ذكرى إنشاء شبكة الإنترنت... من منظور شرق أوسطي
إذا ما عدنا بعجلة الزمن ثلاثين عاماً ماضية، وتحديداً في مثل هذا الشهر من عام 1983 فإن تلك الشبكة التي تُعرف باسم "الإنترنت" والتي أحدثت ثورةً حقيقيةً في حياتنا المعاصرة، قد أبصرت النور مع بدء استخدامها للمرة الأولى مدنياً. ولعلكم تعلمون أن بداية القصة كانت بمشروع عسكري تابع لوزارة الدفاع الأميركية التي أنشأت وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة، والتي عملت في ما بعد على ربط مجموعة من المؤسسات الأكاديمية معاً لتكون النواة الأولى لطفرة تقنية عظيمة في حياة البشرية، أصبحت اليوم تشكّل مجتمعاً الكترونياً متكاملاً تصل قيمة الأعمال حوله إلى حوالي تريليوني دولار أميركي، لتُعيد تعريف مفاهيم التواصل بين البشر في مختلف أنحاء العالم.ولقد شكّلت "الإنترنت" الخطوة المهمة الأولى لما أصبح اليوم "الشبكة العنكبوتية العالمية" أو كما يطلق عليها اختصاراً اسم "www"، والتي تتشكل من مجموعة من البروتوكولات الهندسية التي تحكم عملية الاتصال الإلكتروني المستخدم اليوم في مجالات الأعمال، والتعليم، والعلاقات الاجتماعية، والفعاليات الترفيهية وكل ما يحيط بنا.
ومع الانتشار العالمي الواسع للشبكة يلاحظ المتابع لمعدل التفاعل مع الإنترنت، أن منطقة دول الشرق الأوسط هي من أكثر المناطق التي حققت نسب نمو مرتفعة ومستمرة مع الشبكة العنكبوتية، فالإنترنت في هذه المنطقة باتت شبكة واسعة ومتصلة بالمؤسسات التعليمية والمدارس لتتيح أفضل الممارسات التعليمية العالمية، ونقطة اتصال بين المستشفيات ونظيراتها العالمية وأهم المراكز الطبية المتخصصة، هذا بالإضافة لما تشهده المنطقة من نسب انتشار واسعة لاستخدامات الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، وربما يكفي أن نعلم أن احتياجات المنطقة من سعات نقل البيانات عبر الإنترنت تضاعفت سنوياً على مدار السنوات الخمس الماضية، لندرك أن هذا المعدل المتزايد من الطلب على الإنترنت وسعات نقل البيانات في المنطقة هو من أعلى المعدلات عالمياً.سلعة قيمةإن التطوّر الكبير في مفاهيم وممارسات اقتصاد المعرفة في المنطقة، أصبح هو المحرك والقائد المؤثر لما نشهده من معدلات نمو وطلب مرتفعين على سعات نقل البيانات، حيث بتنا نشهد تحوّل "المعلومات" إلى سلعة قيّمة حتى غدت شبكات الألياف الضوئية تفوق في أهميتها الاقتصادية خطوط الشحن ونقل وتبادل البضائع التجارية.أما على مستوى المستخدمين من الأفراد، فقد تزايدت احتياجات المستهلكين من سعات نقل البيانات العالية بشكل كبير، وذلك مع تنامي معدلات الاستخدام وانتشار فعاليات تشارك مقاطع الفيديو على أجهزة الكومبيوتر المكتبية والهواتف الذكية، فعلى سبيل المثال يشهد موقع "يوتيوب" لمشاهدة مقاطع الفيديو حوالي ستة ملايين زائر مختلف من المنطقة يومياً، وذلك بعدما كان عدد الزوار 500 ألف فقط عام 2009، الأمر الذي يؤكد حجم التفاعل الواسع مع هذا النوع من الاستخدامات.