الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى (2-1)
قراءة موضوعيَّة للكارثة التاريخية
ها قد مرت مئة سنة منذ أن اندلعت الحرب العالمية الأولى، لكن لا تزال تلك الكارثة الأوروبية تحتل أهمية خاصة حتى اليوم. وعندما تعود القارة بالذاكرة إلى تلك الحقبة هذه السنة، قد تتجدد الجروح القديمة. {شبيغل} ألقت الضوء على هذه الكارثة التاريخية.
ها قد مرت مئة سنة منذ أن اندلعت الحرب العالمية الأولى، لكن لا تزال تلك الكارثة الأوروبية تحتل أهمية خاصة حتى اليوم. وعندما تعود القارة بالذاكرة إلى تلك الحقبة هذه السنة، قد تتجدد الجروح القديمة. {شبيغل} ألقت الضوء على هذه الكارثة التاريخية.
يواكيم غوك هو الرئيس الحادي عشر لجمهورية ألمانيا الاتحادية وهو ينفذ واجباته في قصر كان قد بُني لسلالة هوهنتسولرن. لكن أُزيلت غالبية ذكريات المجد البروسي من قصر {بيلفو} في برلين حيث تغيب مظاهر الفخامة والأزياء الموحدة ولا نجد هناك إلا بضعة أعلام. يقود الباب الثاني على اليسار في قاعة المدخل إلى ردهة حيث يستقبل غوك الزوار.في تلك الغرفة الرسمية، نجد على أحد الرفوف وراء المكتب تماثيل للشاعر هاينريش فون كلايست والديمقراطي الاجتماعي فريدريش إيبرت، أول رئيس ألماني بعد هروب القيصر فيلهلم الثاني من البلد إلى المنفى. وثمة لوحتان على الجدار: منظر طبيعي في إيطاليا لرسام ألماني، ومنظر لمنطقة دريسدن للرسام الإيطالي كاناليتو.
يحب غوك مفهوم الرمزية. غالباً ما تنظر الأمم وشعوبها إلى العالم والماضي من وجهات نظر مختلفة. يقول الرئيس إنه لا يعتبر هذا الأمر مقلقاً لأنه يدرك الأسباب. في عام 2014 الذي يشهد الذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى، ستتركز عيون العالم على رئيس الدولة الألمانية. ستكون تلك الذكرى أكبر حدث تاريخي حتى الآن في القرن الواحد والعشرين. فضلاً عن أن غوك يمثّل معسكر الخاسرين.شارك أكثر من 60 مليون جندي من خمس قارات في حملة العنف المشينة تلك. كان يُقتَل شخص من كل ستة أشخاص تقريباً، وعاد الملايين إلى ديارهم بعدما أصيبوا بجروح أو فقدوا أعضاء من أجسامهم (أنف، فك، ذراع). تخطط دول مثل فرنسا وبلجيكا والمملكة المتحدة لتنظيم أحداث تذكارية دولية ومراسم لوضع أكاليل الزهور وحفلات موسيقية ومعارض، وستقوم بالمثل بلدان بعيدة كانت قد صنعت هويتها خلال الحرب، منها نيوزيلندا وأستراليا.كذلك، سيحيي البولنديون وسكان دول البلطيق والتشيكيون والسلوفاك ذكرى السنوات التي تتراوح بين عامي 1914 و1918، لأن تلك البلدان أصبحت مستقلة نتيجة الصراع القاتل بين دول الوفاق ودول المركز.أمر غير واردخلال الأشهر المقبلة، ستصبح الحرب العالمية الأولى المسألة الأبرز في الثقافة العامة لإحياء ذكرى الأحداث التاريخية. ستقدم سوق الكتاب الدولي حوالى 150 كتاباً في ألمانيا وحدها، ويتضاعف العدد في فرنسا (وهو رقم قياسي عالمي على الأرجح في مجال المواضيع التاريخية). سيُعاد سرد قصة جيل عاش منذ فترة طويلة. ستُطرح أسئلة جديدة وستنطلق نقاشات جديدة. حتى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يعمل على توفير التمويل اللازم لتمكين جميع الأولاد الذين يرتادون المدارس البريطانية الحكومية من زيارة ساحات المعارك على الجبهة الغربية.