سباق لإنقاذ البرتقال عبر تغيير حمضه النووي (2-1)
جاء الاتصال الذي كان يخشاه ريك كريس وكل مزارع حمضيات آخر في فلوريدا حين كان يقود سيارته. كان يكفي أن يتفوه مدير بستانه بعبارة «إنه هنا!» كي يُجبَر على ركن السيارة على جانب الطريق. بدأ المرض الذي يطاول ثمرات البرتقال ويجعلها نصف خضراء يجتاح محاصيل الحمضيات في أنحاء العالم وقد وصل الآن إلى بساتين الولاية. جلس كريس صامتاً للحظات طويلة بعد تبلّغه الخبر، فهو رئيس شركة «حمضيات الحدائق الجنوبية» (Southern Gardens Citrus) والمسؤول عن 2.5 مليون شجرة برتقال وعن مصنع يتولى إنتاج العصير لشركتي Tropicana وFlorida’s Natural. ثم قال أخيراً في ذلك اليوم الخريفي من عام 2005: «حسناً، لنضع الخطة المناسبة». «ذي نيويورك تايمز» تابعت الموضوع.
خلال السنوات اللاحقة، بذل المزارع ريك كريس و8 آلاف مزارع آخر في فلوريدا ممن يوفرون معظم كميات عصير البرتقال في البلاد كل ما بوسعهم لمحاربة المرض الذي يسمّونه «اخضرار الحمضيات».لإبطاء وتيرة انتشار الجرثومة التي تسبب الوباء، عمدوا إلى قطع مئات آلاف الأشجار المصابة ورشوا مجموعة هائلة من المبيدات على الحشرة المجنّحة التي تحمل المرض. لكن كان يستحيل احتواء العدوى.
فأقدموا على تطهير نصف مليون فدان من البساتين في وسط فلوريدا وأرسلوا فِرَق بحث من أنحاء العالم لإيجاد شجرة محصّنة طبيعياً يمكن أن تؤدي دور الخالقة الجديدة لمحصول كان قد شهد ازدهاراً واسعاً في الولاية منذ وصوله إلى مدينة بونس دي ليون. لكنهم لم يجدوا أي شجرة مماثلة.قال خبير علم أمراض النبات الذي يرأس فرقة عمل تابعة للمجلس الوطني للأبحاث ومعنية بمكافحة المرض: «في جميع الحمضيات المزروعة، ما من أدلة على وجود مناعة صلبة».قد يكون الوضع كذلك في جميع الحمضيات لكن ليس في الطبيعة كلها على الأرجح. في ظل التوقعات التي تشير إلى تراجع حاد في حصاد فلوريدا خلال عقد من الزمن، لم يبقَ إلا فرصة واحدة لإنقاذ الموسم بحسب رأي كريس، وهي طريقة لطالما تجنبها القطاع الذي يعمل فيه وقطاعات أخرى خوفاً من رفض المستهلكين. يجب أن يغيروا حمض البرتقال النووي عبر أخذ جينة من فصيلة مختلفة.البرتقال ليس المحصول الوحيد الذي يمكن أن يستفيد من المقاومة المُهَندسة وراثياً للأمراض التي تعجز العلاجات النموذجية عن مداواتها. يعتبر مؤيدو هذه التكنولوجيا أنها ستساهم أيضاً في توفير الغذاء للسكان الذين يزداد عددهم بوتيرة متسارعة على كوكب ترتفع حرارته، وذلك عبر تزويد المحاصيل بمغذيات إضافية أو منحها القدرة على النمو وسط الجفاف أو مقاومة الآفات. استنتجت منظمات علمية رائدة أن نقل الحمض النووي بين الأجناس لا يحمل خطراً فعلياً على صحة الإنسان أو البيئة وأن تلك التغيرات يمكن اختبارها بشكل موثوق.