هل الفضاء الخارجي ذكي؟

نشر في 23-10-2013 | 00:01
آخر تحديث 23-10-2013 | 00:01
No Image Caption
تملك الفلسفة والعلوم الفيزيائية مساراً طويلاً ومثيراً للاهتمام يمتد عبر تاريخ الإنسان. فقد أدى الفلاسفة دوراً في استنتاج، منطقي عن وجود ظواهر فيزيائية لا يمكن اختبارها. وعمل علماء الفيزياء، بعد ذلك، على تأكيد التخمينات الفلسفية المقترحة أو دحضها عند تطوير التكنولوجيا والطرق الضرورية.
أخفقت التخمينات الفلسفية أحياناً في وصف طبيعة الواقع، كما عندما اقترح اليونان القدماء أن السموات مكونة من عنصر خامس، ألا وهو الأثير. ولكن في مناسبات عدة، تبيّن أن تخميناتهم دقيقة. على سبيل المثال، استخلص الفيلسوف ديموقريطوس، في القرن الرابع قبل الميلاد، أن الكون مؤلف من وحدات من المادة لا يمكن تقسيمها تُدعى {ذرات}. وقد أكّد هذا التخمين، بعد أكثر من ألفي سنة، عالم الفيزياء النظرية ألبرت أينشتاين.

كذلك تجلت شراكة أكاديمية مماثلة مثيرة للاهتمام عندما قرأ فيلسوف عصر النهضة غيوردانو برونو كتاب {في ثورات الأجواء السماوية} لعالم الفلك نيكولاس كوبرنيكوس. فلاحظ برونو أن نموذج كوبرنيكوس الذي يجعل الشمس مركز النظام الشمسي مذهل (وكان كذلك حقّاً). فاستخلص منطقياً أن كل النجوم في سماء الليل شبيهة بشمسنا، وأن لكل منها عوامل ترتبط بها بسبب الجاذبية. نتيجة ذلك، ذكر كلماته الشهيرة: {اعتُبر هذا الفضاء لا محدوداً لأن ما من منطقة، وسيلة، احتمال، إدراك حسي، أو طبيعي تضع له حدّاً. فيه عدد لامتناهٍ من العوالم الشبيهة بعالمنا».

لا شك في أن برونو كان محقًّا إلى حد ما، فمعظم النجوم تشكّل أنظمة مع كوكب واحد على الأقلّ خارج نظامنا الشمسي.

علاقة بالية

يعتقد البعض في العالم المعاصر أن هذه العلاقة القديمة بين الفلسفة والعلوم الفيزيائية قد ماتت أو توشك على ذلك أو باتت بالية من الناحية العملية. لكنني أخالفهم الرأي. أتيحت لي أخيراً فرصة لقاء الفيلسوف (وعالم متخصص في نظرية الأنظمة) كليمنت فيدال. أشار الأخير إلى نظام نجمي ثنائي واجه علماء الفيزياء الفلكية صعوبة في توضيحه باعتماد نماذج فيزيائية فلكية تقليدية. تتألف هذه الأنظمة الثنائية من نجوم شبه منفصلة ينتج عنها دفق طاقة غير منتظم، إلا أنه مضبوط. ويوضح فيدال أننا لا نحتاج إلى نموذج فيزيائي فلكي، بل إلى نموذج بيولوجي فلكي لوصف هذه الأنظمة الغريبة.

يدّعي فيدال باختصار أن هذه الأنظمة لا تشكّل نجومًا ثنائية تقليدية، بل حضارات تخطت بأشواط نوع الحضارة الأول على مقياس كارداشيف، وهي تتغذى بنشاط على النجم الأم. يُدعو فيدال هذه الحضارات الافتراضية آكلة نجوم (starivore). وإن كان مصيباً... فتحتوي مجرتنا وحدها نحو ألفي حضارة معروفة آكلة للنجوم.

لا شك في أن هذه الفكرة تستحق الاهتمام العلمي وإجراء بعض التجارب العملية. اختُبر تخمين ديموقريطوس بعد التوصل إلى نظرية النسبية الخاصة. كذلك اختُبر تخمين برونو مع تحسن تقنية المقارب. فهل تتوافر لنا اليوم أي نماذج افتراضية أو تكنولوجيا يمكننا استخدامها لتأكيد تخمين فيدال أو دحضه؟

قد يكون الاختبار الضروري مرتبطاً بفهمنا طبيعة {الأيض} في هذه الأنظمة الثنائية. يُعتبر الأيض من الظروف الأساسية والضرورية لنشوء الأنظمة الحية المعقدة، لأنه يتيح لها أن تستمد النظام من الفوضى المحيطة بها غير الحية وتحافظ عليه. لذلك، إن كانت هذه الأنظمة الثنائية حضارات ذكية حقًّا تتغذى على النجم الأم، يجب أن نتوقع درجة من ضبط تدفق الطاقة الذي لا يمكن وصفه بالاستناد إلى قوانين الفيزياء وحدها.

لا تشكل هذه الفكرة مفاجأة حقيقية. فخلال السنوات الخمسين الماضية، خابت آمال العلماء بسبب البيانات التي تشير إلى أننا وحدنا في مجرة درب التبانة. نتيجة لذلك، ذهب بعض علماء الفيزياء، مثل ماكس تيغمارك، إلى القول إننا الحضارة الذكية الأولى التي نشأت في الكون بأكمله. وقد يكون محقًّا... إلا أنه قد يكون مخطئاً أيضاً.

تنبع الإنجازات الكبرى في مجال العلوم من أفكار تبدو للوهلة الأولى غريبة... أو حتى مستحيلة. لكننا اكتشفنا أن الكون بحد ذاته أغرب مما تخيلنا. في رأيي، لفت كليمنت فيدال انتباهنا إلى ظاهرة مثيرة للاهتمام تعجز نظرياتنا الحالية عن وصفها بالكامل. أنصحك بقراءة رسالة الدكتوراه التي ناقش فيها احتمال نشوء حضارات آكلة للنجوم. وإذا كنت باحثاً مهتماً باختبار تخميناته، فقد أعلنت جمعية Evo Devo Universe أخيرًا عن إنشائها جائزة High Energy Astrobiology.

ترغب هذه الجمعية في الحصول على دراسة تستطيع اختبار نظرية الحضارات الآكلة للنجوم إما إيجابًا أو سلباً.

أودّ حقّاً معرفة ما قد نتوصل إليه.

back to top