مستقبل أوروبا يبدو يابانياً أكثر منه ألمانياً
يتشبث صناع السياسة بالأمل في أن الاتحاد المصرفي سيحل كل المشاكل، لكن هل يستطيع هذا النظام الجديد، حين يبدأ العمل في السنة المقبلة، أن ينجح في ذلك؟ هل يستطيع فرض عملية لإعادة هيكلة القطاع على نطاق واسع، وإغلاق المؤسسات التي لا تحقق أرباحاً؟ الجواب هو لا.
حل أزمة اليورو أمر في غاية البساطة. تذكرت هذه الفكرة الأسبوع الماضي، حين سمعت أحد الاقتصاديين يتجاوز كل تعقيدات الأزمة بحجة تقليدية مفادها أنه ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع.فقد حسّنت ألمانيا من قدرتها التنافسية النسبية في مقابل منطقة اليورو خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من خلال تخفيف الأجور. لكن الأجور الألمانية الآن ترتفع بمعدل أسرع قليلاً من معدلات إسبانيا وإيطاليا. وحسب مقياسك المفضل للقدرة التنافسية وتقديرك الشخصي للنطاق اللازم للتعديل، تستطيع أن تجري الحسابات حول الفترة الزمنية اللازمة لإكمال الانقلاب.والتقشف هو الذي يدفع هذا التعديل. فقد حوَّل العجز في الحساب الجاري إلى فائض من خلال تقليص الواردات. وحين تمر البلدان بمرحلة الانكماش الاقتصادي تصبح الصادرات، كما يرجو أنصار هذه النظرة، أكثر تنافسية ويبدأ النمو في الارتفاع ببطء، وهو ما حدث بالضبط في ألمانيا في العقد الأول من القرن الحالي.لكن التوقع الأخير خاطئ لأنه يقلل من أهمية عاملين، الأول هو الأثر الانهزامي للتقشف على النمو حين تكون أسعار الفائدة قريبة من الصفر، كما ذكرتُ عدة مرات على صفحات «فايننشال تايمز».أزمة مصرفيةوالعامل الثاني هو وجود أزمة مصرفية غير محلولة وانقباض ائتماني مصاحب لها، وهو ما يقلص أكثر من ذي قبل النمو الاسمي. وفي بيئة تتسم بنمو اسمي منخفض، لن تختفي الديون الكبيرة من خلال التضخم، وكذلك لن يقبل المصرف المركزي الأوروبي بمزيد من التضخم. كما أن ألمانيا لن تقبل سندات اليورو، ولا حتى بعد الانتخابات العامة في سبتمبر.ويتشبث صناع السياسة بالأمل في أن الاتحاد المصرفي سيحل كل المشاكل، لكن هل يستطيع هذا النظام الجديد، حين يبدأ العمل في السنة المقبلة، أن ينجح في ذلك؟ هل يستطيع فرض عملية لإعادة هيكلة القطاع على نطاق واسع، وإغلاق المؤسسات التي لا تحقق أرباحاً، ودمج المؤسسات الأخرى، أو فرض حالات من التأميم الجزئي؟ الجواب، لا بطبيعة الحال.فبادئ ذي بدء، الاتحاد المصرفي حين يكون في مراحله الأولى سيكون في أغلبه ممولاً من البلدان. وسيتألف من مشرف مركزي وسلسلة من أنظمة حل الديون يتم تنسيقها بين البلدان، لكن دون مساندة احتياطية مركزية. وهذا بحد ذاته ليس بالأمر السيئ تماماً لولا إعادة تأميم التمويل، التي كانت السمة الأساسية في سياسات حل الديون خلال السنوات القليلة الماضية.