افتتاحية: حرب الغوطتين و«مشروعية» الضربة
يعاني المواطن العربي اليوم تمزقاً عاطفياً موجعاً وتيهاً فكرياً مذلاً، بين رفض فطري تاريخي للغزو الخارجي، ورفض معيشي وحضاري للطغيان الداخلي. فمن نكد العيش فعلاً أن تصبح الدعوة إلى تدخل عسكري أجنبي مطلباً عربياً رسمياً وشعبياً، بل وأخلاقيا أيضاً. وفي الوقت ذاته من الظلم ومن العبث أن يُطلب من أصحاب الثأر ممن هدمت بيوتهم، وتشردت عائلاتهم، وذبح أطفالهم الدفاع عن جلاديهم. وما يخفف من وجع تمزقنا حيال ما ينتظر دمشق اليوم، أننا قد عشنا هذه المأساة من قبل في بغداد وفي بنغازي، ونكاد نقول في صنعاء، كما عاشها غيرنا في أفغانستان وصربيا، ونكاد نقول في ألمانيا أيضاً. فهذا الخيار الحزين الجارح بين ظلم ذوي القربى وغزو ذوي القوة، ليس - في نهاية الأمر- إلا نتيجة طبيعية لأنظمة الاستبداد التي ترفض أن ترحل.فمنذ بداية "الربيع السوري" إن صح التعبير، أطلق الحكم تهديده الشهير "الأسد أو لا أحد" أي بقاء النظام أو فناء الوطن. وهو تهديد يعكس بوقاحة عارية فاضحة أن كل التزامات الحكم الوطنية والاجتماعية والقومية لا قيمة لها إلا بمقدار ما تخدم مصالح النظام. وهو ما أكدته بشكل مطلق كل تصرفات الحكم السوري طوال أربعين عاماً أو تزيد. ولم تكن جريمة إعدام الأطفال بالأسلحة المحرمة إلا في هذا السياق. وليس تصاعد قرع طبول حرب الغوطتين إلا إعلاناً عن اقتراب ساعة الحقيقة: حقيقة تأخر المجتمع الدولي في استيعاب حجم الكارثة السورية، وحقيقة ما يترتب على محاولة أميركا أن تحكم العالم دون تكلفة، وحقيقة تجذر الاستبداد والطغيان في طبيعة النظام الحاكم في سورية، وحقيقة الإخفاق الطويل والمخزي الذي سجلته المعارضة السورية في توحيد وتنظيف صفوفها، وحقيقة العجز العربي المهين الذي تجاوز عجز المماليك في أواخر عهدهم.
يرجح المراقبون أن تتلقى دمشق ضربة عسكرية، ويرجح المراقبون أن تكون الضربة قصيرة المدة والمدى، وأن تكون عقابية موجعة لا حاسمة منجزة. ورغم كل ما يحشده أنصار الضربة من دوافع ومبررات، وكل ما يسوقه معارضوها من مخاطر ومحاذير، فإننا نعتقد أن "شرعية" ضربة كهذه لا ترتبط بمسوّغاتها المسبقة بقدر ما ترتبط بنتائجها اللاحقة. وهنا بالذات تكمن المفارقة الحقيقية والعبثية في آن معاً.ستكون الضربة "مشروعة" وآلامها مبررة، إذا ما أدت إلى إنهاء المجزرة السورية بالدخول إلى مرحلة انتقالية، يحكم فيها جيش وطني واحد يتألف من الجيش السوري والجيش الحر، وتتمثل فيه كل التيارات والمكونات والطوائف، وذلك من خلال حكومة لإعادة البناء المؤسسي وإعادة البناء العمراني والاقتصادي. مرحلة انتقالية تسير فيها سورية حسب خارطة طريق واضحة، ونحو نظام وطني مدني ديمقراطي لا غلبة فيه ولا إقصاء. وستكون الضربة "مشروعة" وآلامها مبررة، إذا ما أدت إلى وقف الحرب الشرسة، وجلوس أطراف الحرب إلى طاولة مفاوضات ذات جدول أعمال واضح وبرنامج زمني محدد، يفضي الاتفاق الذي يصدر عنها إلى سورية محررة من حكم الحزب الواحد والأسرة الواحدة والفرد الواحد، لتعود سورية ذات الحكم الوطني والمدني والديمقراطي.أما إذا لم تؤدِّ الضربة المتوقعة إلى إحدى هاتين النتيجتين، فسيتحمل الشعب السوري خسائرها كاملة؛ مزيداً من المذابح والتشرد، ومزيداً من الغلاء والجوع، مقابل أن يلمّع العم أوباما صورته الداكنة المهتزة، وتؤكد الولايات المتحدة استمرار تفوقها في الحربين الساخنة والباردة، وتنكشف مراوغة موسكو وذرائعية طهران.بين عامي 1455 و 1485 شهدت إنكلترا على مدى ثلاثين سنة متواصلة حرباً أهلية أطلق عليها شكسبير اسم "حرب الوردتين"، وحرب الوردتين هذه انتهت بانتقال العرش الإنكليزي من فرع إلى آخر داخل العائلة الحاكمة نفسها.أملنا كبير ألا تنتهي "حرب الغوطتين" بانتقال حكم "الجمهورية الملكية السورية" من فرع إلى آخر من فروع الاستخبارات نفسها.حفظ الله سورية وشعبها من كل مكروه.