البكتيريا المعوية... توازنها ضروري لصحتك
اعتاد الناس على الاعتقاد بأن البكتيريا أحد أنواع الكائنات العدوة للجسم البشري على رغم أنها تؤدي دوراً مهماً لا غنى عنه في الحفاظ على صحة جيدة. في هذا الصدد، تشهد الدراسات والأبحاث تطوراً كبيراً في التعامل مع البكتيريا التي تشكّل النباتات المعوية.
يضمّ الجسم أكثر من مئة مليار بكتيريا أي أكثر بعشر مرات من الخلايا الموجودة في الجسم مجتمعة. تستعمر البكتيريا الجسم منذ الولادة، فبعدما يكون الجهاز الهضمي في الرحم عقيماً، يكتسب عند الولادة أنواعاً جديدة من البكتيريا بفعل الاحتكاك مع المحيط (أشخاص، غذاء...) ويستمر في ذلك إلى أن يبلغ المولود الثالثة من عمره، عندها تثبت الباكتيريا وتستقرّ إلا في حالات المرض.
جيش يحمي الجسمعلاوةً على إنتاج الجسم الفيتامينات B12 ،B8، وK، تساعد البكتيريا على تغذيته من خلال تحويل كلّ ما يدخل إلى الجسم (ألياف على سبيل المثال)، وبعض الفضلات السمية إلى منتجات غير ضارة تشكل أساساً لنظام المناعة الذي يقاوم الأمراض.تعود فكرة البكتيريا الحميدة إلى أكثر من 100 عام عندما لاحظ الباحث الروسي الفرنسي إيلي ميتشنيكوف (حائز جائزة نوبل في الطبّ - -1908) أن عمر بعض سكان بلغاريا طويل، وأعاد الأمر إلى استهلاكهم كميات كبيرة من منتجات الحليب المخمرة الغنية بالبكتيريا الملبنة، هذه المسألة بالذات أثارت اهتمام العلماء في السنوات العشر الأخيرة.تُعتبر غالبية الكائنات الدقيقة في الجسم لاهوائية، بمعنى أنها لا تعيش إلا بغياب الأوكسجين. لذلك كان لا بدّ من الاستفادة من تقنيات علوم الأحياء الحديثة لدراستها عن قرب، وهو ما نجح المشروع الأوروبي MetaHIT (انطلق عام 2008) بالتنسيق مع المعهد الوطني للأبحاث الزراعية (إنرا) بإنجازه.لكلّ جسم بكتيريا عام 2010، حللّ باحثون براز مئات الأشخاص بفضل تقنية تسلسلية دقيقة وفكوا رموز جينات الكائنات الدقيقة، وتحديد آلاف السلالات البكتيرية المختلفة الحاملة أكثر من 3.3 مليون جين (100 مرة أكثر من الجينوم البشري)، إلا أن الشخص لا يحمل إلا 170 سلالة. ينتشر أقل من نصف هذه السلالات تقريباً على نطاق واسع، في حين تبدو سلالات أخرى نادرة.في 2012، اكتشف الباحثون إمكان تقسيم الكائنات البكتيرية إلى فئات والتمييز بين ثلاثة أنواع من النباتات المعوية أو المجهريات، استناداً إلى السلالة الأكثر انتشاراً: بكتيروييد، بريفوتيلا، رومينوكوكوس.ينتمي كلّ فردٍ إلى إحدى هذه المجموعات المعوية التي لا علاقة لها بالمحيط الجغرافي أو الجنس أو العمر، وقد تتأثر في المقابل بالتغذية. يزيد استهلاك كميات من البروتينات والدهون الحيوانية من معدل البكتيروييد في حين أن التغذية الغنية بالفاكهة والخضار تحسّن كمية البريفوتيلا.حاجة إلى الجراثيمقد تتخطى النباتات المعوية حدود المعقول وتشكّل عائقاً، فيسبب هذا الخلل أمراضاً. دلت الأبحاث على أن قلة التعرض للجراثيم في الطفولة تساهم في تطوّر أنواع من الحساسية والأمراض المناعية بسبب عرقلة نضوج نظام المناعة.