وهذا يعني أن حل الديون سينتهي به المطاف إلى مجرد تحويل للديون من قطاع في الاقتصاد إلى قطاع آخر. مثلا، حين تنقذ صندوق تقاعد إيطالي يمتلك سندات البنوك الإيطالية، ربما ينتهي المطاف بالدولة الإيطالية إلى مساندة المتقاعدين. وفي حين أن منطقة اليورو لديها بعض القدرة على امتصاص الديون، إلا أن البلدان الطرفية المدينة لا تتمتع بهذه القدرة. إصلاح مهموالسبب الثاني أكثر عمقاً، وهو أن أوروبا ببساطة لا تمتلك تقليدا في مجال حل الديون بصورة جذرية، والمشرفون على البنوك الأوروبية هم من حيث المزاج مشغِلين في بلدانهم وليسوا حكاماً دوليين، كما يعتبرون أن عملهم هو التواطؤ مع القطاع المصرفي في بلدانهم من أجل حمايته من المنافسة الأجنبية.وحين تقع الأزمة، فإنهم يتركون الانتعاش الاقتصادي التالي يتولى المشكلة، بدلاً من حلها من خلال تقليص القدرة المصرفية. وفي حين أجد نفسي مؤمنا فعلاً بأن الاتحاد المصرفي يشكل إصلاحاً مهما على المدى الطويل، إلا أن من الساذج تماماً أن نظن أن مشرفي المصارف المعينين حديثاً سيحلون مشاكل القطاع المصرفي الأوروبي بعزم لم يُظهِروه قط حين كانوا مشرفين على أنظمة بلدانهم.وهذا يأتي بنا إلى استراتيجية لحل البنوك – إذا أردتَ تسميتها كذلك – تبدأ بعمليات غير سليمة في إعادة رسملة البنوك، على أساس اختبارات الإجهاد المشكوك فيها ومراجعات نوعية الأصول، ثم تتبعها خطوات جزئية في السنوات التالية حين تتضح أكثر فأكثر مواطن النقص في الاستراتيجية. وسيصاحب كل هذا تسامح تنظيمي. وقد بدأنا منذ الآن نشهد هذه العملية وهي تتم في إسبانيا.انكماش الدينإن ترك الأمور حتى يأتي الانتعاش التالي من أجل أن يتولى حل المشكلة لن ينجح هذه المرة، لأن الانقباض الائتماني وانكماش الدين سيحولان دون الانتعاش. وتسوية الديون شرط مسبق للنمو، لكن لأن صناع السياسة يمرون في حالة إنكار بخصوص مشكلة انكماش الديون والأثر الأوسع للتقشف، لا أتوقع أن أرى أي مواقف جذرية بالمعنى الفعلي.ماذا عن حل الديون السيادية؟ سيأتي على شكل تبادل خفي للديون بالنسبة لديون الحكومات الطرفية، من خلال تمديد فترات تسديد الديون وتخفيض أسعار الفائدة. وإذا أخذنا كل جانب منهما إلى نهايته المتطرفة ستكون النتيجة على شكل وضع متناقض يتمثل في وجود سند أبدي بفائدة مقدارها صفر – ما يعني خسارة تامة للدائنين، لكن دون الاعتراف بذلك رسمياً. بالتالي تتحول آلية الاستقرار الأوروبي إلى وسيلة لتسليم سندات يورو خفية.إذاً بصورة عامة نحن ننظر إلى مزيج من التسامح المالي والتنظيمي، وعمليات إعادة رسملة على نطاق صغير، وتخفيف من الرفع المالي، وهي عملية يمكن أن يستغرق إنجازها سنوات كثيرة. وخلال هذه الفترة التي تتسم بتقليص النشاط المالي، سيظل القطاع الخاص ضعيفاً، في حين أن القطاع العام سيكون مقيداً بالتزامات المعاهدة التي تفرض عليه أن يكون لديه فائض كبير في المالية العامة.وعلى الجانب الإيجابي، أتوقع أن يحقق قطاع الصادرات في البلدان الطرفية نموا معتدلاً، لكن ليس على النحو الذي يكفي للتعويض عن هذين الأثرين. وأمامنا عقد من النمو الضعيف والبنوك الشبحية التي تعتمد على دعم الحكومات في مواصلة أعمالها، وهو وضع مشابه للوضع الذي رزئت به اليابان خلال السنوات العشرين السابقة.* (فايننشال تايمز)