«رجال الآثار»... جنود أنقذوا فنون أوروبا من هتلر
«رجال الآثار»... جنود أنقذوا فنون أوروبا من هتلر
في 17 مايو 1945، بعد فترة من استسلام القوات النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا، حفر عمّال المناجم جدار الأنقاض بالمعاول والمجارف في آلتوس سي، النمسا. ظهرت طبقة بسماكة 12 متراً من الأنقاض أمام المدخل الذي يقود إلى منجم الملح، ومع أن أحداً لم يعلم ما هو موجود في الداخل، كان الجميع يأملون أن يجدوا ما كانوا يبحثون عنه.كان العريف لينكولن كيرستن أول من زحف عبر الفتحة. في الداخل، كان الجو مظلماً وهادئاً على نحو مريب. كان المدخل مغطى بالغبار والركام وكان الباب الحديدي المدّرع محطماً. في عمق الأرض، وجد كيرستن أخيراً ما كان يبحث عنه منذ فترة طويلة: إرث أوروبا الثقافي. كانت الصناديق الخشبية مغطاة بطبقة سميكة من الغبار لكنها بقيت سليمة.
في السنوات السابقة، كان كيرستن كاتباً وناقداً في نيويورك وكان يعمل على عدد من المشاريع التي شملت إطلاق فرقة باليه في ديسمبر 1941. لكن عند قصف قاعدة {بيرل هاربر}، علّق المفكر خططه وانضم إلى الجيش. لكن لم ينتهِ به الأمر وهو يحارب بالأسلحة.كُلّف المفكر حين كان في عمر السادسة والثلاثين بمهمة خاصة في أوروبا. باعتباره واحداً من {رجال الآثار}، طُلب منه العمل على تجنب دمار كنوز أوروبا الثقافية. أنشأ قادة الحلفاء قسم {الآثار والفنون الجميلة والأرشيف} بعد تدمير دير مونتي كاسينو القائم منذ 1200 سنة بسبب وابل من قنابل الحلفاء في فبراير 1944. كانت الأوامر تقضي بحماية الكنائس والأنقاض الأثرية والمعالم الثقافية (إنها مهمة جديرة بالتقدير وكانت ستمنح بعداً أخلاقياً للنصر العسكري).أبحاث في منطقة الحربلكنّ تلك المهمة كانت تشوبها الفوضى. وصل كيرستن إلى الأراضي الأوروبية في يونيو 1944 وكان يتوق إلى المشاركة في مهمة فاعلة ومحدَّدة بوضوح. لكنه اكتشف هناك أن أحداً لم يسمع بوحدته ولم تُخصَّص أي مؤن للمركبات والآلات الكاتبة والإذاعات والخرائط أو حتى ما يكفي من الورق والأقلام. قام كيرستن بمبادراته الخاصة واتكل على معارفه الشخصية لينجح في الوصول إلى فرنسا حيث قابل الملازم جيمس ج. روريمر. كان هذا الخبير بزمن القرون الوسطى وأمين المكتبة في متحف المتروبوليتان للفنون ينفذ مهمة شخصية ضد الدكتاتور الألماني أدولف هتلر منذ اختفاء تمثال العذراء للفنان مايكل أنجلو في بروج ولوحة {تقديس الحمل}. حين تسنى له أن يذهب إلى أوروبا مع رجال الآثار، استغل تلك الفرصة.كان المؤرخ الفني يدافع عن نفسه في فرنسا من دون الاتكال على أي سلطة عسكرية. مع توافر لائحة فقط من الآثار التي تستحق الحماية وصدور أمر من القائد الأعلى لقوات الحلفاء، دوايت د. أيزنهاور، عَبَر شمال فرنسا ليحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. كان مفتاح الحل يتعلق بقدرته على الارتجال. استشار روريمر بعض الضباط وعلّق لافتات تمنع الدخول على أبواب الكنائس والمتاحف. كذلك وضع لافتات على مبانٍ مهمة مع شريط أبيض وصنّفها في خانة المناطق الملغومة لإبعاد الجنود عنها.