في نوفمبر الماضي، أظهر باحثون أستراليون أن نوعية ضعيفة من النباتات المعوية لدى حديثي الولادة تزيد من خطر إصابتهم بالإكزيما، وكلّما كانت النباتات غنية بالجينات، كانت أكثر قدرة على حماية الصحة والحفاظ عليها.أتاحت دراسة المجهريات كشف حالات شاذة مرتبطة بأمراض التهابية مزمنة في الجهاز الهضمي، لا سيما داء كرون والتهاب القولون التقرحي.داء كرونتحتوي النباتات المعوية لدى الأشخاص الذين يعانون داء كرون على 30% من البكتيريا {النادرة}. في ما يتعلق بهذا الداء اكتشف الباحثون تغييراً في العلاقة بين نوعين من المجموعات البكتيرية: قويات الجدر أو الفرميكيوتات (السلالة المطثية أو كلوستريديوم، العصيات، الملبنة أو اللاكتوباسيلس...) والبكتيروييديت (مجموعة تتألف من باكتيروييدي وفلافوبكتيريا).أما النباتات البالغة الطبيعية فتضمّ حوالى 10 قويات جدار مقابل البكتيروييديت الواحدة، تكون الفئة الأولى أقل بعشر مرات من الفئة الثانية لدى المريض الذي يعاني داء كرون.قد تكون كمية قويات الجدر الضئيلة، بكتيريا يُطلق عليها اسم Faecalibacterium prausnitzii، مسؤولة عن الاضطرابات التي تصيب الأمعاء، إذ أثبت الاختصاصيون أنها تفرز جزيئيات تتمتع بخصائص هامة مضادة للالتهابات.لاحظ الأطباء أن خطر الإصابة بداء كرون مرتفع لدى المرضى الذين تمّ استئصال جزء من أمعائهم حين يكون معدل بكتيريا Faecalibacterium prausnitzii منخفضاً. في المقابل، يبدو أن وجود نوع آخر من البكتيريا يُعرف بـ Calibacterium prognitie يحمي من خطر التعرض مجدداً لداء كرون. حلول لمساعدة الأمعاءيحيط الغموض بالعالم الداخلي هذا الكامن في الأمعاء الذي لا نسمع منه إلا تلك الغرغرة رغم أنه لا ينفكّ يحدثنا. لمعرفة أفضل السبل لاستخدام الكائنات الحيّة الدقيقة، لا بدّ من فهم دورها بشكل محدد، لا سيما التفاعلات بين جيناتها وبين جينات الجسم التي تشجع وظائف معينة أو تثبطها، فتسمح بالتالي بمكافحة الأمراض المناعية أو تهدئة أعراض تهيّج الأمعاء الذي ينضوي على اضطربات على صعيد النبات المعوي أيضاً. حتى الآن لم يحدد العلماء الطريقة التي تتفاعل فيها البكتيريا مع خلايا الغشاء المخاطي المعوي أو خلايا الدمّ المناعية الموجودة أسفلها تماماً. في المقابل، يمكن ملاحظة التفاعل مع الأعضاء التي تمرّ فوق الأمعاء، على سبيل المثال، الخوف أو القلق يسببان ألماً في المعدة، إذ تبيّن أن الأمعاء تؤثر على الدماغ أيضاً! في هذا الإطار بدّل فريق من الباحثين نباتات معوية لمجموعتين من الفئران، تتميز الأولى بهدوئها والثانية بقلقها، فوجدوا أن سلوكها تغيّر فوراً، ما يشير إلى تغيرات في الناقلات العصبية في الدماغ.لمكافحة السمنةعلى غرار داء كرون، يشوب التوازن بين بكتيريا قويات الجدار والبكتيروييديت خللاً لدى الأشخاص الذين يعانون السمنة. خلافاً لذلك، يمكن العثور على 100 قوية جدر (عشر مرات أكثر من العدد الطبيعي) مقابل بكتيروييديت واحدة. من هنا يبدو أن النقص في البكتيروييديت يعزز تكدس الدهون. في هذا السياق نقل باحثون نباتاً معوياً من فأرة سمينة إلى فأرة نحيلة، واكتشفوا أنه بمجرد دخول النباتات المعوية الجديدة إلى جسمها حتى اكتسبت وزناً بشكلٍ مفرط، وكأن جسمها بات أكثر فاعلية وقدرة على الاحتفاظ بالطاقة.