سيكون هذا النوع من النشاطات أمراً غير وارد في ألمانيا السلمية.لكن دفع سكان أوروبا الغربية ثمناً باهظاً من حيث حصيلة القتلى خلال الحرب العالمية الأولى بما يفوق أي حرب أخرى في تاريخهم، لذا يسمونها {الحرب الكبرى}. مات عدد مضاعف من البريطانيين وثلاثة أضعاف من البلجيكيين وأربعة أضعاف من الفرنسيين بما يفوق مجموع القتلى في الحرب العالمية الثانية كلها. يقول غوك أثناء وجوده في مكتبه في قصر هوهنتسولرن إنه أحد الأسباب التي تجعله يظن أنّ «الذكرى الألمانية للحرب العالمية الأولى ستكون لفتة احترام لمعاناة كل من كنا نحاربهم في تلك الفترة».لم تكن {الحرب الكبرى} دموية جداً فحسب، بل إنها أطلقت حقبة جديدة من الحروب التي تستعمل الدبابات والطائرات وحتى الأسلحة الكيماوية. وكانت نتيجتها لترسم مسار التاريخ طوال السنوات اللاحقة، أو حتى طوال قرن كامل في بعض المناطق.في هذه الوثيقة، تصف صحيفة {شبيغل} عواقب الحرب العالمية الأولى التي لا تزال تؤثر على حياتنا اليوم: تولّي الولايات المتحدة دور شرطة العالم، ونظرة فرنسا الفريدة من نوعها لألمانيا، والعدائية الإثنية في البلقان، والرسم العشوائي للحدود في الشرق الأوسط. ولا تزال تلك العواقب تُلقي بأعبائها على العالم وتعيق التعايش السلمي بين الدول حتى هذا اليوم.من المقرر أن تُعقد اجتماعات عدة وفق الجدول السياسي لعام 2014، وسيحصل بعضها بمشاركة غوك وبعضها الآخر من دون مشاركته. ستستضيف الملكة إليزابيث الثانية قادة دول الكومنولث في كاتدرائية غلاسكو. كذلك، تخطط أستراليا ونيوزيلندا وبولندا وسلوفينيا لعقد اجتماعات بين رؤساء الدول أو رؤساء الحكومات من جميع أو بعض البلدان المتورطة في الحرب العالمية الأولى.وطن مختلفتاريخ 3 أغسطس أهم موعد على لائحة غوك. في ذلك اليوم، سيحيي هو والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ذكرى ضحايا الحرب في إحدى قمم منطقة الألزاس التي تنازع عليها بمرارة الألمان والفرنسيون خلال الحرب. الرئيس الألماني واحد من 50 رئيس دولة من جميع البلدان المتورطة في الحرب العالمية الأولى، وسيحضر هؤلاء احتفالاً في قلعة لياج وسيستضيفهم الملك البلجيكي فيليب. غوك مواطن سابق في ألمانيا الشرقية ويعتبر نفسه {الألماني الذي يمثل وطناً مختلفاً اليوم ويتذكر مختلف الأهوال المرتبطة بالدولة الألمانية}.يأمل الرئيس (73 عاماً) أن يتذكّر الأوروبيون حجم التقدم الذي أحرزه التكامل الأوروبي منذ عام 1945 بفضل سلسلة الأحداث التي سيسترجعها الحاضرون. لكنه يدرك أن تذكّر أهوال الحرب لا يضمن المصالحة بين الأعداء السابقين فحسب بل يمكن أن يفتح الجراح الماضية التي خلّفت ندوباً دائمة. في هذا الصدد، تأتي الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى في وقت غير مناسب. تلحظ دول أوروبية كثيرة زيادة الحركات القومية وتصاعد المشاعر المعادية لألمانيا قبل انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو 2014.في استطلاع رأي حديث، اعتبر 88% من الإسبان و82% من الإيطاليين و56% من الفرنسيين أن ألمانيا لديها نفوذ مفرط في الاتحاد الأوروبي. حتى إن البعض شبّه ألمانيا المعاصرة بمملكة القيصر فيلهلم الثاني الصاخب.