مرجع مهم في عهد هتلر، سرق الألمان حوالى خمسة ملايين عمل فني من أنحاء أوروبا، وتُعتبر تلك السرقة الأكبر في التاريخ. بعد إقرار الهدنة، ركز رجال الآثار على تحديد مواقع تلك الأعمال وإعادتها إلى أصحابها الشرعيين. أدى عناصر الوحدة الخاصة، التي كانت قد تطورت آنذاك وباتت تشمل 350 رجلاً، دور صائدي الكنوز ففتشوا الأرشيف ومنازل المسؤولين النازيين وأجروا مقابلات مع مديري المتاحف وشهود العيان.قابل روريمر بالصدفة روز فالان، وهي امرأة باريسية أصبحت أحد أهم المخبرين لرجال الآثار. خلال الاحتلال النازي، عملت في متحف {جو دي بوم}، وهو مستودع مهم للأعمال الفنية التي نهبها النازيون. ثم حاولت تعقب الأماكن التي وصلت إليها تلك التحف الفنية وكانت تسجل كل عمل جلبه النازيون وتجمع المعلومات عن مكان وجوده. كانت ملفاتها قيّمة بالنسبة إلى رجال الآثار، ما قادهم إلى أهم المخابئ مثل مجمّع مناجم الملح في آلتوس سي.فضيحة حديثةشملت المناجم حوالى 6577 لوحة، و230 رسماً تخطيطياً ولوحة مائية، و954 رسماً توضيحياً، و173 تمثالاً، و1200 صندوق للكتب، وبعض السلال المليئة بالفنون والصناعات اليدوية والسجاد، وكانت هذه الأغراض كلها قد سُرقت من المتاحف الأوروبية والمجموعات الفنية الخاصة وتم تخزينها في متحف {فوهرير}، وهو عبارة عن مجموعة متاحف خطّط هتلر لافتتاحها في لينز، النمسا.في حال الإطاحة بالرايخ الثالث كان يجب تفجير مستودع آلتوس سي، وكان حاكم المقاطعة أوغست إيغروبر قد خزّن متفجرات إضافية هناك تحسباً للأسوأ. كانت تلك الخطة جزءاً من ما عُرف باسم {مرسوم نيرو} لهتلر، وقد استعمله القائد النازي لإصدار أمر بتدمير البنى التحتية الألمانية لجعلها غير صالحة للاستعمال بالنسبة إلى الحلفاء أثناء تقدمهم.كان تفجير المستودع يعني تدمير آلاف التحف المشهورة عالمياً، لكن لم يحصل ذلك مطلقاً. لا أحد يستطيع أن يحدد الجهة التي منعت التفجير، لكن أصبح هذا الموضوع محور أساطير وقصص بطولية في آلتوس سي. ربما حصل ذلك بفضل المدير العام لمناجم الملح، إمريش بوشمولر، الذي طالب بنزع المتفجرات بموجب أمر مزيف. أو ربما كان عمّال المناجم هم الذين رفضوا تدمير الأعمال الفنية ومصدر لقمة عيشهم.تطلّب إخراج الأعمال الفنية من مناجم آلتوس سي أسابيع عدة لكن لم يتوقف العمل عند هذا الحد. كان الجنود يجدون كنوزاً غير متوقعة في الأقبية وعربات القطارات ومستودعات الأغذية والأديرة وتحت الأرض بشكل شبه يومي خلال فترة معينة بعد الحرب. لم يغادر آخر عناصر من فريق {رجال الآثار} أوروبا قبل عام 1946، وقد تركوا وراءهم رفيقين قُتلا خلال عملهما.قابل رجال الآثار في سياق تحقيقاتهم عائلة غورليت التي كانت تملك مخزناً سرياً يضم أكثر من ألف عمل فني، وقد عُرضت للعلن في ميونخ حديثاً، ما طرح عدداً من الأسئلة القانونية والتاريخية. فاستجوبوا هيلدبراند غورليت، تاجر تحف ركز على الفنون المعاصرة خلال الحقبة النازية وأب كورنيليوس غورليت الذي صودرت منه الأعمال المكتَشفة حديثاً. طُلب من غورليت أن يوضح مصدر مئتَي تحفة كانت سابقاً في عهدة الفرنسيين. فزعم أنه اشتراها كلها بشكل قانوني في سنوات الحرب الأخيرة. أُخذ منه حوالى 150 قطعة من الأعمال الفنية والآثار والممتلكات الثقافية الأخرى لكنها أُعيدت لاحقاً في عام 1950. لم يتضح بعد ما إذا كانت من بين تلك الموجودة في شقة كورنيليوس غورليت في ميونخ.