من جهة أخرى، لاحظ فريق عمل في إحدى المستشفيات الفرنسية أن النباتات المعوية تتغيّر لدى الأشخاص الذين يعانون سمنة بعد خضوعهم لجراحة تحوير المعدة. أياً كان سبب المشكلة أو نتيجتها، تساهم النباتات المعوية في إحداث مزيد من الخلل وفي زيادة خطر الحالة. فهل يمكن تغييرها لتنحيف الجسم؟ وهل يساعد ذلك على الحدّ من مخاطر زيادة الوزن؟ يركز العلماء على الأسئلة هذه. وقاية من السكرييركز الباحثون على دور البكتيريا المعوية في الأمراض المرتبطة بالسمنة، وأثبتوا في الآونة الأخيرة أنها تساهم في تطوّر التدهن الكبدي (تكدّس الدهن في الكبد) والسكري. لذلك، اختاروا فأرة خالية من أنواع المجهريات وزرعوا في جسمها نباتات معوية من فأرة تعاني مرحلة ما قبل السكري (مقاومة الإنسولين). بعد خضوع الفأرتين لحمية غنية بالدهون لمدة 4 أشهر، اكتسبتا وزناً، إلا أن الفأرة الأولى أصيبت بداء السكري وتأزمت حالة كبدها بشكلٍ كبير.يتحدث العلماء اليوم عن أملٍ جديد يلوح في الأفق يعد بالوقاية من خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني أو على الأقل بالحدّ منه. عمد باحثون هولنديون إلى حقن نباتات معوية لدى أشخاص لا يعانون السكري في أجسام أشخاص يعانون السكري بعدما نظفوا أمعاءهم من نباتاتها بواسطة محلول مغصي (هو عينه المستعمل قبل إجراء نتظير للقولون) فلاحظوا تحسناً بعد ستة أسابيع.بكتيريا مضادة للاكتئابعلى مدى أسابيع، قدّم باحثون في جامعة كورك في إيرلندا لفئران غذاءً غنياً باللاكتوباسيل، فتبيّن لهم تراجع علامات القلق والخوف لدى هذه الفئران بالمقارنة مع فئران أخرى وتحسناً في قدراتها الإدراكية كالقدرة على الحفظ.في مواجهة الأمراض المزمنةيتطلع الباحثون إلى البحث عن علامات في مجهريات حوالى ألفي شخص يعانون مراحل من السمنة والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية. منذ سنوات، اكتشف العلماء أن النسيج الدهني لدى الأشخاص الذين يعانون وزناً زائداً يثير التهاباً مخفياً يؤدي إلى بعض التعقيدات.في السياق نفسه أثبت باحثون بلجيكيون رابطاً بين معدل قويات الجدر والالتهاب، ويأملون باكتشاف علاقات جديدة وفهم العلاقة بين التغيرات التي تطرأ على النباتات المعوية وخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ما يتيح لهم تطوير طرق علاجية.البروبيوتيكبات معلوماً أن الحمية المتوازنة تحسّن راحة الأمعاء. فهل تنفع زيادة كمية البروبيوتيك وما الدور الذي تؤديه؟هل من الضروري تناول بروبيوتيك؟ البروبيوتيك كائنات حية مجهرية تنفع الجسم وتخدم الصحة عند تناولها بكميات كافية، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. يشهد بعض الأبحاث على فائدتها في محاربة الإسهال الناجم عن الفيروس العجلي لدى الأطفال.