عاد من الخليج... لينتقم في القاهرة

نشر في 01-08-2013 | 00:01
آخر تحديث 01-08-2013 | 00:01
بعض الجرائم لا يمكن الوصول إلى فاعليها، فتظل عالقة في الهواء، لا القانون استطاع أن يكشفها ولا الشهود توصلوا إلى الفاعلين. على الرغم من ذلك يبقى الانتقام الإلهي قادراً، دون غيره، على تحقيق القصاص من المجرمين معدومي الضمير، الذين ساعدتهم الظروف في الهروب من فخ القبض عليهم، ناسين أن العدالة الإلهية لا تعرف عبارة «ضد مجهول».
ثلاثة حوادث مروعة شهدتها مدينة واحدة وأثارت كل واحدة منها جدلاً ورعباً بين الناس... لكن لم يخطر ببال أحد لحظة أن يكون بين هذه الحوادث المتفرقة رابط أو علاقة، فقد كانت الشرطة تبحث عن ظروف وملابسات كل حادثة على حدة حتى تلقت إحدى الصحف الكبرى خطاباً على قدر كبير من الأهمية... والإثارة... والخطورة!

الحادثة الأولى شهدها مصعد العمارة رقم 28 في الشارع الرئيس في حي عين شمس! استدعى أحد السكان المصعد من الطابق العاشر... فور وصول المصعد إلى فناء العمارة أسرع في فتح الباب ليفاجئه مشهد جارته السيدة رباب ترقد وسط دماء غزيرة تتفجر من عروق رقبتها... كان واضحاً من شكل الجثة أن المجني عليها فارقت الحياة بعدما تم نحرها داخل المصعد. صاح الرجل من الرعب واستغاث بالبواب الذي كان يتناول غداءه داخل حجرته.

 بلحظات تجمّع الجيران ففصل أحدهم المصعد عن الكهرباء... ووقف الجميع يضربون كفاً بكف وهم يتساءلون عمن ارتكب الجريمة... وكيف ارتكبها... وأين هرب؟ وكان السؤال الأكثر حيرة هو لماذا كان المصعد في الطابق العاشر بينما السيدة رباب تسكن في الطابق السابع؟

وصلت الشرطة وبدأت تحريات مكثفة... وبدأت النيابة تحقيقات بدورها... لكن الموقف كان يزداد غموضاً مع محاولة معرفة الشخص الذي صعد مع السيدة رباب مصعد العمارة!

ثبت البواب أنه كان داخل حجرته في الوقت الذي وقعت فيه الجريمة ولم يشاهد الصاعدين أو الهابطين! أكد السايس أمام العمارة أن رباب وضعت سيارتها في المكان المعتاد ثم غادرتها بمفردها، ودخلت العمارة في اللحظة نفسها التي دخل خلفها رجل في الخامسة والثلاثين من عمره... لكن السايس عجز عن تحديد هويته أو إعطاء أوصاف مميزة له لأنه لم يره إلا من ظهره!

اعتمدت المباحث على تحرياتها حول شخصية المجني عليها... اسمها رباب في بداية العقد الثالث... تعمل مديرة لمحل تزيين نسائي شهير في مصر الجديدة... غير متزوجة، يشهد الجميع على دماثة خلقها وتحظى بحب كل من يتعامل معها أو تربطه بها علاقة ما أو حتى على سبيل المعرفة.

معلومة واحدة توقف أمامها ضباط المباحث وتتعلق بالأخ الأصغر لرباب... اسمه عماد في العشرينيات من عمره... طالب جامعي فاشل... تولت أخته تربيته منذ طفولته بعد وفاة والديهما... وكشفت التحريات أن عماد كان يعالج من الإدمان وحجزت له أخته غرفة في أحد فنادق الإسكندرية للاستجمام، وثبت أنه كان يقيم فيها يوم ارتكاب الحادث... وبمرور الوقت استبعدت الشواهد والقرائن عماد من دائرة الشبهات، لا سيما أنه انهار فور علمه بالحادث وفقدانه للأخت التي وصفها بأنها كانت سترا وغطاء له!