لكنّ فكرة تناول نباتات وحيوانات بعد التلاعب بحمضها النووي في المختبر (تحمل هذه المنتجات اسم «الكائنات المعدّلة وراثياً») تثير ذعر الكثيرين حتى الآن. يشعر النقاد بالقلق من أن تحمل تلك المحاصيل مخاطر لم يتم رصدها بعد وأن تُضعف ثقة شركات الكيماويات الزراعية الكبرى التي أنتجت كمية قليلة أصبحت شائعة الاستعمال. فضلاً عن أن العدائية المترسخة منذ فترة طويلة في أوروبا تجاه هذه التكنولوجيا تعمّقت حديثاً بين الأميركيين حين أعلن مؤيدو المنتجات العضوية ومناصرو البيئة وغيرهم عن معارضتهم لها وأطلقوا تحركاً متنامياً يدعم الخيارات الغذائية الصحية والأخلاقية.شعر رب عمل كريس بالقلق من تضرر سمعة العصير الذي تم تسويقه لفترة طويلة على أنه «طبيعي 100%». فسأل خلال اجتماع في مقر الشركة، على الحافة الشمالية من إيفرجليدز، في عام 2008: «هل نريد القيام بذلك فعلاً؟».لم يكن كريس (61 عاماً) مولعاً يوماً بالتكنولوجيا الحيوية. يعمل لساعات طويلة وقد لمع اسمه في أوساط شركات الفاكهة والعصائر مثل شركتَي Welch Foods وSeneca Foods. حين انتقل إلى منصبه في شركة «الحدائق الجنوبية»، قبل أسابيع قليلة من اكتشاف اخضرار الحمضيات، افترض أن أكبر مشكلة قد يواجهها ستكون المنافسة مع شركات المياه المنكّهة أو إقناع زوجته بتحمّل رطوبة الطقس في فلوريدا.لكنّ تراجع الحصاد، الذي يمكن أن يعني جمود مصنع العصير الذي يملكه، كان سيترافق مع عواقب تتجاوز ما تتوقعه أي شركة. تُعتبر فلوريدا ثاني أكبر منتج لعصير البرتقال في العالم بعد البرازيل. يساهم قطاع الحمضيات الذي تبلغ قيمته 9 مليارات دولار في توفير 76 ألف وظيفة في ولاية فلوريدا. كانت شركة «الحدائق الجنوبية» (فرع من شركة «سكر» الأميركية) إحدى الشركات القليلة التي تستطيع تمويل عملية تطوير شجرة «معدّلة وراثياً»، وقد تتطلب هذه العملية عشر سنوات وتكلّف حتى 20 مليون دولار.أجمع العلماء حديثاً على اعتبار الهندسة الوراثية عملية ضرورية لهزم اخضرار الحمضيات. قال أحد العلماء في جامعة فلوريدا لكريس: «سيشرب الناس عصير برتقال معدّل وراثياً أو سيتحولون إلى عصير التفاح».إذا أدى وجود جينة جديدة في أشجار الحمضيات إلى منع تحوّل العصير إلى منتج نادر وأعلى كلفة، يظن كريس أن الرأي العام الأميركي سيؤيد الفكرة. طمأن كريس رب عمله قائلاً: «سيدعمنا المستهلك إذا كانت هذه الطريقة الوحيدة المتاحة أمامنا».من خلال سعيه إلى إنقاذ البرتقال، نحصل على لمحة وافية عن العملية المخيفة التي تطبع التغيير الوراثي لهذا النوع الشائع وفق مهلة محددة. خلال السنوات القليلة الماضية، فكر بالاستعانة بمانحي الحمض النووي من جميع الأشجار الحية، بما في ذلك نوعا نبات وفيروس وخنزير لفترة قصيرة. نشأت جينة اصطناعية تم تركيبها في المختبر لمنافسة الابتكارات في هذا المجال أيضاً.سرعان ما أثمرت الأشجار التجريبية في الحقل بعدما قاومت المرض في الدفيئة. كانت المخاوف من رأي الناس واحتمال تأخير التدقيق التنظيمي كفيلة بإعاقة بعض الأفكار الواعدة. لكن أصر كريس على إتمام مهمته فتجاهل المؤشرات على زيادة زخم الحملات الوطنية ضد المنتجات الغذائية المعدّلة وراثياً.في الأشهر الأخيرة فقط، بدأ يدرك حجم الفجوة القائمة بين ما يستطيع العلم تحقيقه وما يمكن أن يتقبّله المجتمع.