في دراسة شملت 100 مريض يعانون متلازمة التهيج في الأمعاء وقارنت نتائج البروبيوتيك مع نتائج دواء وهمي، تبيّن تحسن مستوى الراحة والعبور لدى المرضى الذين يعانون الإمساك بفعل فيروس لاكتيبيان وتناولوا البروبيوتيك، في حين ثبت أن أنواعاً أخرى من البروبيوتيك تخفف من أعراض تهيّج الأمعاء.علاوةً على ذلك، برهن باحثون في معهدي إنرا وباستور أن نوعي اللاكتوباسيل الموجودين طبيعياً في النباتات المعوية يخففان من انتشار البكتيريا المسؤولة عن مرض الدوران في الجسم. يُعزى الأثر الواقي إلى البروبيوتيك على الجينات في الجسم والجرثومة المسببة للمرض. كذلك برهن الباحثون أن العوامل المساعدة هذه تدعم جهاز المناعة.لكن هل ينفع البروبيوتيك فعلاً حين يُراد منه التخلص من الزكام وغير ذلك من أمراض تصيب جهاز التنفس؟ لا يبدو الأمر أكيداً... فالصحيح بالنسبة إلى سلالة ليس بالضرورة صحيحاً لسلالةٍ أخرى، إذ يضم الجسم ما لا يقل عن عشر سلالات من اللاكتوباسيل والإشريكية القولونية (إي كولاي) والبيفيدو بكتريام. يمكن لسلالة قادرة على حماية الجسم من مرض الدوران أن تعطّل مجهريات شخصٍ غير مصاب.من جهة أخرى، أثبت بعض الأبحاث أن البروبيوتيك يخفف من الإصابة بالتهابات معوية مزمنة، فالبكتيريا الإشريكية القولونية نيسل 1917 (الاسم التجاري موتافلور) تتميز بخصائص مضادة للالتهابات شبيهة بخصائص الكورتيكوييد، ما دفع جهات صحية في أكثر من دولة إلى السماح بتداولها.في المقابل، اكتشف الباحثون أن هذه البكتيريا قادرة على إنتاج مادة سمية تحفّز سرطان القولون، وقد نجحوا في التخلّص من أثرها من دون أن يتمكنوا من الحفاظ على خصائصها المضادة للالتهابات. لا شكّ في أن البروبيوتيك قد يترك آثاراً سلبية في حال لم يتمّ تناوله بجرعات مناسبة وفي الأوقات المناسبة. هل فاعلية البروبيوتيك طويلة الأمد؟ خلافاً لما تقترحه الإعلانات، لا يساعد البروبيوتيك على استعادة النباتات المعوية وإصلاحها. قد يترك أثراً فاعلاً أثناء العبور المعوي إلا أنه لا يستعمر الأمعاء لفترة طويلة. يسرّع البربيوتيك الشفاء عند الإصابة بإضطرابات عابرة نتيجة الضغط أو المرض أو الدواء إلا أن أثره لا يدوم طويلاً.تشير الجهات الصحية إلى أثر بعض سلالات البروبيوتيك على الإسهال الناتج من المضادات الحيوية. لا بدّ من الإشارة إلى أن الأبحاث ما زالت في بدايتها في ما يتعلق بفاعلية البروبيوتيك في علاج بعض الأمراض. في مطلق الأحوال، يُفضل مناقشة الأمر مع الطبيب قبل البدء بعلاج يعتمد على البروبيوتيك.إلى ما تُعزى فائدة البروبيوتيك في الطب النسائي؟ البكتيريا والخمائر موجودة في المهبل وتشكل غشاءً واقياً ضد الأجسام غير المرغوب فيها. في حال عانت المرأة الفطريات والتهاب المثانة، ينصح الطبّ النسائي بتعديل النباتات البكتيرية، من خلال علاجٍ يستمر لشهرين على الأقل، إلا أن السلالات جميعها تبدو غير فاعلة، لذلك من الأفضل مراجعة الطبيب وطلب نصيحته فهو الأدرى بالسلالات (لاكتوباسيلوس رامنوسوس ولاكتوباسيلوس روتيري) التي ثبتت فاعليتها وفائدتها وبالأنواع التي تناسب المريضة. لا يكفي تناول البروبيوتيك لأنه لا بدّ من معالجة المرض من نواحٍ متعددة، إلا أنه يبقى فائدة إضافية قد تأتي بالخير.