في شهر أغسطس الماضي، أجرى صحافي بريطاني محادثة مع الملحق الصحافي في السفارة الألمانية في لندن وقد شعر بأن برلين أرادت أن تشارك في الاحتفال التذكاري في الدول المجاورة بهدف تحقيق المصالحة، أمر ما أطلق موجة سخط عارمة في الصحافة البريطانية التي ادعت أن الألمان يحاولون منع البريطانيين من الاحتفال بانتصارهم في الحرب العالمية الأولى.مصدر قلقيشكِّل هذا النوع من الأحداث مصدر قلق بالنسبة إلى غوك: {لا يمكن إلا أن نتمنى أن يكون صوت العقلاء اليوم أقوى مما كان عليه في الفترة الفاصلة بين الحربين}.لكن ماذا لو لم يحصل ذلك؟ يحذر غوك: {أوروبا سلمية جداً بنظري كي تفكر مجدداً بسيناريوهات الحروب. لكننا لاحظنا في البلقان أن آليات الكره القديمة يمكن أن تترسخ مجدداً خلال عقد سلمي}.تُذكَر هذه السيناريوهات المترددة بشأن الحرب العالمية الأولى في مناسبات كثيرة. في حقبة وجود حلف الأطلسي والقوات المسلحة المشتركة، لا أحد يستطيع أن يتخيل نشوء حرب بين الأوروبيين. مع ذلك، يمكن زرع الفتنة بطرق أخرى في القرن الواحد والعشرين. اليوم، ثمة ما يوازي تعبئة القوات المسلحة التي حصلت في الماضي، كالتهديد بإفلاس بلد مثل اليونان ما لم يلتزم مواطنوه بمطالب وزراء المالية الأوروبيين. يذكر المؤرخون من مختلف الانتماءات أن مسار الأحداث في عام 1914 لا يختلف كثيراً عما يحدث في أوروبا اليوم.سادت العولمة منذ قرن من الزمن لكن بشكل غير مناسب. كانت التجارة العابرة للقارات تشهد ازدهاراً لافتاً وكانت حصص التصدير أعلى من العادة حتى عهد المستشار السابق هلموت كول. كان الألمان يرتدون سترات مصنوعة من القطن الهندي ويشربون القهوة من أميركا الوسطى. وكانوا يعملون كحلاقين في لندن وخبازين في سانت بيترسبورغ وخدم في باريس، بينما كان البولنديون يكدحون في منطقة الرور الصناعية في ألمانيا.على صعيد آخر، كان الميسورون يسافرون في أنحاء أوروبا من دون الحاجة إلى جواز سفر. وكان الأساتذة يتواصلون مع نظرائهم في أكسفورد أو في السوربون باللغتين الإنكليزية والفرنسية. وكانت العائلات الأرستقراطية الحاكمة مترابطة في ما بينها. فقد كان القيصر فيلهلم الثاني وملك بريطانيا جورج الخامس والقيصر نيكولاي الثاني أبناء العم. وكانوا ينادون بعضهم على التوالي «ويلي» و»نيكي» و»جورج» ويتقابلون في المناسبات العائلية، بما في ذلك زفاف ابنة القيصر في برلين في عام 1913.جدل حول البداياتيجعلنا ذلك كله نتساءل عن سبب شن الاعتداء الألماني في 4 أغسطس 1914، حين عبرت مجموعة من حاملي الرماح الحدود البلجيكية، رغم تعدد الروابط والاتصالات العابرة للبلدان. ما كان خطب جداول الحكومات في تلك الفترة؟ لماذا قتلت هذه الحرب تلك الأعداد الكبيرة والمشينة من الضحايا؟ ولماذا استمرت طوال أربع سنوات؟بدأت المشكلة عندما كان وريث العرش النمساوي المجري، الأرشيدوق فرانز فرديناند، يزور مدينة سراييفو البوسنية في 28 يونيو 1914. وكانت مجموعة من القتلة الصرب بانتظاره بطلبٍ من مسؤولين حكوميين صرب.كان الشبان يحلمون بنشوء صربيا الكبرى التي ستشمل الصرب المقيمين في الإمبراطورية النمساوية المجرية في تلك الفترة. حين اضطر سائق الأرشيدوق فرانز فرديناند إلى تغيير مسار سيارته بعد الدخول في منعطف خاطئ، أطلق الطالب غافريلو برينسيب (19 عاماً) النار على المركبة. فأصيبت زوجته، الدوقة صوفي، في بطنها وتوفيت وهي في طريقها إلى مكان إقامتها، بينما أصيب وريث العرش في عنقه ونزف حتى الموت. تم إعدام ثلاثة من المتآمرين بينما حُكم على الآخرين بالسجن لسنوات طويلة.