على عتَبة حُلم

نشر في 22-03-2014 | 00:02
آخر تحديث 22-03-2014 | 00:02
No Image Caption
هذا أنا، لست سراباً ولا حلماً من أحلام اليقظة، هذا أنا، بحلة جديدة، ملابس أنيقة، عطر ثمين، وسيجار تقيّدها أصابعي الغليظة، ولكن خلف كل هذه المظاهر البراقة أبقى أنا... فارس... مشتاق إليك.

فجأة تظهرين أمامي فتقذفينني في هوة حلم بعيد. أقف وجهاً لوجه أمام سحرك البريء، ابتسامتك الحزينة، ونظرة متحدية من عينيك الواسعتين. بعد أن كنت على يقين تام إنني قد طويت أشرعة الماضي وخزنت ما يكفي من أسلحة المقاومة لمواجهة الصدمات، تأتين صدفة لتشعلي بنظرة في الروح جمرة خمدت كل هذه المدة تحت الرماد.

تمنيت عندما رأيتك لو أنسى كل ما حولي ومن حولي وأركض نحوك لأقول لك هذه الكلمات، لكن لا المكان ولا الزمان كانا مناسبين لمثل هذا الاعتراف الخطير، فأنا، فارس سعيد، رجل الأعمال المشهور الماثل أمام الحضور ينحدر، كما يظنون، من عائلة عريقة كانت مهاجرة في بلاد بعيدة، وعدت أنا بثرواتها المكدسة لاستثمارها في وطني الحبيب. هذا ما يعرفونه عن فارس سعيد، وهو فارس آخر غير ذلك الذي عرفته أنت.

تفور المشاعر ثائرة تغتال هدوئي. تتسارع أنفاسي وتضطرب دقات قلبي. أنا من ظن أنه قهر كل المخاوف واعتلى عروش الثقة المطلقة، تسلبني نظرة منك كل هذه الثقة، تشتتني، تبعثرني، تجعلني أعيد كل الحسابات، أصدق كل كلام الأغاني والأشعار.

وأي أشعار وأي كلمات هذه التي تستطيع أن تصف هذا الإعصار الذي اجتاحني عندما رأيتك هناك في الزاوية، تقفين بين هذا الحضور الغفير، تنظرين بشغف إلى لوحات زينت جدران المعرض، هادئة متزنة كعادتك، تحلقين بعيداً بين هذه الأفواج البشرية كما في سحر الأساطير أو في خيال العاشقين، لا تغريك ضحكاتهم المتقاطعة ولا همساتهم الجانبية.

شعرت أن قلبي توقف عن أداء وظائفه الاعتيادية ليضخ من جديد رحيق العشق في عروقي.

يا لهذه الصدفة، يا لهذه الصاعقة التي أضاءت عتمة الروح الصاخبة.

صدفة غير متوقعة استولت على يقظتي، شدت انتباهي ثم سعّرت أحاسيسي. هول المفاجأة جعلني أتسمر مكاني، عبق الذكريات يملأني، أصارع فكرة اقترابي منك والتحدث إليك، أخاف من ردة فعلك، تتدافع الأحلام والكوابيس معاً أمامي، تعيدين إحياءها يا معذبتي... يا عشقي الخفيِّ.

أعيد النظر إليك، أحاول ألا ينتبه من حولي إلى ارتباكي، أطيل التحديق بك، يثير حفيظتي سكونك الحزين، تقذفينني في يمِّك الهادئ فأخرج منهك القوى، تحاصرني اللهفة، أستأذن ممن حولي، أتقدّم نحوك خطوة تاركاً لجسدي حرية ارتجال اللحظة، لكنك تتجاهلين نظراتي الثاقبة. أتقدم بثقة مصطنعة، أكاد أن أفقد توازني، أنا من اعتاد على الهرولة، أقف مراهقاً على عتبة ذات الحلم.

يهزني اعترافي لنفسي، أكتشف  ضعفي... أنا لم أتحرر منك!

أقف أمامك مستسلماً متأملاً، أقول متردداً: «مساء الخير»... نبرات صوتي ترتجف قليلاً. كيف يمكن أن أخاطبك يا امرأة اختصر وجودها في حياتي كل نساء الأرض؟ هل أدعوك آنستي... سيدتي... عزيزتي... حبيبتي... عمري... حلمي... كل الألقاب لا يمكن أن تصفك.

جنونٌ هذا الذي يجتاحني. أنظر في عينيّك، أبحث عن أي بريق فيهما يدل على أنك عرفتني. أكاد أذكّرك باسمي كما كنت تنادينني: «فارسي».