الأيام تمضي... ولا جديد. كان للمباحث والنيابة التصور نفسه لوقوع الحادث، رباب دخلت العمارة وخلفها الجاني الذي لا تعرفه وصعد معها في المصعد، وقبل الدور السابع ارتكب جريمته على حين غرة من رباب، ثم ألغى تسجيلها للطابق السابع وصعد بالمصعد إلى الطابق العاشر حيث غادره ونزل على سلالم العمارة وخرج منها... وإن كان ثمة شك في أن يكون قد اختفى في إحدى الشقق التي ربما تربطه علاقة بأصحابها... إلا أن الشرطة لم تجد دليلاً واحداً على هذا الاحتمال الأخير... وبالتالي بدأ الضباط يفقدون حماستهم ويدب اليأس في قلوبهم... وإن ظلت التحقيقات مفتوحة لعل الأيام تأتي بمفاجآت خارج التوقعات.

 

الحادثة الثانية

غادر حاتم صاحب شركة صغيرة لمستحضرات التجميل تقع في شارع جانبي متفرع من شارع جسر السويس، متجهاً إلى سيارته... وفي اللحظة التي فتح فيها باب السيارة الأمامي انطلقت دراجة نارية بسرعة خارقة ومرت في جوار السيارة وأطلق سائق الدراجة أعيرة نارية استقرت في رأس حاتم وأردته قتيلاً.

 كانت الساعة تقترب من الواحدة إلا الربع صباحاً... والشارع شبه خال... وقد اكد الشخص الوحيد الذي شاهد الحادث من نافذة شقته أن الدراجة النارية كانت بلا لوحة معدنية، والشخص الذي كان يقودها اختفى معظم وجهه تحت الخوذة الملتفة حول رأسه وبالتالي لا يمكن تحديد ملامحه.

حملت التحريات معلومات غزيرة عن القتيل... ثبت أنه زير نساء... يتعمد أن ينصرف العاملون في شركته في الثامنة مساء ويكون هو آخر من يغادر بمفرده... وبين الثامنة مساء والواحدة صباحاً تتردد عليه نسوة تمكنت المباحث من الوصول إلى بعضهن فيما بقيت هوية البعض الآخر مجهولة... كذلك تم العثور على أفلام فيديو في خزانة مكتبه تصوَّر بعض النسوة في أوضاع فاضحة.

على رغم اتساع دائرة الشبهات والقبض على الذين حاصرتهم قرائن وأدلة على ارتكابهم الجريمة، فإن تحقيقات النيابة كانت تنتهي دائماً إلى أدلة أخرى معاكسة، تبرئ ساحة المشتبه بهم... ومع ذلك لم يهدأ ضباط المباحث وتابعوا تحرياتهم والقبض على مشتبه بهم جدد سواء لخصومات قديمة بينهم وبين القتيل أو لنزاع بين أحدهم والمجني عليه على امرأة... لكن يظل إثبات جريمة القتل في حق واحد منهم ضرباً من المستحيل.

 

الحادثة الثالثة

المجني عليه هذه المرة كان من ضباط المباحث... اسمه هاشم يقيم بمفرده في شقة مكونة من ثلاث حجرات في حدائق القبة. عثر عليه جيرانه مقتولاً على سلالم منزله المكون من أربعة طوابق. أثبتت المعاينة أن جريمة القتل تمت باستخدام خنجر حاد طعن به الجاني القتيل في ظهره ثلاث طعنات نافذة. تمت الجريمة في الرابعة صباحاً فور عودة الضابط إلى منزله بعد انتهاء خدمته بمديرية الأمن. وكان واضحاً أن الجاني كمن في فناء المنزل، وفور دخول الضابط وصعوده أولى درجات السلّم باغته بطعنات من الخلف ولاذ بالفرار في سكون الليل... وحينما عثر الجيران على الجثة كان صاحبها فارق الحياة بعدما ظل ينزف أكثر من ساعتين.