تدخل بشري منذ آلاف السنينحتى في ذروة نجاح العصائر المركّزة والمجمّدة، كانت شعبية عصير البرتقال ترتكز بشكل أساسي على صورته كأفضل مشروب طبيعي يتم عصره من فاكهة طازجة. لكن بسبب التدخل البشري، تغيّر البرتقال على مر آلاف السنين كما حصل مع معظم ما يأكله البشر.قبل أن يتدخل البشر كانت الذرة عبارة عن عشب بري، وكانت الطماطم صغيرة الحجم، وما كان الجزر برتقالي اللون إلا في مناسبات نادرة، وكانت البقرة الحلوب تنتج كميات ضئيلة من الحليب. في ما يخص البرتقال، كان يمكن ألا يكون موجوداً أصلاً لو لم تساهم الهجرة البشرية في جلب الليمون الهندي من المناطق المدارية والمندرين الصغير من منطقة معتدلة قبل آلاف السنين في الصين. وما كان البرتقال ليصبح من أشهر أشجار الفاكهة المزروعة لو لم يحمله التجار إلى أنحاء العالم.يُشار إلى أن الأصناف التي صمدت من بين الأنواع الكثيرة التي ظهرت منذ ذلك الحين بفضل عملية التحول الطبيعي هي نتاج الانتقاء البشري، علماً أن معظم عصائر فلوريدا هي خليط من نوعين: الهاملين المعروف بمذاقه العادي ولونه الشاحب لكنه يعوّض عن ذلك بمحصوله الوافر في بداية الموسم؛ وبرتقال فالنسيا الداكن واللذيذ الذي يظهر في مرحلة متأخرة من الموسم.بما أن البرتقال نفسه هو نوع هجين وتكون غالبية البذور مستنسخة من النوع الأصلي، لا يمكن إنتاج أصناف جديدة بكل سهولة عبر التهجين (على عكس التفاح الذي أعاد المزارعون خلطه مع أنواع مفضلة أخرى مثل فوجي وجالا). لكنّ غالبية أنواع البرتقال المتوافرة في البساتين التجارية هي نتاج شكل من المزج الجيني الذي يسبق العصر الروماني حيث يتم زرع برعم ضئيل من فاكهة مفضلة على الجذور الصلبة من أجناس أخرى مثل الليمون أو البرتقال الحمضي. كذلك ظهر في منتصف الموسم برتقال من دون بذور، وقد تبناه حديثاً مزارعو فلوريدا بعدما أمطروا نوعاً يحتوي على البذور بالأشعة لإعاقة حمضه النووي، وهي تقنية تهدف إلى تسريع التطور الذي أنتج أنواعاً جديدة في عشرات المحاصيل، بما في ذلك الشعير والرز.يعتبر مؤيدو هذه الطريقة أن الهندسة الوراثية واحدة من طرق متواصلة يستعملها البشر لتحديد شكل المحاصيل الغذائية، علماً أن كل طريقة تحمل مخاطر معينة: حتى التهجين التقليدي ينتج أحياناً أنواعاً سامة من بعض الخضروات. بما أن تصنيع الكائنات المعدلة وراثياً يتطلب في العادة إضافة جينة أو أكثر (علماً أن كل واحدة تشمل تعليمات عن بروتين تكون وظيفته معروفة)، تبقى نتائج هذه العملية بحسب رأيهم أكثر توقعاً من الأساليب التقليدية التي تشمل خلطاً أو تحويلاً عشوائياً لعدد من الجينات التي تبقى وظائفها مجهولة.لكن بما أن العملية تشمل أيضاً استخراج الحمض النووي من الأجناس التي شهدت تطوره ودسّه في نوع آخر غير مرتبط به (أو تعطيل الجينات الموجودة أصلاً)، يعتبر منتقدو هذه التكنولوجيا أنها تعكس درجة جديدة وخطيرة من التلاعب ولا تزال مخاطرها غير واضحة بالكامل.لو حصل كريس على وقت إضافي لكان انتظر أن يطوّر البرتقال بشكل طبيعي مقاومة للجراثيم المعروفة باسم C. Liberibacter Asiaticus. يمكن أن يحصل ذلك غداً. أو قد يتطلب الأمر سنوات أو عقود عدة. أو قد يختفي البرتقال من فلوريدا قبل حدوث ذلك.