ذلك الاغتيال ليس من الأعمال المجيدة في تاريخ الصرب طبعاً، وكانت عائلة هابسبورغ في البداية تتعاطف مع القادة الأوروبيين الآخرين رغم حزنها على ما حصل. في الأوقات السعيدة، كان أصحاب الجلالة ليجتمعوا في جنازة الثنائي المقتول ويتبادلوا المجاملات.لكن قرر الإمبراطور النمساوي المجري فرانز جوزيف (83 عاماً)، وهو عم فرانز فرديناند، مهاجمة صربيا واستئصال القومية الصربية التي باتت تطرح تهديداً على مملكته المتداعية. كان الملك الذي يجلس على العرش منذ 65 سنة قد فكر سابقاً بشن الحرب على بلغراد في مناسبات عدة. بدا وكأن ذلك الاغتيال يؤكد على تحذيرات المستشارين الذين اعتبروا أن التفاهم مع صربيا أمر مستحيل. كتب المؤرخ مانفريد روشنستاينر من فيينا: «اندلعت الحرب العالمية الأولى وكانت النمسا- المجر هي التي أطلقتها».ليس على ألمانيا وحدها أعادت كلمات روشنستاينر إحياء جدل كان قد خمد منذ فترة طويلة. خلال الستينيات، صدم المؤرخ فريتز فيشر من هامبورغ ألمانيا أكثر من أي مؤرخ آخر. زعم فيشر أن سعي برلين إلى «إحكام قبضتها على العالم» كان السبب الرئيس، إن لم يكن الوحيد، للمجزرة الكبرى. بعد احتدام الجدل بين المؤرخين، أصبح ادعاء فيشر هو الرأي السائد.لكن تزامناً مع اقتراب الذكرى المئوية، طرحت أبحاث جديدة أسئلة جوهرية عن هذا النوع من الأحداث. المؤرخون لا يعذرون القيصر فيلهلم الثاني الذي عمد إلى التهديد العلني حيناً وضبط النفس أحياناً. لكنهم يشددون أيضاً على إخفاقات روسيا (المؤرخ الأميركي شون ماكميكن) أو فرنسا (المؤرخ الألماني ستيفن شميت) أو النمسا-المجر (روشنستاينر) أو جميع القوى العظمى مجتمعةً (المؤرخ الأسترالي كريستوفر كلارك).تصادمت كتلتان قويتان ظاهرياً في ما بينهما: الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية من جهة، وما يسمى «دول الوفاق» التي تتألف من الجمهورية الفرنسية والإمبراطورية الروسية والنظام الملكي البريطاني من جهة أخرى. حتى هذه المجموعة المتنوعة تثبت أن المشكلة الأساسية في عام 1914 لم تكن تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان بل بالرأسمالية والاقتصاد المخطط.صحيح أن أياً من الفريقين لم يكن يخطط لشن اعتداء في الربيع، لكن اعتبرت جميع القوى الكبرى أن الحرب هي أداة سياسية مشروعة. حتى إنها اعتبرت الصراع المسلح حتمياً على المدى المتوسط. كانت الأطراف الرئيسة تخاف على مكانتها ونفوذها وحتى وجودها. شجعت فرنسا روسيا على فرض الضغوط على ألمانيا من جهة الشرق ظناً منها أنها خسرت سباق التسلح ضد ألمانيا. وافترض القادة العسكريون الألمان أنهم سيكونون أقل مستوى من الروس على المدى الطويل، ما يشير إلى أن الهجوم السريع هو أفضل نهج ممكن. قرر القيصر تعزيز قوته العسكرية خوفاً من أن تغير بريطانيا العظمى تحالفاتها. وفي لندن، سادت مخاوف من أن يتفوق الرايخ الألماني الحيوي على الإمبراطورية البريطانية.في غضون ذلك، سعت بلدان أصغر حجماً مثل صربيا إلى خلق صدام بين القوى العظمى.