر شعب «الماكو» و«الهتافات»!

نشر في 26-10-2013
آخر تحديث 26-10-2013 | 00:01
 أنس محمود الشيخ مظهر قضية رواتب التقاعد للبرلمانيين

لا تصل إلى خطورة القضايا الأخرى التي تهدد العراق، فهي على الأقل موضوع واضح ومطروح في العلن، لكن ما يثير الشفقة على هذا الشعب هو أنه لم تستفزه الصفقات العديدة التي تورط فيها بعض المسؤولين، والتي افتضح أمرها وخسر فيها العراقيون أضعاف ما سيخسرونه في موضوع رواتب البرلمانيين.

(أمن «ماكو»... كهربا «ماكو»... ماي «ماكو»... شغل «ماكو»... معقولة إحنا العراقيين هيجي يصير بينا؟)... إسطوانة اعتدنا سماعها من المواطن العراقي وهو يتحدث عن مآسي حياته في وسائل الإعلام، إلى الحدد الذي أصبح فيه المتلقي يشعر بمساحة من المبالغة في هذا الوصف... كيف لا وهو يعيشها لأكثر من عقد من الزمن ولايزال.

الذي لم يعايش الوضع العراقي يكاد يجزم أن العراقيين كانوا سابقاً يعيشون حالة من البحبوحة والرخاء والازدهار قلّ مثيلها في الشرق الأوسط.

الواقع يقول إن الشعب العراقي عاش كل تاريخه المعاصر في حالة من الفقر والخوف والاستبداد والحرمان قلّ نظيره بين شعوب المنطقة، ومع ذلك فهو الوحيد الذي لم يقم بأي ثورة حقيقية رغم كل المآسي التي عاشها، والثورة الوحيدة «اليتيمة» التي يدعيها كانت مجيَّرة لمصلحة بعض رؤساء العشائر، بعدما خذلهم البريطانيون في إعطائهم المناصب التي وعدوهم بها فيما سميت بثورة العشرين.

فقد عاش العراقيون لعقود من الزمن تتقاذفهم الأنظمة من حكم ملكي إلى حكم جمهوري ثم إلى دكتاتورية قمعية، دون أن يكون له دور في هذه التغيرات غير الهتاف للحكومات المتعاقبة، إلى أن أزاح الأميركيون نظام «البعث» الذين لولاهم لما كان العراقي (لا هو ولا أبوه) يستطيع جر صدام حسين إلى العدالة مثلما ذكر هو بنفسه في إحدى جلسات محاكمته.

بعد عشر سنوات من عملية سياسية يمكن وصفها بالمهزلة وفساد إداري ومالي نخر جسم مؤسسات الدولة، ينتفض الشعب العراقي و»يثور» لقضية أقل ما يمكن وصفها بأنها قضية لا تستحق كل هذا «العنفوان الثوري». فقد تغافل العراقيون عن القتل الذي يحصد أرواحهم يومياً في تصفيات طائفية مقيتة من الطرفين... والتهجير الطائفي الذي يهدد التركيبة الديموغرافية لمكونات المجتمع العراقي، وفقدان الأمن الذي أصبح سمة الحياة فيه، وسيطرة ثلة جاهلة بالسياسية وبكل معاني الوطنية الحقيقية على زمام الحكم وعمالتهم لهذه الدولة أو تلك، وتدميرهم للبنى الاقتصادية في العراق، كل هذا لم يدفع بالعراقي إلى الانتفاض والثورة على واقعه المرير، بل انتفض واعترض على قانون الرواتب التقاعدية لأعضاء البرلمان العراقي وكأنها قضية مصيرية تتعلق بالأمن الوطني للدولة.

نحن هنا لا ندّعي أحقية البرلمانيين في الحصول على رواتب تقاعدية بعد انتهاء دورتهم البرلمانية، وإنما نقول إنها قضية لا تصل إلى خطورة القضايا الأخرى التي تهدد العراق، فهو على الأقل موضوع واضح ومطروح في العلن، لكن ما يثير الشفقة على هذا الشعب هو أنه لم تستفزه الصفقات العديدة التي تورط فيها بعض المسؤولين، والتي افتضح أمرها وخسر فيها العراقيون أضعاف ما سيخسره في موضوع رواتب البرلمانيين.

لقد سخرت لهذه القضية الكثير من قنوات الإعلام سواء في الفضائيات أو وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية الأخرى لتبدو كأنها ثورة مجيدة لشعب كل مشكلته رواتب البرلمانيين، وظهر أشخاص يشطحون وينطحون بعد أن أدخلوا أنفسهم في قالب الثوار. وكم تمنينا أن نرى هؤلاء الأبطال وقد برزوا للساحة في موضوع أكثر إلحاحاً وأهمية، ولكن من المؤكد أنهم جبنوا من الخوض في مواضيع أكثر حساسية من موضوع هامشي مثل الذي ثاروا له.

لا يفوتنا هنا أن نُذكّر أن هؤلاء الذين خرجوا في بعض المدن العراقية لم يكلفوا أنفسهم عناء الخروج والتظاهر في الوقت الذي اعتصمت فيه مدن عراقية منذ سنتين حتى يومنا هذا. وللمفارقة فإن متظاهري اليوم ومعتصمي الأمس لم يشتركا زمنياً في نشاطهم «الثوري»، فبمجرد إعلان النية للخروج في التظاهرات الحالية أخذ معتصمو المدن «السنّية» يتفاوضون مع الحكومة للتوصل معها إلى حلول لأزمتهم، وهذا يوضح عدم التنسيق بين الجهات المعارضة للحكومة أو انعدام الثقة في ما بينها.

إن العبثية التي يعانيها الشعب العراقي سياسياً وعدم وضوح رؤى سياسية معينة لن ينتج عنهما سوى عبثية أكثر وانعدام أكثر في الرؤية، كما أن خروج تظاهرات واحتجاجات لصغائر الأمور في العراق وترك الأمور الخطيرة يتلاعب بها المفسدون والمجرمون كيفما شاؤوا لا تشير إلى بطولة شعب بقدر ما تشير إلى فقدانهم هذه البطولة، وأقول للمتظاهرين الحاليين باللهجة العراقية الفصيحة «عمي ارجعوا لبيوتكم أنتم مو مال هيج سوالف»!

* كردستان العراق – دهوك

back to top