العراق يحتاج إلى قيادة جديرة بشعبه
اليوم، وقبل الانتخابات المرتقبة في السنة المقبلة في العراق، يحتاج البلد بشدة إلى قيادة جديرة بالشعب العراقي، بمعنى أن يتوافق القادة في آرائهم ويضعوا الوحدة الوطنية فوق السياسات الفاسدة والضيقة والمكاسب الشخصية.
مع انتشار موجة جديدة من أعمال العنف في العراق، يبدو أن موجة جديدة من التعجب قد أصابتنا، فوفق مخرج الأفلام الوثائقية آدم كورتيس، ينتشر هذا المرض عندما تعمد وسائل الإعلام إلى تبسيط الوقائع والتستر على الصراعات المريعة والدموية من دون أي سياق منطقي، وذلك كي لا نتمكن من فهم ما نشاهده. بما أننا لا نملك أي أدوات تسمح لنا بتكوين فكرة واضحة عما يحدث، تنحصر ردة فعلنا تجاه أحداث العراق ومجموعة الصراعات الأخرى التي تبدو غامضة بالتعجب وإبداء مشاعر الأسف.في خضم تغطية أحداث العراق، تذكر وسائل الإعلام عبارات مثل "القاعدة" و"الصراع الطائفي" و"الحرب الأهلية" حين نسمع عن وقوع انفجار جديد على جانب الطريق أو في أحد المطاعم ومقتل عدد إضافي من المدنيين الأبرياء. اليوم، أصبحت هذه الاعتداءات المرعبة مألوفة وعالية التنسيق وفاعلة على نحو مخيف، ففي الشهر الماضي، قتلت الانفجارات في العراق وحده حوالي ألف شخص. ومنذ أسبوعين، قُتل 25 شخصاً غداة انفجار 16 قنبلة في اليوم نفسه، ومنذ بضعة أيام فقط، انفجرت 10 قنابل في بغداد وقتلت 44 شخصاً. وفق دراسة جديدة تبدو الأشمل حتى الآن، بلغت حصيلة القتلى في العراق نصف مليون شخص منذ الغزو المريع الذي كان يمكن تجنبه في عام 2003. على أرض الواقع، هذا هو المعنى الحقيقي لعبارة النصر التي أطلقها جورج بوش حين قال "المهمة أُنجزت". لا شك أن الأهوال الراهنة هي النتيجة المباشرة والمريعة للغزو الأميركي، وهي تعكس تداعيات العمليات التي نفذتها قوات التحالف بعد أن فككت الحكومة العراقية والشرطة وجهاز الأمن. لم تكن "القاعدة" موجودة في العراق قبل ذلك الغزو الذي لم يمهد لهذه الأحداث فحسب بل إنه قدم لها فرصة التمادي على طبق من فضة. رسخ التحالف الذي قادته الولايات المتحدة شرخاً كان يمكن تجنبه بسبب تهميش العراقيين السُّنة، فضعف العراق نتيجة تأجيج الصدام الطائفي ونشر الفوضى وإلغاء أي فرصة بحصول تعاف سياسي فاعل. ثم عمد رئيس الوزراء العراقي المدعوم من الولايات المتحدة، نوري المالكي، إلى تطبيق سياسات تقسيمية وقابلة للاشتعال، علماً أن حكومته التي تغلب عليها النخبة الشيعية متّهمة دوماً بالاستبداد والفساد.كان حكم المالكي أشبه بخليط كارثي من المقاربات الشائبة وغير الفاعلة. لقد طرد وأضعف السياسيين السُّنة تزامناً مع تعزيز قوى الأمن، وإساءة استعمال قوانين الإرهاب لاستهداف المناطق السنية، وتأجيج المشاكل بسبب اللامساواة بين مختلف الجماعات الإثنية. لكن ماذا عن قلة الكفاءة؟ يكفي أن نذكر تفصيلاً واحداً فقط: لا تزال قوى المالكي تستعمل الأجهزة المزيفة لكشف القنابل بعد أن اشتراها العراق من الشرطي السابق جيمس ماكورميك الذي أُدين بهذه التهمة الآن.