كما أصبحت سعات نقل البيانات العالية تلعب دوراً متزايداً في دعم مجالات التنمية في المجتمع، وقد يكون ذلك ملاحظاً بشكل خاص في القطاع الطبي في المنطقة، الذي بات الأطباء فيه اليوم قادرين على العمل بشكل مباشر مع مجموعة أطباء آخرين حول العالم في كندا أو الولايات المتحدة الأميركية أو الصين. وتُعد شركة "غلف بريدج انترناشونال"، وهي شركة تشغيل الكابلات البحرية الخاصة، الأولى في منطقة الشرق الأوسط، التي تقدم أوسع سعة نقل بيانات عبر كابلات الألياف الضوئية، والتي تربط جميع الدول المطلة على الخليج معاً، كما تربطها مع مراكز البيانات في أوروبا وآسيا، تعد من المساهمين المهمين في دعم عمليات تبادل المعرفة وتطوير قطاع الاتصالات في المنطقة، حيث يمكن لمنظومة كابلات "جي بي آي" وحدها نقل بيانات كبيرة تعادل في ضخامتها ما يوازي حجم 7 آلاف فيلم فيديو رقمي كامل في الثانية الواحدة.الإنترنت للأشياءولعل السؤال الطبيعي الذي قد يتبادر إلى أذهان الكثيرين في ظل احتفالات شبكة الإنترنت بالذكرى الثلاثين لتأسيسها هو، كيف سيكون واقع الإنترنت خلال الثلاثين عاماً القادمة؟ وحتماً سيكون لدى جميع المتحمسين للتكنولوجيا عدد وافر من الإجابات المختلفة، وهناك العديد من الأمثلة لتصوّر عمل الإنترنت مستقبلاً، وأحد تلك الأمثلة هو ظهور مفهوم "الإنترنت للأشياء" والذي سيتيح للأجهزة ومعظم ما نستخدمه في حياتنا بشكل يومي، إمكانية التفاعل الكامل وبشكل تلقائي ومستقل مع الإنترنت، فلكم أن تتخيلوا أن ثلاجة الطعام في منزلكم ستكون قادرة على سبيل المثال على التواصل مع محل بيع المواد الغذائية لطلب الحليب عندما يقارب على الانتهاء.كما يتوقع البعض أن يكون المستخدمون قادرين على ارتداء الأدوات الذكية مثل النظارة الذكية التي طرحتها شركة "غوغل" العالمية، والتي ترتقي بمستويات استخدام الإنترنت لأبعاد جديدة مذهلة، بل وفتحت المجال بالفعل أمام مطوري البرمجيات والنظم لخلق تطبيقات جديدة تسمح للمستخدمين باستكشاف آفاق تكنولوجية جديدة.وأنا شخصياً أتوقع أن السنوات الثلاثين القادمة ستحمل للإنترنت بكل بساطة حقيقة واحدة يمكن تلخيصها في كلمة "الزيادة"، فالعالم يشهد حالياً تمكّن 40 في المئة فقط من سكانه من الدخول إلى شبكة الإنترنت، ولكن مع ظهور تقنيات جديدة وتزايد انتشار كابلات الشبكة حول العالم، فإن مناطق جديدة حول العالم ستكون بلا شك قادرة على الانضمام إلى مسيرة الإنترنت، بحيث يمكننا تخيّل ارتفاع النسبة العالمية الحالية من تواجد الإنترنت عالمياً إلى حوالي 80 أو حتى 90 في المئة من مناطق العالم المختلفة. أما على صعيد التأثير المستقبلي على البشرية، فأعتقد أن المستقبل قد يحمل الكثير من التطورات للشبكة العنكبوتية العالمية التي تُعد بحد ذاتها تطوراً ثورياً.ولقد لمست بشكل مباشر التوجه التصاعدي لمعدلات استخدام الإنترنت عندما قمنا في شركة "جي بي آي"، بإنزال أول كابل اتصالات بحري في العراق، الأمر الذي أتاح لهذه الدولة، التي عانت نسباً منخفضة جداً لاستخدام الإنترنت، سعات نقل بيانات كبيرة أسهمت بشكل واسع في دعم القدرة التفاعلية لسكان العراق بينهم وبين العالم الخارجي، حيث أسهمت تلك الثقافة التفاعلية في زيادة معدلات استخدام الإنترنت وتحقيق استمرارية الطلب على سعات نقل بيانات أعلى، بما انعكس بشكل ايجابي على جميع قطاعات المجتمع.وأخيراً، فإننا ومن منطقتنا العربية ذات أعلى معدلات الزيادة في سعات نقل البيانات عالمياً، وذات البنية التحتية المتنامية، والموقع الجغرافي المتميّز الذي يسهم في تأهيلنا لتسلم زمام القيادة مستقبلاً خلال السنوات الثلاثين القادمة، نقدم لشبكة الإنترنت العالمية تحية صادقة وأماني كثيرة في الذكرى الثلاثين لتأسيسها، فلكم من الشرق الأوسط أخلص الأماني بالمزيد من التطور!* عضو مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «جي بي آي»