هل تنقرض الرواية؟

نشر في 11-03-2014 | 00:02
آخر تحديث 11-03-2014 | 00:02
No Image Caption
قال الروائي الأميركي فيليب روث إنه لا يريد العودة إلى الأدب، وإنه يعيش حياة سعيدة كونه روائياً متقاعداً يمضي أيامه في السباحة ومراقبة الطبيعة والاستمتاع بحقيقة {أن الحياة ليست كلها كتابة روايات ونشرها}. وأكد مجدداً في مقابلة معه نظرته السوداوية إلى الأدب قائلاً: {بعد عقدين من الآن سيكون جمهور الرواية الأدبية بعدد الأشخاص الذي يقرأون الشعر باللغة اللاتينية}. ربما لأن كل زمن يبدع أدبه أو فنه الخاص.
كلام روث ليس جديداً، فهو يأتي في سياق الحديث عن موت الرواية الذي بدأ منذ خمسينيات القرن الماضي.
الحديث عن موت الرواية غير مستغرب في ظل التحولات الثقافية والميديائية والعمرانية والصناعية. كلام الروائي الأميركي المعتزل فيليب روث الأخير يبدو أكثر سوداوية ولا يتعلق بجوهر الرواية، بل بمصيرها، خصوصاً أننا عشنا في السنوات القليلة الماضية موجة من تعليقات أدبية وفكرية تتحدث عن أن الرواية أصبحت {ديوان العصر}، وتدعمها الجوائز من هنا وهناك، باعتبار أنها النوع الأدبي الذي يمكن كتابة كل شيء من خلاله، من الجنس إلى السياسة والرأي والخيال وحتى الشعر.

وبعض الشعراء العرب مثلاً هجروا الشعر ربما مرحلياً، وتحولوا إلى كتابة الرواية أو السيرة، كأن طريق الشعر باتت مسدودة أمامهم ولم يعد من مجال لمقارعة الرواية، وفقد الشعر الكثير من حضوره في لعبة الميديا الاجتماعية والثقافية، وفقد الكثير من «زعمائه» ولم تعد تظهر مدارس شعرية أو تيارات من هنا وهناك، وتضاءلت المهرجانات والأمسيات الشعرية، ولم يعد الشعر مصيدة للنساء والعاشقات والمراهقات، لم يعد الكلام المغنى والتفعيلي والمزركش مصدر غواية، وغاب الاندفاع لنشر الشعر، وأتى زمن الـ «فيسبوك»، فطحن نوعية الشعر لمصلحة الكمية مع بروز كثير من المستشعرين وقليل من الشعر، وطحن القراءة لمصلحة «اللايك»، كأن الشعر تبخر في الهواء. وذلك كله سبقه كثير من الدواوين التي تضمنت شعراً «ضد الشعر»، كم هائل من الدراسات والمقالات عن «موت الشعر»، هي ميتة مثل الميتات الثقافية كافة التي باتت مفهوماً ممجوجاً.

كان مارتن هايدغر أعلن «موت الفلسفة»، وأثار إعلانه جدلاً واسعاً في أوساط عدة، إذ أنّ الموت الذي قصده، كان يعني نهاية مرحلة أو مراحل، رأى فيها أنّ الفلسفة قد استُهلكت بمعناها التقليديّ الذي وجب عليها أن تثور عليه، أن تميته، لتخلق فلسفة جديدة، خليقة بالعصر الذي تنتمي إليه. فكان الموت ذاك ميلاداً جديداً لفلسفة توسّع آفاقها، متّكئة على الإرث الفلسفيّ.

وبعده جاءت إعلانات متكرّرة عن موت أحد الأجناس أو العلوم، فأعلن الناقد البنيوي رولان بارت في مقالته سنة 1968 «موت الكاتب»، بل يذهب رولان بارت إلى أن بمجرد أن تتم طباعة العمل يفقد الكاتب صلته بالنص، ولا يصبح مالكاً له. موت الكاتب عند بارت سيؤدي بالضرورة إلى ميلاد طرف آخر في هذه المعادلة، وهو القارئ أو الناقد الذي ستصبح له الحرية الكاملة ليستبيح النص ويفعل به ما يشاء، ما دام مبدع النص هو خارج هذه المعادلة. والقارئ نفسه في تفسيره لهذا النص يصبح هو المبدع لمعانٍ جديدة، يقدم نسخته الممكنة في التفسير، تتحكم فيها سياقات تاريخية واجتماعية وثقافية تختلف عن سياقات الكاتب، وثمة من توصل إلى دراسة عن موت القارئ بالمعنى السوسيولوجي...

انقضى ذلك الزمن

وحتى لا نغرق في مسار الميتات الثقافية، ينبغي القول إن موت الرواية لا ينفصل عن هذه الميتات، فثمة عشرات المقالات والأبحاث التي تحدثت عن موت الرواية، حينما شرع الروائي كارلوس فوينتيس في الكتابة الأدبية سنة 1954 بعدما صال وجال في بلدان أميركا اللاتينية، انتشرت آراء عدة عن «موت الرواية»، من بينها أنها لم تعد تحمل معنى الجد.