اتجهت شكوك الشرطة إلى المسجلين تحت خانة «خطر» في الأنشطة الإرهابية التي كان الضابط يتولى عمل التحريات عن أعضائها والقبض عليهم، لا سيما أن الجريمة تتفق مع أساليب مشابهة لجرائم ارتكبوها سابقاً! وبالفعل تم القبض على عدد من المعروفين في قوائم الجرائم السياسية والإرهابية... واستمرت التحقيقات وقتاً طويلاً، وتم التحفظ على أكثر من سبعة من المشتبه بهم على ذمة التحقيقات... من دون إحالة أحدهم إلى المحاكمة لضعف الأدلة.

رسالة إلى صحافي

 

بعد عام وثلاثة أشهر من هذه الجرائم الثلاث المجهولة الجاني وقعت مفاجأة من العيار الثقيل... تلقى رئيس تحرير إحدى الصحف الكبرى رسالة قلبت الموازين رأساً على عقب! أعاد رئيس التحرير قراءتها من دون أن يفارقه الذهول ثم احتفظ بصورة منها وأرسل الأصل إلى مدير أمن القاهرة. الرسالة وصلت إلى الصحيفة بالبريد ومكتوبة بخط اليد. يقول فيها صاحبها:

الأستاذ الكبير

 

أكتب إليك باعتبارك تترأس تحرير أكبر الصحف توزيعاً وأوسعها انتشاراً... وأعرفك بنفسي أولاً... أنا قاتل السيدة رباب في عين شمس... والسيد حاتم في جسر السويس... والضابط هاشم في حدائق القبة... ومرفق بالرسالة صور من الأخبار التي نشرتها جريدتك عن هذه الجرائم التي لم تتوصل فيها الشرطة إلى الجاني... ولم يخطر ببال أحد أن ثمة صلة بين هذه الجرائم الثلاث.

 أرجو يا سيدي ألا تنزعج فلست قاتلاً ولا مجرماً إلا في خيال رجال القانون... أما من ناحية الضمير الإنساني فأنا بريء انتقم لشرفي... كنت يا سيدي أعمل في إحدى دول الخليج مهندساً يشار إليه بالبنان... ربما كنت الرجل الوحيد الذي ما زال يعيش قصة حب رائعة مع زوجته حتى بعد ثماني سنوات من الزواج... حب لم ينتصر عليه ملل الزوجية ولا رتابتها ولا مشاكلها.

 سافرت منذ عامين بعقد عمل يسيل له اللعاب وبقيت زوجتي في مصر لرعاية طفلنا الوحيد ليلتحق بالمدرسة الابتدائية... وكنت أرسل إليها بكل دخلي الكبير من عملي بالخليج ولا تنقطع اتصالاتنا التلفونية التي تدور بيننا ثلاث أو أربع مرات في اليوم، ومنذ أشهر حدثتني عن مشروع رائع يمكن أن نستثمر فيه المبالغ التي أرسلها إليها... شرحت لي أن مصففة الشعر رباب سوف تشاركها في المشروع مع صاحب شركة لمستحضرات التجميل... وسيكون مطلوباً مني تصدير أنواع محددة من هذه المستحضرات إلى شركتهم الجديدة في مصر.

وعلى رغم حماسة زوجتي التي فاقت الوصف عادت بعد ثلاثة أشهر لتخبرني أنها صرفت النظر عن المشروع... وأنها تعاني الاكتئاب وترجوني العودة إلى مصر ولو في إجازة طارئة؟ لأني أحسست أنها تخفي عني أمراً ما، أبلغتها بموعد حضوري بعد ثمانٍ وأربعين ساعة!

عدت على أول طائرة... وصلت بيتي وليتني ما وصلت... فوجئت بعدم وجود زوجتي في الشقة... أخبرتني جارتي في الشقة المجاورة أن زوجتي تركت لها المفتاح والطفل وأبلغتها أنها خرجت في مشوار طارئ وسوف تعود سريعاً... انقبض قلبي بشدة... دخلت شقتي ومعي طفلي والدنيا تهتز من حولي... لفتت انتباهي رسالة تركتها زوجتي على مائدة الطعام... سطور الرسالة كانت كطلقات مدفع رشاش مصوب إلى قلبي...