تستغربين من تحديقي، تجيبين باقتضاب: «مساء الخير». لم تتغيري، تمقتين فنون المجاملة والنفاق. تبتسمين مجاملة من دون أن توليني أيّة أهمّية. تحافظين على حياد ملامحك وتستديرين مبتعدة، ثم تتوقفين لحظة، تعيدين النظر إلى وجهي ثانية، تقتربين مني وشبح ابتسامة وردية تتسلل إلى شفتيك: «فارس؟».

أبتسم ونظراتي تحتضنك: «أجل، أنا فارس يا ليلى».

تقتربين خطوة أخرى وكأنك غير مصدقة... ومن يصدق ألاعيب القدر بمصائرنا: «يا إلهي يا فارس، كم مضى على آخر لقائنا؟ كم تغيّرت!».

ماذا تقصدين بتغيرنا؟ تغيرت ملامحنا... مشاعرنا... مراكزنا؟ أقترب أكثر منك، أكاد أن ألمسك: «أنا كما أنا يا ليلى لم يتغير سوى مظهري، أما أنت فأجمل بألف مرة».

تبتسمين مستغربة، ثم تنظرين خلفي إلى مذيعة تقترب مني، توجه الكاميرا بضوئها الساطع على وجهي، ومن دون استئذان تبدأ بطرح سيل من الأسئلة المكررة لمقابلة تلفزيونية حصرية تغطي افتتاحي لهذا المعرض الفني.

تتكلم بسرعة بصوت عال مزعج:

النائب فارس، أنت كعادتك ترعى وتمول مثل هذه التظاهرات الفنية للشباب الموهوبين، ما هي الكلمة التي توجهها لهم في هذه المناسبة؟

لو تدري هذه المذيعة الحمقاء ما قيمة اللحظة التي سرقتها مني بهذه المداخلة المزعجة لما حاولت حتى الاقتراب. أجبت باقتضاب كلام حفظته عن ظهر قلب، ثرثرة بلا معنى تحتشد فيها ألفاظ مفخّمة تصلح لكل مناسبة، ثم استأذنت مبتعداً أبحث عنك... أميرتي... لم أجدك، اختفيت كما ظهرت فجأة بعد أن أعدت إشعال الروح بنيران حلم قديم.

في أعماقي عشقٌ يستيقظ عنوةً بعنف لذيذ.

يهزني اعترافي لنفسي مرة ثانية... أنا لم أتحرر منك!

***

هاجت الذكريات وثارت التواريخ في فوضى رجوع متسارع إلى الوراء، اتّقدت اللهفة، تمردت أشباح الشوق وآهاته لتحتل كل مساحات الحاضر. أعود إليك اليوم لأكتشف إنني في حقيقة الأمر لم ابتعد عنك يوماً.

قطع حبل أفكاري دق خفيف على باب المكتب. أعرف من قوة الضربة وعدد الطرقات من يكون بانتظار الموافقة للدخول إلى مكتبي، فطرقتان سريعتان عادة ما تكونان للسكرتيرة الشقراء، بينما الطرقات الثلاثة تعود لمدير المكتب. محمود هذا هو أكثر من مدير مكتب عادي، إذ يملك قدرات استثنائية تمكنه من إنهاء تلك الأعمال العالقة بين دهاليز الروتين ومعرفة مفاتيح الأبواب الموصدة، والأهم من هذا وذاك، أنه يدرك تماماً أهمية كتم أسرار أفشيها أمامه عندما تدفعني رغبة البوح أحياناً للإفصاح عنها. إلا سر عشقك يا أميرتي، سر حفظته بين خبايا الروح ودفنته عميقاً حتى لا ينعم بنسماته غيري، فيبقى طيفك حفيف قلبي في معابر الحياة الصعبة.

ادخل.

دخل الغرفة كعادته مسرع الخُطى، ينظر إلي وهو يحني رأسه يميناً مرتدياً ابتسامته المتواضعة والتي في الغالب ما تكون مصطنعة. اقترب وتكلم بصوت يكاد أن يكون همساً...

جمعت المعلومات التي طلبتها مني، كل ما تمكنت الوصول إليه من مصادر رسمية وشخصية عن السيدة موجود في هذا الملف. كما أضفت صوراً لبعض لوحاتها المعروضة للبيع حتى تقرر حضرتك ما تريد أن تشتريه منها. كذلك، تمكنت من الحصول على صور شخصية لها تظهر تفاصيل شكلها، كلها هنا في هذا الملف.