كان النظام هشاً ومعقداً جداً وكانت السيطرة عليه تتطلب الحذر والحكمة. تشير تقديرات المؤرخ كلارك إلى أن عدد صانعي القرار في عام 1914 بلغ بضع مئات بين ملوك ووزراء ومسؤولين عسكريين ودبلوماسيين.رضوخ للواقعأدرك الإمبراطور النمساوي فرانز جوزيف أن روسيا قد تهبّ لمساعدة إخوتها السلاف في بلغراد في حال شن اعتداء نمساوي على صربيا. فطلب من حلفائه الألمان الدعم. وفي 5 يوليو 1914، زار السفير النمساوي القيصر فيلهلم الثاني في القصر الجديد في بوتسدام، خارج برلين.هذا السيناريو يتكرر كثيراً في عالم السياسة: لأسباب تتعلق بالمصالح الشخصية، يحاول بلد ضعيف نسبياً (النمسا-المجر) جرّ قوة عظمى ودولة حليفة (الرايخ الألماني) إلى صراع إقليمي. لم تكن المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، فقد تجنب الألمان حوادث مماثلة في اللحظة الأخيرة قبل عام 1914.لكن ماذا حدث هذه المرة؟ أدرك القيصر أن روسيا {لم تكن جاهزة للحرب بأي شكل}. فشعر هو ومستشاروه بأن المخاطر التي ستطبع الحرب الخاطفة النمساوية على بلغراد يمكن السيطرة عليها. ذكر المستشار ثيوبالد فون بيثمان هولويغ: «بهذه الطريقة يمكن الرضوخ للأمر الواقع سريعاً ثم التوجه بشكل ودي إلى دول الوفاق، وهكذا يمكن تحمّل الصدمة».كان المحامي الليبرالي المحافظ من براندنبورغ شخصية أساسية في ما سُمي «أزمة يوليو». يصف المعاصرون ذلك الموظف المدني السابق بالشخص التصالحي لا التحريضي. لكن في صيف عام 1914، وافق على تقييم القادة العسكريين الألمان. إذا لم يتراجع القيصر، هم يفضلون الهجوم طالما لم تستكمل سانت بيترسبورغ تعبئتها العسكرية. «الآن أفضل من لاحقاً!» كان شعار هيلموت فون مولتكه، رئيس هيئة الأركان في الجيش البروسي.اليوم نعلم أن التسرع لم يكن صائباً وأن الإمبراطورية الروسية كانت بلداً عملاقاً ظاهرياً فقط. لكن حين اجتمع فيلهلم الثاني على الغداء مع سفير فيينا، أعطى ما يُسمى «شيك على بياض» معتبراً أن فيينا يمكن أن تعتمد على «دعمه الكامل» وأن فرانز جوزيف يجب أن يباشر بهجومه على صربيا.ذلك الدعم الكامل الذي منحه القيصر كان كفيلاً بتحويل أزمة محلية إلى صراع أوروبي. وكانت تلك الخطوة مساهمة حاسمة من الرايخ الألماني لتعزيز الكارثة الكبرى التي طبعت القرن العشرين.غداً حلقة ثانية.الانهيار الكبيرفي 29 يوليو، فتح الأسطول النمساوي المجري في الدانوب النار على بلغراد. بعد يوم، أمر القيصر نيكولاس الثاني بالتعبئة العامة للجيش الروسي.منذ تلك اللحظة، كان المنطق الذي تتبعه {خطة شليفن} هو الذي رسم مصير أوروبا. كانت ألمانيا تخشى اندلاع الحرب على جبهتين. وبما أن الجيش الروسي احتاج إلى أشهر عدة لحشد قواته بالكامل، أرادت الأركان العامة الألمانية في برلين أن تستغل الوقت لتحقيق انتصار سريع على فرنسا. ثم توجه الجيش الألماني شرقاً.كانت الخطة من ابتكار الكونت ألفريد فون شليفن، رئيس هيئة الأركان العامة الشهير الذي توفي في عام 1913. لكن سرعان ما اتضحت سلبيات الخطة. توقع الجنرالات اندلاع حرب من دون بريطانيا العظمى، مع أن ذلك المفهوم شمل اجتياح بلجيكا التي ضمنت بريطانيا حيادها منذ عام 1832.تبين أن ضغط الوقت الناجم عن تلك الخطة كان كارثياً. حين أصبحت التعبئة الروسية وشيكة، اضطرت الإمبراطورية الألمانية للهجوم في الغرب (أو التخلي عن فكرة الانتصار). لم تشمل خطة شليفن أي مقاربة دبلوماسية لإدارة الأزمة.