وما قالته الرواية قبل ذلك العام، أصبحت تقوله الصحف والسينما بطريقة أسرع وأنجع. انقضى ذلك الزمن حينما كان الناس يحتشدون على أرصفة ميناء نيويورك، ينتظرون وصول الدفعة الأخيرة من رواية شارل ديكنز «متجر التحف»، والكلّ يريد معرفة ما إذا كانت «ليتل نيل»، إحدى الشخصيات الرئيسة، قد ماتت أم لا. وكتب فوينتيس: «عهد غوتنبرغ انتهى». وحمَل الإعلام المستبد مسؤولية تراجع الرواية في ذلك الحين. ورغم ذلك، لم يستسلم جيل فوينتيس لهذه الأفكار التي راجت حول موت الرواية. وخصص أحد أهم كتبه الصادرة بعنوان «جغرافيا الرواية»، للحديث عن علاقته بالرواية، ونظرته إليها. فتم الانتقال، في خضم سلطة وسائل الإعلام، من السؤال: «هل ماتت الرواية؟» إلى سؤال آخر: «ما الذي يمكن أن تقوله الرواية ممّا لا يمكن أن يقال بأي طريقة أخرى؟».

بدوره أعلن كونديرا عن موت الرواية، فعندما يعلن روائيّ بحجم كونديرا هذا الموقف، يعني ذلك أنّ ثمة ما استجدّ في الفنّ الروائيّ، وأوجب إعلاناً بموتها من قِبله. فالرواية بمعناها التقليديّ ماتت، أي أنّها انتهت بفعل الزمن. وتحدث عن هذا الأمر المستقبليون والسورياليون وتقريباً الحركات الطليعية كافة. كانوا يرون الرواية تختفي على طريق التقدم لصالح مستقبل جديد جذرياً ولصالح فن قد لا يشبه في شيء ما كان يوجد سلفاً، إذ سيتم دفن الرواية باسم العدالة التاريخية تماماً كما يقبر البؤس والطبقات السائدة والتصاميم العتيقة للسيارات وللقبعات.

مقالات

في عام 2003 انتقد هارولد بلوم في مقالة مؤسسة جائزة الكتاب الوطني لمنحها ستيفن كينغ الجائزة «بسبب إسهامه الفعال في الأدب الأميركي». وهاجم في المقالة ذاتها ج. ك رولنغ موحياً أن الأدب الجيد لن يصبح أبداً شعبياً مثل قصص كينغ المرعبة أو كتب هاري بوتر لرولنغ.  

مقالات حديثة كثيرة تحدثت عن موت الرواية. كتب الناقد المثير للجدل لي سيغل في «نيويورك أوبزرفر» معلناً أن الجمهور الأميركي لم يعد يتحدث عن الروايات، وأن هذا الشكل الإبداعي، الذي كان يوماً في منتهى التوهج، فقد شرارته إلى الأبد. وزعم سيغل أن ثمة «ما يقارب مليون سبب لاعتبار الرواية أصبحت الآن صنفاً محفوظاَ في المتحف وأن ممارسيها هم أوصياء عاجزين أو منظرون أكثر من كونهم كتاباً. ومهما تكن النتيجة فإن قصاصي عصرنا العظماء هم من مؤلفي الكتب غير الروائية». جاء ذلك عقب منح جائزة صموئيل جونسون للكتاب غير الروائي في لندن للصحافية الأميركية بربارا ديميك عن كتابها «لا شيء يحسد عليه: الحياة الحقيقية في كوريا الشمالية»، وقد أثير الجدل الذي بدأه «سيغل» في صفحات عروض الكتب والمواقع الأدبية في الإنترنت.

الخيال

حتى في الحديث عن المتخيل الأدبي ثمة نظريات حول موت الرواية، في محاضرة ألقتها الباحثة الفرنسية إيزابيل هوسير أن القرن الحالي {قد يشهد موت الرواية التي تعد أحد أهم الأجناس الأدبية نتيجة تراجع الجانب المتخيل فيها لصالح الجانب العقلي والواقعي}. وأضافت: {شهد القرن السابع عشر تغيراً كبيراً في شكل الرواية ومضمونها، حيث انحسرت الروايات البطولية لتنتشر الروايات الصغيرة ذات الطابع الغرامي، وبدأت قواعد علم الجمال تحل محل الخيال، وتم تقليص الرواية وتأطيرها من خلال إضافة مقدمة ونص وحواشٍ لها، وتحديد موضوعاتها. ثم خلصت إلى أن الرواية لن تستمر بالتأقلم مع الحداثة بشكلها الحالي، وقد تختفي كما اختفت الملحمة، غير أن المتخيل قد يأخذ شكلاً جديداً بعيداً عن الرواية الحالية، مشيرة إلى أن الإنسان لا يستطيع الحياة من دون وجود جانب تخيلي في حياته.    

بات الحديث عن موت الرواية موضة ثقافية، أو تقليداً أدبياً، ربما يستمر لعقود ونصبح أمام أشكال جديدة من الرواية، أو رواية ضد الرواية، الأرجح سيكون لمواقع التواصل الاجتماعي تأثيرها الكبير على أنماط الكتابة والقراءة والأشكال الأدبية، فهي باتت تفرز الكتابة الشذرية التي بدأت مع نيتشه وسيوران ويزيد حضورها الآن، بل تفرز أنماطاً سطحية من الكلمات العابرة.

back to top