يضع صورتك الشخصية برفق فوق الملف، وكأنه يريد تذكيري بشكلك. هو لا يدري إني أحفظ عن ظهر قلب لون عينيّك، عفوية ابتسامتك، رائحة شعرك، ملمس بشرتك، كلها تفاصيل محفوظة في ملفك الخاص في ذاكرتي.

لم يسأل أو يحاول أن يفهم سبباً لاهتمامي بك، وقد وجدني لا أرغب من تلقاء نفسي الحديث معه عنك. تعلم مما مضى ألا يسأل في ما لا يخصه أبداً ما دمت لم أتطوع أنا بالتفسير. مرة واحدة طرح تساؤلات مقلقة في إحدى المناقصات الكبيرة. أبدى تحفظاً، ثم تأففاً ورفضاً مبطناً لأوامري التي لم يلبِّها. طردته في لحظتها من دون تردد. كان يظن أنني لا يمكنني أن أستغني عنه في تلك الفترة الحرجة، ولكن قسوة الأيام علمتني أنه مهما كانت الخسائر المتوقعة، لا أرضخ للابتزاز أبداً.

عاد بعدها يتوسل العودة إلى عمله مستسلماً لأي شروط أفرضها عليه. منذ تلك الحادثة، أيًّا كانت الأوامر التي أطلب إليه تنفيذها، لم يعد يستفسر عن الأسباب، ينفذ من دون أن يسأل عن المبررات، لا يبدي رأيه إلا عندما يُطلب إليه، ففي النهاية هو لا يهتم سوى بتدفق الرواتب والحوافز والمكافأة.

في ذلك اليوم، عندما رأيتك ولاحقتك بنظراتي في المعرض، كان هو كعادته يقف بجانبي صامتاً، يراقب ردة فعلي، يستغرب اهتمامي، ثم يتفحصك بتأنٍّ، تبدو عليه الحيرة في شأني، ربما يتساءل بينه وبين نفسه... ما الذي قلب حالي؟ ما الذي أربكني وشتتني ونزع عني حذري الدائم ودفعني لأطلب إليه بحزم جمع معلومات عنك، منذ لحظة ميلادك حتى تلك اللحظة التي جمعتنا في ذات الزمان والمكان، وبأسرع وقت ممكن، فأنت على حد علمه لست طرفاً في صفقة محتملة، ولا ورقة ضغط في معاملة متعثرة!

شكراً. اترك الملف على المكتب لو سمحت.

فهم من جوابي أني أرغب بتفحص الملف وأنا وحدي. انسحب بصمت، وأغلق باب المكتب وراءه بهدوئه المعتاد. تركني مع أوراق وصور بعثرها أمامي، لأجدك تقفزين منها تهدهدين روحي وسريرتي ومخيلتي وبصيرتي. قلبت الأوراق لأتعرف على ما غاب عني من فصول حياتك في خلال سنوات غيابك. من تزوجت؟ هل أنجبت؟ هل عشقت غيري؟

في أولى صفحات الملف صورة مبتسمة لك في أثناء تسلمك جائزة في حفل تكريم. صورة مشحونة بالسكون والحياة، وابتسامة ساحرة تحصد كل حقول أشواقي، وسؤال واحد يحرقني: هل لا زلت مع غيري. هل عدت إلى هنا مع زوجك بعد سنين غربتك؟

تحركت تلك الغصة الخامدة في حلقي. الذكريات المتدافعة تنفض الغبار عن الأحداث السابقة، تبعث ألماً صاعقاً يلدغني كلدغة الأفعى. يسري السم في دمي ليعيد موجة الوجع القديم، والندم القديم، والحلم القديم، يجدد الماضي ويستحضر الأمكنة والأزمنة والبهجة الخاطفة.

كم كنت غبياً حين خسرتك في تلك الليلة!

ويبقى السؤال... ماذا لو؟ ماذا لو لم أغامر؟ ماذا لو لم أقامر؟ ماذا لو لم أحاول؟ ماذا لو بقينا معاً ونضجنا معاً وعشنا معاً... هل كان مكتوب لذلك العشق أن يحيا أم يهوي؟

***

بلا مقدمات عدت إلى نقطة البداية، إلى تلك الأيام التي أعقبت أول لقاء لنا في غرفة نومك. صدقيني لو قلت من دون مبالغة، إنني بالرغم من شدة التعب الذي كنت أشعر به كل يوم عمل في قصرك المهيب، إلا أن النوم كان يجافيني كل ليلة.

back to top