كذب النخب بين «الخليفة المنتظَر» والقول المقتضب
من أسباب سعادتي الغامرة للكتابة في "الجريدة" فضلاُ عن هامش الحرية الواسع الذي أتمتع به هو مجاورتي لقامات كبيرة من الكتاب الصحافيين مع اختلاف تخصصاتهم وتباين آرائهم وأفكارهم وعلى رأس هؤلاء المستشار الفاضل الذي يشرفني بين وقت وآخر بالتوجيه والتعليق على ما أكتب، وقد نلت هذا الشرف أخيراً في مقالين لسيادته ورغم أن موضوع التعليق متعدد الجوانب ومساحة المقال تضيق بما يجب قوله سأحاول جاهداً أن يكون حديثي مختصراً ومركزاً في نقاط محددة.** خطأ الآخرين لا يبرر خطئي وكذب الآخرين لا يبرر كذبي، فإن كان محمد مرسي كاذباً وخائناً (نختلف في ذلك) فهذا لا يبرر كذب النخب ولا خيانتها لأمانتها. "كل نفس بما كسبت رهينة".** من قال إنه الخليفة المنتظَر؟ هل قال هو عن نفسه ذلك؟ أن نفترض ما هو غير موجود ثم نقيمه بأدلة الوجود لنسخر من عدم وجوده ونثبت كذبه، فهذا أمر مجاف للحقيقة (كما قال الفلاسفة). فيجب أن نحاسب مرسي على ما يصف به نفسه لا على ما يدعيه الآخرون عليه.** الانقلاب يكون من الأدنى على الأعلى ومن الأصغر ضد الأكبر ولا يكون العكس، فالمدرس لا ينقلب على طلابه ولكن ينقلب الجنود على قائدهم لذلك فمقولة إن مرسي انقلب على الجيش عليها تحفظ كبير يصل إلى درجة الرفض.** وهم الـ30 مليونا... سبق الحديث عنه كثيراً وأوضحت حجم الكذب والخداع في ذلك بجميع الطرق سياسياً واجتماعياً وسينمائياً (ون شوت ريفوليوشن) وللمكانة العالية لسيادة المستشار سأتحدث مرة أخرى وبأسلوب قضائي وبسؤال بسيط –إن سمح لي- لو أنك تجلس على منصة القضاء، وهناك متهم في القفص وجاءك 4 شهود أقسم الأول أن العدد في 30- 6 كان 30 مليوناً، وشهد الثاني أنه 20، وأكد الثالث أنه 40، وأقسم الرابع أنهم 10 ملايين فقط... وبراءة المتهم أو إدانته تتوقف على العدد تحديداً فما هو حكمك؟ وأنت القاضي العادل الذي يحكم بما أمامه من أوراق وأدلة ثبوتية ولا يحكم بعلمه احتمالاً أو يقينه ظناً؟ وقبل أن نترك ساحة القضاء هل تسمح لي بسؤال آخر: عبارة "اضرب في المليان... طوبى لمن قتلهم" هل تعتبر في نصوص القضاء دعوة للعنف وتحريض على القتل يجرم قائلها؟ أم أنها من الفلكلور المصري الحديث يمتدح شاديها؟ ** مسؤولية مرسي عن الانقسام تماماً كحال العدد في 30- 6 وهم في عقول كارهي (وليس معارضي) مرسي و"الإخوان"، فالانقسام كان موجوداً وحاداً قبل تولي مرسي للحكم والدليل أن من رفضوه حاكماً يقارب من قبلوه (49- 51%) ولكنه كان انقساماً سياسياً تتفهمه الأنظمة والشعوب الديمقراطية أو التي تحاول أن تكون ديمقراطية، أما انقسام ما بعد الانقلاب فهو انقسام دموي أدخل مصر في حال لم تعرفها من قبل وراح ضحيته الآلاف من المصريين الأبرياء.**الغريب أن سيادة المستشار لم يعقب (لا تلميحاً ولا تصريحاً) على ما ذكرته من أكاذيب محددة للنخب في مقال (1- 11) ولا أدري هل هذا إقرار بكذبهم؟ أم لم يقرأ المقال؟ وهل يمكن أن يصدر القاضي حكمه دون تفنيد بنود دعوى المدعي؟** تتبقى مسألة الدستور والاستفتاء وهي تحتاج بمفردها لأكثر من مقال...وقبل النهاية اسمح لي فقط أن أوضح نقطة خاصة بي فأنا مواطن مصري بسيط لست من النخبة- ولا أحب أن أكون- ولم ولا أنتمي لـ"الإخوان" (وليس عيباً إن فعلت) ولا أدافع عنهم (وشرف لي إن دافعت) ولكني أعبر عن المصريين البسطاء الذين يحلمون بمصر المستقبل مصر بلا خوف ولا قهر مصر الأمن والأمان... مصر يخرج فيها ابني صباحاً لجامعته ويعبر عن رأيه كما يريد ويعود مساءً إلى بيته لا يذهب والداه للمشرحة لاستلام جثمانه بعد إجبارهم على التوقيع على إقرار الانتحار! مصر الخير والازدهار ليست لي ولكن لأبنائي يعيشون على أرضها ويتنفسون هواءها دون أن يتسمموا بالغاز المسيل للدموع أو يقتلوا خنقاً في عربة الترحيلات... هذه هي مصر التي أحلم بها... مصر هي قضيتي وليس "الإخوان" (فليحبهم من يريد وليكرههم من يحب).وإلى مقال آخر إن كان للحرية متسع.