في شهر مايو، كان المالكي يصر على فاعلية بعض أجهزة الكشف، لكن شعر الشعب العراقي بالذعر كونه يضطر إلى التعامل مع عدد متزايد من بؤر الموت يومياً في الأماكن العامة. زاد هذا الوضع سوءاً في شهر ديسمبر من السنة الماضية، بسبب اعتقال الحراس الشخصيين لوزير المالية السني السابق رافع العيساوي، بموجب قوانين الإرهاب، ما دفع إلى تنظيم احتجاجات حاشدة تم تفريقها بطريقة وحشية. شملت أعمال العنف حملة مداهمة من الجيش ضد المحتجين في الحويجة، شمال العراق، خلال شهر أبريل، ما أسفر عن مقتل 50 شخصاً وجرح الكثيرين. بالإضافة إلى هذا الوضع المشتعل، يتأجج الصراع السوري الذي يرتكز الآن على تدفق العناصر في الاتجاهين عبر الحدود نحو العراق (كل طرف يغذي الآخر)، ويخدم المعسكران جماعات متحالفة مع "القاعدة": جبهة "النصرة" و"الدولة الإسلامية في العراق والشام". في غضون ذلك، امتدت تداعيات حرب الوكالة التي اندلعت في سورية إلى العراق أيضاً: يؤثر التمويل السعودي للمقاتلين السوريين على الحدود التي أصبحت منفلتة الآن مع العراق. وخوفاً مما يمكن أن يحصل في حال إسقاط بشار الأسد، قيل إن المالكي سمح لإيران باستعمال الأجواء العراقية لتسليم الذخائر إلى الدكتاتور السوري. تعني هذه المعطيات كلها أن الوضع في العراق وسورية ما كان ليصبح كارثياً لهذه الدرجة لولا الغزو الأميركي في عام 2003.على صعيد آخر، ثمة عنصر مؤثر إضافي في العراق وهو يرتبط بواقع أن المقاتلين العنيفين أصبحوا أكثر براعة في التفوق على قوى الأمن التي لم تتحسن بالدرجة نفسها (يكفي أن ننظر إلى عدد المقاتلين الذين هربوا من السجون في شهر يوليو لنلحظ مدى ضعف قوى الأمن العراقية).مع تزايد عدد العاطلين عن العمل والمهمشين سياسياً الذين يمكن استعمالهم كمجندين محتملين، يحارب المقاتلون العنيفون والطائفيون في سبيل إنشاء دولة إسلامية ويحاولون إضعاف المالكي (جعل هذا الأخير الأمن محور برنامجه الانتخابي في عام 2014) تزامناً مع ترهيب الشعب عبر توفير الحماية للجهات التي تمول نشاطاتهم.تتنافس جماعات متباينة لكسب السلطة في العراق (وهي جماعات دينية أو علمانية، سلمية أو عنيفة) لكن لا تقتصر الانقسامات على المستوى الطائفي. ولا تبدو الانتماءات ضيقة ميدانياً، فمنذ عام 2003، تشير استطلاعات الرأي إلى أن معظم الشعب لا يزال يرغب في نشوء دولة عراقية موحدة ونظام سياسي مركزي رغم تراجع نسبة الاختلاط في البلدات والمدن ورغم انتشار المخاوف الطائفية من التنقل بين المناطق. يوضح زيد العلي، مستشار بارز في مجال صياغة الدستور في المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية في القاهرة، وهو على اطلاع تام على أوضاع العراق: "ما من حزب أو حركة لجمع مختلف الفئات معاً". يميل المعلقون إلى اعتبار العراق كياناً سطحياً نشأ نتيجة اتفاقية سايكس- بيكو بين فرنسا وبريطانيا في عام 1916، ومع أن هذا الأمر صحيح على الورق لكنه بعيد عن الواقع عملياً، ففي هذا السياق، كتب سامي زبيدة، خبير في سياسات الشرق الأوسط: "قد تكون حدود البلد عشوائية ومثيرة للجدل، لكن لا يعني ذلك أن العراق يفتقر إلى قلب وطن حقيقي تتقاسمه مختلف الجماعات التي تعيش فيه".هذا هو بصيص الأمل المتبقي: وجود نسبة من التماسك، رغم كل شيء، من شأنها أن تمهد لمخرج من هذه الأزمة القاتلة. اليوم، قبل الانتخابات المرتقبة في السنة المقبلة، يحتاج البلد بشدة إلى قيادة جديرة بالشعب العراقي، بمعنى أن يتوافق القادة في آرائهم ويضعوا الوحدة الوطنية فوق السياسات الفاسدة والضيقة والمكاسب الشخصية.