 قالت زوجتي إنها كانت ضحية مؤامرة دنيئة من صديقتها رباب التي عرفتها إلى صاحب شركة مستحضرات التجميل حاتم، وأثناء تلبية دعوته لهما على الغداء بمنزله لمناقشة أبعاد المشروع وموازنته وموعد البدء به والتعرف إلى زوجته، فوجئت زوجتي بأن البيت بلا زوجة قبل أن تكتشف في ما بعد أن الرجل ليس متزوجاً من الأصل...

 المهم أن زوجتي بعدما تناولت الطعام وبرفقتها رباب لم تشعر بالفترة التي غابت فيها عن الوعي وتم خلالها اغتصابها وتصويرها... نعم... اعترفت لي زوجتي في رسالتها بأدق تفاصيل المؤامرة وكيف تعرضت للمساومة والابتزاز بهذه اللقطات الفاضحة.

 

الزوج الجريح

حكت لي زوجتي أيضاً عن تخلي رباب عنها وتهربها منها بعدما وقعت الواقعة... وليت الأمر اقتصر على هذا الحد. بل ضغطوا على زوجتي لتسلم نفسها وترفع الراية البيضاء وتدخل مستنقع الرذيلة بإرادتها... فوجئت زوجتي بالضابط هاشم ينتظرها أمام مدرسة ابننا الصغير ويعرض عليها صورها العارية ويطلب منها أن تتصل به هاتفياً ليصلح بينها وبين صديقه حاتم.

 عند هذا الحد قررت زوجتي استدعائي من الخليج وأنهت رسالتها لي بأنه لم يكن عندها أغلى من الشرف الذي ضاع منها على يد ثلاثة أشرار... وأنها لم تعد تستطيع أن تخدعني أو أن يفاجئني هؤلاء الأشرار بفضيحة زوجتي إذا لم تستجب لهم... قالت إنها سوف تختفي من حياتي إلى الأبد. وربما تدفن نفسها بالحياة... أو تنتحر... اقسمت لي أنها لا تعرف إلى أين ستذهب... وهل ستظل على قيد الحياة أم تهرب إلى الموت، وكل ما تعرفه أنها لن تظهر في حياتي مرة أخرى.

سيدي...

أودعت طفلي في بيت أختي وقررت الثأر... وتربصت بالثلاثة حتى تمكنت منهم واحداً بعد الآخر. وأتحدى أن تصل إليَّ أجهزة الأمن. لكن قد تسألني سيادتك ولماذا أخصك الآن بهذه الرسالة، وأقول لك إن رغبتي في أن تنشرها هي الدافع الوحيد لكتابتها، رحمة بابني الصغير الذي يسأل عن أمه ليل نهار. أنشرها في جريدتك الواسعة الانتشار لعل وعسى تقرأها زوجتي وتعود إلى طفلها. أرجوها أن تطمئن إلى أنني قتلت الثلاثة ومعهم الجريمة الدنيئة التي تعرضت لها، ولن أتردد في قبولها للحياة معي مرة أخرى بعدما أصبح الأشرار الثلاثة تحت الأرض.

انتهت الرسالة بتوقيع الزوج الجريح...

... ومرة أخرى يأمر مدير الأمن بإعادة فتح القضايا الثلاث وفقاً للمعلومات الواردة في رسالة الزوج الحزين العائد للانتقام... وأجمع فريق البحث على أن فك لغز الجرائم الثلاث سيكون ميسوراً لو عرفوا اسم الزوجة أو الزوج كاتب الرسالة... لكن هيهات... لقد مات الثلاثة الذين لو عاش أحدهم لكان سهلاً عليه أن يكتشف شخصية الزوجة من رسالة زوجها.

وإلى الآن لم يتغير الأمر... ربما تكون الزوجة قد عادت إلى زوجها وطفلها. ربما لا تكون قد قرأت الرسالة. ربما يكون الزوج قد عاد إلى عمله في الخليج بعدما يئس من العثور على زوجته. الاحتمالات كافة واردة... لكن المؤكد أن مدير الأمن أحيل إلى المعاش وما زال يحتفظ بصورة من رسالة الزوج الحزين... على سبيل الذكرى.

back to top