الحاجة تعيد التقشف إلى منطقة اليورو

نشر في 05-06-2013
آخر تحديث 05-06-2013 | 00:01
No Image Caption
زيادة الاستهلاك في ألمانيا لا تفيد دول الجنوب
كان من الخطأ البين أن يقال، كما فعل بعض المعلقين المحافظين، ان تخفيض سعر الفائدة سيسبب التضخم في ألمانيا، التضخم الوحيد الذي يمكن أن يوجَد منطقياً في الاتحاد النقدي هو على مستوى منطقة اليورو نفسها، لأن هذا هو مكان وجود العملة.

هل انتهى التقشف الأسبوع الماضي؟ هذا ما تشير إليه عناوين الأخبار حين أعطت المفوضية الأوروبية خمسة بلدان في منطقة اليورو مهلة إضافية للوفاء بالأهداف المطلوبة في المالية العامة. الرسالة الآتية من بروكسل هي أن السياسة الاقتصادية لم تعد مركزة على التقشف، وإنما على الإصلاحات الهيكلية.

أخشى أن هذا التحول الظاهري في السياسة هو فقط بمثابة انسحاب تكتيكي من قبل أبطال التقشف، وأن كل ما في الأمر أن التقشف أُطيلَ أمده بدلاً من التخلي عنه. وإني لأجد عناء في محاولة فهم السبب الذي يجعل الناس يشعرون بارتياح لهذا الإجراء. فضلاً عن ذلك، لأن الإصلاحات الهيكلية، فهي إذن بالتعريف هيكلية ولن تكون لها أية آثار على المدى القريب، في حال تم إقرارها والعمل بها فعلاً، لذلك دعوني أركز على التقشف.

تظهر أحدث توقعات المفوضية تراجعاً مستمراً في العجز الهيكلي في القطاع العام لمنطقة اليورو، من 3.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2011 إلى رقم متوقع عند 2.1 في المئة في 2012، و1.4 في المئة في 2013، و1.5 في المئة في 2014. ويتم تعديل الموازنات الهيكلية لاحتساب دورة الأعمال وتقلبات أسعار الأصول، وبالتالي فهي تُظهر النطاق الحقيقي للتعديلات.

وتُظهر البيانات أنه كان من الواضح أصلاً، قبل الانقلاب الظاهري في الأسبوع الماضي، أن الطور الكبير الأول من التعديل في المالية العامة سينتهي هذا العام. والواقع أن معظم التعديل وقع في 2012. لكن التقشف، مثل الوحش في أفلام الرعب، سيبعث من الموت في 2015 و2016 حين يتعين على البلدان أن تفي بأهدافها المؤجلة في المالية العامة، وتطبق بالإضافة إلى ذلك التزاماً بتسديد جزء من ديونها المفرطة كل عام. وافترض أن معظم البلدان لن تكون قد أصلحت مصارفها بحلول ذلك الموعد، وبالتالي سيظل النمو الإجمالي على الأرجح منخفضاً، لأن ظروف الائتمان ستظل متشددة. مرة أخرى سيكون التقشف منسجماً مع الدورة.

إن ما يجعل الجدالات حول السياسة الاقتصادية معقدة دون داع هو الضباب الفكري حول الطبيعة الاقتصادية الكلية للاتحاد النقدي. وأفضل مجال لنفهم ما يحدث في منطقة اليورو هو مستوى الاقتصاد الكلي الإجمالي، لنأخذ مثالاً بسيطاً على ذلك، وهو الجدل الأخير حول تخفيض أو عدم تخفيض أسعار الفائدة الرسمية من البنك المركزي الأوروبي. كان من الخطأ البين أن يقال، كما فعل بعض المعلقين المحافظين، إن تخفيض سعر الفائدة سيسبب التضخم في ألمانيا. التضخم الوحيد الذي يمكن أن يوجَد منطقياً في الاتحاد النقدي هو على مستوى منطقة اليورو نفسها، لأن هذا هو مكان وجود العملة. وبطبيعة الحال يمكن أن تتغير الأسعار بين البلدان، لكن من الطبيعي بالنسبة للأسعار أن ترتفع في بعض البلدان وتنخفض في أخرى. وطالما كان التضخم الإجمالي تحت السيطرة، فلا يوجد سبب للشعور بالقلق حول «التضخم في ألمانيا» أو «الانكماش في إسبانيا». هذا هو كل ما تلزم معرفته.

الضباب الفكري

الضباب الفكري نفسه منتشر في الجدال حول سياسة المالية العامة. أنا مدرك أن سياسة المالية العامة هي مسألة سيادية، ضمن ضوابط من المعاهدات والأنظمة. لكن من منظور الاقتصاد الكلي لا يزال من الأفضل أن نفهم منطقة اليورو على أنها وحدة واحدة في المالية العامة. حين تقفز إلى ذلك المستوى، لن يكون من الصعب أن ترى السبب في أن التقشف أعاث هذا القدر من الفساد.

نحن نعلم أنه حين تكون أسعار الفائدة قريبة من الصفر، فإن مضاعِفات المالية العامة تصبح أكبر. لذلك ليس من قبيل المفاجأة أن النتيجة المترتبة على التعديل الهيكلي الكلي بنسبة 2.2 في المئة في المالية العامة على مدى سنتين هي إنتاج معدلات نمو سلبية في 2012 وفي العالم الحالي. ولأنه لا يوجد مجال كبيرة للمناورة في المالية العامة في بلدان الجنوب، فإن الطريقة المنطقية الوحيدة لتجنب التقشف المفرط الذي من هذا القبيل كان في قبول ألمانيا ببرنامج تحفيز في المالية العامة.

مزيد من المرونة

أنا أعلم أن ألمانيا أوثقت يديها من خلال فرض قواعد محلية في المالية العامة. لكن بمجرد أن تزيل منظورك من مستوى محلي إلى مستوى على نطاق منطقة اليورو، ستجد أن هذه القواعد التي تطبقها البلدان تصبح تقييدية أكثر من اللازم. وهناك حجة سمعتها في الفترة الأخيرة ضد إضفاء مزيد من المرونة في السياسة الاقتصادية التي تسمح، مثلاً، ببرنامج تحفيز في ألمانيا في الوقت الحاضر، هي أن الاستهلاك الإضافي لن يكون مفيداً لجنوب أوروبا لأن ألمانيا لا تستورد منها إلا القليل. إن الذين يطرحون حججاً من هذا القبيل لا يحلمون أبداً بتحليل ديناميكيات الاقتصاد الأميركي بصورة خالصة على أساس المعلومات التي تكون على مستوى الولايات. لكن هذا هو ما يفعله هؤلاء بالضبط في أوروبا.

إن منطقة اليورو، على الرغم من أزمة السندات، تتصرف مثل اقتصاد مغلق كبير عادي. والمشكلة هي أنها تدار، وغالباً ما يتم تحليلها، على أساس أنها لا تزيد على مجموع أجزائها. والخطأ المأساوي الذي يرتكبه صناع السياسة في منطقة اليورو هو تكرار مغالطة التركيب المذكورة مرة بعد أخرى. وينطبق الأمر نفسه على التقشف. وهذا أيضاً سيعود من جديد.

* فايننشال تايمز

back to top