بين الحرب والهزيمة السياسية، عَلِق قادة الرايخ بمفاهيم النفوذ والعظمة التي كانت سائدة في تلك الفترة واختاروا الهجوم. قال المستشار بيثمان هولويغ بكل أسف إن {القفز في المجهول كان أخطر خطوة} أقدم عليها.في بداية شهر أغسطس، أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا ثم على فرنسا. فاختارت بريطانيا العظمى الفريق الذي ستنحاز إليه في 4 أغسطس، بعد بدء الغزو الألماني لبلجيكا.هكذا بدأت البلدان تدخل الحرب واحدة تلو الأخرى مثل قطع الدومينو، لكن لم تظهر أي منافع واضحة لما حصل. وقعت حروب لا تُعدّ ولا تُحصى في تاريخ البشرية وقد اندلع بعضها بهدف تحقيق الحرية أو الانتقام أو لأسباب اقتصادية. لكنّ الحرب التي اندلعت في أنحاء أوروبا في صيف عام 1914 كانت بلا معنى.مطالب رأي عام غاضبعندما يدعي صحافيون إيطاليون من أمثال أوجينيو سكالفاري اليوم أن ألمانيا تهدد بتدمير القارة للمرة الثالثة عبر أزمة اليورو، يرتكز تحليله على الافتراض القائل إن «الشيك على بياض» أدى إلى اندلاع الحرب في عام 1914. وفق وجهة النظر هذه، يمكن أن يعتبر بعض المراقبين أن الإصلاحات الاقتصادية التي طالبت بها المستشارة أنجيلا ميركل في جنوب أوروبا تعكس استمرارية سياسة القوة التي كانت سائدة في عهد فيلهلم لكن بوسائل مختلفة: أدوات السياسة الاقتصادية.لكن في عام 1914، كان يمكن أن يوقف أعضاء دول الوفاق تصعيد الوضع في أي وقت، لا سيما نظام القياصرة الذي انحاز إلى صربيا لأن الرأي العام الغاضب طالبه بذلك ولأن الروس كانوا يتمنون أن يتمكنوا من شن الحرب على جبهتين ضد النمسا-المجر من خلال الاصطفاف مع صربيا القوية.الرئيس الفرنسي ريمون بوانكاريه كان محامياً من منطقة بالقرب من فردان وقد اتبع مساراً معادياً للألمان خوفاً من الرايخ، وكان يظن أيضاً أن الحرب حتمية. في ذروة {أزمة يوليو}، حين زار بوانكاريه سانت بيترسبورغ وشعر بأن القيصر نيكولاس الثاني المتقلب كان يفكر بالتباطؤ في موضوع صربيا، حث الرئيس الفرنسي القيصر على التمسك بموقفه.لا يمكن لوم البريطانيين على الكثير. فهم كانوا يسعون قبل عام 1914، في بعض المناسبات على الأقل، إلى الحفاظ على علاقة حسنة مع الرايخ (لأسباب استراتيجية وليس حباً بالسلام). كان موقفهم هذا هو الذي دفع المستشار بيثمان هولويغ كي يفترض بأن لندن ستبقى حيادية في الحرب، ثم سمح له مقر رئاسة الوزراء البريطانية بالتمسك بتلك القناعة لفترة أطول.قبل بضعة أسابيع من عملية الاغتيال في سراييفو، كانت أوروبا على حافة كارثة. لا تبدو أحداث عام 1914 بعيدة عن تطورات أزمة اليورو اليوم بحسب رأي المؤرخ كلارك في كتابه The Sleepwalkers الذي حقق أعلى المبيعات. من وجهة نظر كلارك، كان الجميع يعرفون أنهم يلعبون بالنار ولكنهم حاولوا رغم ذلك استغلال التهديد العام لمصلحتهم الخاصة.في أواخر شهر يوليو، شكك فيلهلم الثاني بصوابية سياسته. كان القيصر يلقي {خطابات مربكة مفادها أنه لم يعد يريد الحرب} كما ذكر أحد الوزراء في برلين. فراح فيلهلم الثاني يدعو حليفه في فيينا إلى اتباع مقاربة أكثر تحفظاً تجاه صربيا. لكنه لم يسحب دعمه الكامل الذي كان عاملاً حاسماً في رسم مسار الوضع.