تراجع مرتقبيبدو أن المناقشات الأولى بين مزارعي الحمضيات الآخرين عن نوع أبحاث الأمراض التي يجب أن يدعموها جميعاً لم تنجح في طمأنة كريس بشأن مشروعه الخاص في مجال الهندسة الوراثية.قال أحد المزارعين خلال اجتماع مثير للجدل في عام 2008: «لن يشرب الناس عصير البرتقال المعدّل وراثياً. سنهدر أموالنا سدىً». لكن واجهه المزارع البارز بيتر مكلور قائلاً: «يأكل الناس أصلاً أطناناً من الكائنات المعدلة وراثياً». ثم قال مزارع آخر: «الأمر لا يشبه تناول «دوريتوس». نحن نتحدث عن منتج خام: إنه جوهر البرتقال». تشتق المأكولات المعدلة وراثياً التي يستهلكها الأميركيون منذ أكثر من عشر سنوات (الذرة، حبوب الصويا، بعض زيت بذرة القطن، زيت الكانولا، السكر) من المقادير غير المرئية داخل المأكولات المصنّعة مثل حبوب الفطور وصلصة السلطة ورقائق التورتيلا. كذلك تفتقر الأصناف القليلة من الأنواع المعدلة وراثياً ضمن المنتجات (البابايا من هاواي، بعض أنواع القرع، فئة من الذرة الحلوة) إلى الشهرة التي تجعلها مشروباً شائعاً على الفطور علماً أن مشروب الفطور يُعتبر بحسب كريس أساسياً بالنسبة إلى الأميركيين الذين يشربون في كل حصة فردية ما يفوق الكمية التي يستهلكها الآخرون.إذا صدّقنا مختلف استطلاعات الرأي، يتبين أن ثلث أو نصف الأميركيين سيرفضون تناول أي محصول معدّل وراثياً. سيوافق بعض المشاركين في الدراسة على تناول أنواع معينة فحسب: اعتبر ثلثا الناس أنهم قد يأكلون فاكهة معدّلة بجينة نباتية أخرى، لكنّ قلّة منهم توافق على تناول نوع فيه حمض نووي مستخرج من حيوان. فضلاً عن أن عدداً أقل من ذلك سيقبل بتناول منتج يحتوي على جينة مستخرجة من فيروس.كذلك، تسود قناعة مفادها أن أي نبات يكتسب هوية النوع الذي سُحب منه حمضه النووي الجديد، كما حصل مع العالِم في فيلم The Fly حين زرع أجزاء من حشرات وأخطأ باستعمال ذبابة خلال عملية خلط الحمض النووي.ضمن استطلاع رأي أجراه «معهد السياسات الغذائية» في جامعة روتجرز في عام 2004، حين سُئل المشاركون إذا كانت الطماطم التي تحتوي على جينة مستخرجة من السمك ستكسب «مذاق السمك» (في إطار جهود إحدى الشركات لإنتاج طماطم تقاوم الصقيع بفضل جينة مستخلصة من سمك مفلطح)، أعطى أقل من النصف جواباً صحيحاً حين قالوا «لا». كذلك أظهرت استطلاعات الرأي خوفاً من أن تؤدي هندسة الطعام الوراثية إلى خلل في النظام البيئي.في المقابل، أشار الباحثون العاملون مع كريس إلى السبب الحقيقي الذي يجعل من الهندسة الوراثية خياراً ناجحاً: جميع الكائنات الحية تتقاسم الكيمياء الحيوية الأساسية نفسها. إذا كانت الجينة مستخرجة من أسماك المياه الباردة، يمكنها أن تساعد الطماطم على مقاومة الصقيع لأن الحمض النووي رمز عالمي تجيد الطماطم قراءته. حتى الأصناف البعيدة الصلة (مثل البشر والجراثيم) تتقاسم جينات عدة بقيت وظائفها ثابتة على مر مليارات السنين من التطور. قال أحد الباحثين: «لا أهمية لمصدر الجينة. المهم هو ما تفعله». وضع كريس استطلاعات الرأي جانباً. فقد تشجّع بفضل محاولات أخرى كانت قيد التطوير لتعديل المأكولات وراثياً. ظهرت أيضاً فاكهة أخرى هي «تفاح القطب الشمالي» حيث تعطلت جينات اللون الداكن بهدف تخفيض الهدر والسماح ببيع الفاكهة على شكل شرائح.قال كريس أمام مدير أبحاثه مايكل إيري فيما كانا يجمعان العلماء الخمسة الذين ستستعين بهم شركة «الحدائق الجنوبية»: «سيطّلع الرأي العام على الكائنات المعدّلة وراثياً في الوقت الذي نصبح فيه جاهزين». وأمام العلماء والمزارعين ومصنّعي العصائر خلال اجتماع عُقد في ميامي في بداية عام 2010، أصر على ضرورة أن تعطي شركته الأولوية لإيجاد جينة فاعلة.لكن كان الخصوم أقوياء جداً. كسبت جرثومة C. Liberibacter التي تقتل أشجار الحمضيات عبر إعاقة تدفق مغذياتها (رُصدت للمرة الأولى حين دمرت أشجار الحمضيات منذ أكثر من قرن في الصين) مكانتها، إلى جانب الجمرة الخبيثة وفيروس الإيبولا، على لائحة وزارة الزراعة للعناصر المتهمة بالإرهاب البيولوجي. تستطيع القملة النباتية الآسيوية، أي الحشرة التي تمتص الجراثيم من شجرة لتعيد حقنها في شجرة أخرى حين تتغذى من سائل أوراقها، حمل الجرثومة على مسافة ميل من دون توقف، وتستطيع الإناث وضع حتى 800 بيضة خلال حياتها التي تدوم شهراً.يجب أن يحارب الحمض النووي الذي يبتكره كريس الجراثيم أو الحشرة. في ما يخص القبول العام، أخبر زملاءه في القطاع: «لا يمكن أن نفكر بذلك في الوقت الراهن».عامل مريبكريس شخص مرتب وأشيب الشعر ويصفه زملاؤه بالرجل الدائم التوتر (يفضّل اعتبار نفسه من الأشخاص الذين يركزون بشدة على عملهم). يصل إلى المكتب في السادسة والنصف من كل صباح ويسخّن وعاء من دقيق الشوفان في الميكروويف. كذلك يخزن علباً من حساء دجاج «كامبل» في خزانة مكتبه ويسخنها للغداء. حين يصل إلى المنزل في كل ليلة، يقطف زهرة من حديقته لزوجته. في نهاية الأسبوع، يعمل في فناء منزله ويتأمل مقتطفات عن الكائنات المعدلة وراثياً في الأخبار.بالنسبة إلى رجل يستمتع بحياته الروتينية، كانت الشكوك التي طبعت بحثه عن الحمض النووي مقلقة بالفعل. كان المشروع ليكلّف شركة «الحدائق الجنوبية» ملايين الدولارات لمجرد القيام باختبارات السلامة على جينة واحدة في صنف واحد من البرتقال. من بين المقاربات التي طرحها باحثوه الخمسة، خطط لتضييق مجال البحث وحصره بمقاربة واحدة تعطي أفضل النتائج مع مرور الوقت.لكن في عام 2010، مع انتشار المرض بوتيرة أسرع مما توقع الجميع، ارتبط العامل الأبرز بتحديد المقاربة التي ستجهز قبل غيرها.لمحاربة جرثومة C. Liberibacter، اختار دين غابريال من جامعة فلوريدا جينة مستخرجة من فيروس يدمر الجراثيم أثناء تكاثرها. صحيح أن الفيروسات المسماة «عاثيات الجراثيم» لا تضر البشر، لكن طلب مايكل أحياناً من كريس التفكير بعائق العلاقات العامة الذي يمكن أن يظهر بسبب مصدر غريب من الحمض النووي. هذا هو السؤال المباشر: «هل تتحدثون فعلاً عن جينة مستخرجة من فيروس يصيب الجراثيم؟».لكن شعر كريس بالقلق لأن د. غابريال أخذ وقتاً طويلاً لصقل مقاربته بشكل مثالي.أيّد منافس آخر، هو إريك ميركوف من «جامعة تكساس إي أند أم»، استعمال الأشجار التي حقنها بجينة من السبانخ (ذكّر كريس بأنه غذاء «نعطيه للأطفال»). تنتج الجينة الموجودة في أشكال مختلفة من مئات النباتات والحيوانات بروتيناً يهاجم الجراثيم المعتدية.على رغم ذلك، واجه د. ميركوف التشكيك من المزارعين. فسأل أحدهم: «هل سيشبه مذاق العصير طعم السبانخ؟». تساءل آخر: «هل سيكون أخضر اللون؟». لكنه أجاب بكل ثقة: «لا علاقة لهذه الجينة بلون السبانخ أو مذاقه. يصنّع الجسم أنواعاً مشابهة جداً من البروتينات كجزء من دفاعه الخاص ضد الجراثيم».حين مرض بعض الأشجار الواعدة التي اختبرها كريس خلال التجربة الأولى، اقتنع العالِم بضرورة محاولة تحسين نتائجه من خلال استعمال جيل جديد من الأشجار، وذلك عبر تعديل موقع الجينة. لكن قد تحتاج الأشجار المعدّلة وراثياً التي تبدأ على شكل خلية واحدة في طبق بتري إلى سنتين قبل أن تصبح صلبة بما يكفي لزرعها في الأرض وإلى سنوات إضافية كي تثمر.فيروسهل من جينة تسرّع وتيرة عمل الطبيعة الأم؟خلال فترة معينة، بدا وكأن الجواب يكمن مع العالم ويليام داوسون من جامعة فلوريدا. نجح الأخير في تغيير أشجار نامية بالكامل عبر ربط جينة بفيروس يمكن دسّه عبر إحداث شق صغير في لحاء الشجر. تتوقف الجينات المنقولة بهذه الطريقة عن العمل في نهاية المطاف، لكن كان كريس يأمل استعمالها كتدبير موقت لتجنب وصول المرض إلى 60 مليون شجرة حمضيات كانت مزروعة أصلاً في بساتين فلوريدا. مزح داوسون حين تمنى إنقاذ الليمون الهندي على الأقل لأنه يتلذذ بعصيره.لكن كانت نتيجته الواعدة في تلك السنة محكومة بالفشل منذ البداية: من بين الجينات الاثنتي عشرة التي تحارب الجراثيم وكان قد اختبرها على أشجاره في الدفيئة، اشتقّت الجينة التي بدت فاعلة من خنزير. فاعتبر أن جينة من أصل 30 ألف تقريباً ضمن الشفرة الوراثية للحيوان تعكس «معدلاً ضئيلاً جداً عند الخنزير».قال مسؤول من «وكالة حماية البيئة» لكريس: «لا تتعلق المشكلة بالسلامة من وجهة نظرنا بل ثمة عامل مريب واضح». ردّ كريس: «ثمة أمر فاعل على الأقل. إنه إثبات على صحة المفهوم».لكن بسبب تحذير مماثل، سرعان ما تلاشت آماله بالمصادقة على الجينة الاصطناعية التي يتم تصميمها في المختبر على يد عالم رابع هو جيسي جاينس من جامعة توسكيجي. خلال عملية محاكاة، تفوقت الجينة التي ابتكرها جاينس على الجرثومة التي تسبب الاخضرار. لكن كان إثبات الخصائص الآمنة للجينة الاصطناعية لِيُطيل مدة العملية. قيل للسيد كريس: «ستتلقى أسئلة إضافية عن جينة غير موجودة في الطبيعة».في خريف عام 2010، كانت جينة البصل التي منعت القمل النباتي من الهبوط على نباتات الطماطم تعمل في مختبر كورنيل الذي يرأسه هيرب ألدوينكل، آخر أمل بالنسبة إلى كريس. لكن سيمر بعض الوقت قبل التمكن من نقل الجينة إلى أشجار البرتقال.وحدها أشجار ميركوف المعدلة حديثاً بجينة السبانخ قد تصبح جاهزة في الوقت المناسب لمنع حصول تراجع حاد في المحصول بحسب كريس ومايكل. في خريف عام 2010، خضعت تلك الأشجار للاختبار داخل دفيئة مغلقة ومليئة بالأشجار المصابة والقمل النباتي.