الأحلام... تجربة مليئة بالمعاني أم ردّ فعل دماغي؟
هذا السؤال لطالما أدهش وحيّر كل من يدرس السلوك البشري: من أين يأتي الدافع الذي يجعلنا نحلم؟ هل تنجم الأحلام عن الهياكل القشرية الدماغية {العليا} التي تسمح لنا بالتفكير والإدراك والتحرك والتذكر؟ أم أنها تشتق من الجزء الدماغي {السفلي} (جذع الدماغ غير المعروف) الذي يشرف بكل هدوء على وظائف الجسم الأساسية مثل التنفس، معدل القلب، إفراز اللعاب، ونظام التحكم بالحرارة؟
ماذا نفعل بالسيناريوهات العقلية المضحكة والجنسية والمخيفة والغريبة التي تجتاح عقلنا أثناء النوم؟ هل هي طريقة لإطلاق العنان لتخيلاتنا الباطنية كما كان يظن سيغموند فرويد؟ هل يرسخ دماغنا دروساً تعلّمها ويتخلص من بيانات غير ضرورية كما يقترح علماء الأعصاب؟ أم أن الأحلام ليست أهم من أي حالة عفوية تشمل نبضات قلب متسارعة أو نوبات حر أو قشعريرة كتلك التي نشعر بها عند رؤية شخص جذاب يعبر أمامنا؟نُشرت دراسة في مجلة {الدماغ} أخيراً، وهي تشير إلى أن الدافع الذي يجعلنا نحلم قد يرتبط بما يشبه {دغدغة} يرسلها جذع الدماغ إلى قشرة الدماغ الحسية.
وفق نتائج الأبحاث الجديدة، قد تتطلب تجربة الحلم الكاملة (السيناريوهات المعقدة، مشاعر الخوف، السرور أو الشوق) طاقة إضافية من المناطق الدماغية القشرية العليا. لكن حتى الأشخاص الذين يعانون إصابة خطيرة في آلية الدماغ التحفيزية الأولية يستطيعون أن يحلموا بحسب نتائج الدراسة.ركز البحث الجديد على {النشاط العقلي} في وقت النوم (لا سيما الأفكار) عند مجموعة صغيرة من المرضى غير المألوفين. عانى هؤلاء المرضى (مجموعهم 13) ضرراً داخل الجهاز الحوفي في الدماغ، وهو الموقع الذي يشمل رغباتنا وحوافزنا الأساسية (للجنس والطعام والأحاسيس الممتعة التي تولدها الأدوية والصداقات وكل ما يجذبنا).نتيجة ذلك الضرر، أُصيب هؤلاء الأفراد بمتلازمة عصبية نفسية اسمها {عجز التنشيط الذاتي}: حتى أثناء الوعي التام، يجلس المرضى من دون القيام بأي حركة أو إصدار أي صوت طوال ساعات ما لم يحثهم مقدمو الرعاية على التحرك أو الكلام. يفتقرون إلى الدوافع للقيام بأي شيء: عندما سُئلوا عن أفكارهم، كانوا يتحدثون في أغلب الأحيان عن فراغ تام في عقلهم. عند تحفيزهم، يستطيعون حل المسائل الرياضية أو الغناء أو استرجاع الذكريات. لكن عند تركهم على سجيتهم، قد لا تراودهم أي أفكار عفوية.هل يحلم هؤلاء الأشخاص؟ قد يشمل الجواب عن هذا السؤال معلومة عن مصدر الأحلام.لقد حلموا طبعاً (أو كان بعضهم يحلم على الأقل) خلال تجربة قارنت النشاط العقلي ليلاً بين أفراد طبيعيين وأصحاء وأفراد يعانون متلازمة {عجز التنشيط الذاتي}. عند إيقاظهم من مرحلة {حركة العين السريعة} (مرحلة النوم التي تشمل الأحلام الأكثر شيوعاً وتعقيداً)، تحدّث أربعة مرضى مصابون بعجز التنشيط الذاتي (31% من مجموع المرضى) عن وجود نشاط عقلي لديهم. هذه النسبة هي أقل بكثير مما يحصل عند الأشخاص الأصحاء، إذ يقول 92% منهم إنهم يحلمون حين يستيقظون من مرحلة {حركة العين السريعة} (تكون أحلامهم غريبة وأكثر حيوية).في حالة المرضى المصابين بمتلازمة {عجز التنشيط الذاتي}، كانت الأحلام نادرة وأقصر وأقل تعقيداً: قالوا إنهم حلموا بأمور مثل الحلاقة أو التنزه أو مقابلة قريب لهم. لكن حتى هذه الأحلام البسيطة تضعهم في مواقف ما كانوا ليفكروا بها في وعيهم بشكل تلقائي.اعتبر معدّو الدراسة (فريق يتألف من أطباء أعصاب فرنسيين وعلماء أعصاب واختصاصيين في مجال النوم يعملون في معاهد عدة في باريس) أن قدرة هؤلاء المرضى الخاملين على إنتاج الأحلام كانت {أكثر نتيجة غير متوقعة} في التجربة. تدعم تلك النتيجة الفرضية القائلة إن {الأحلام تولَد عبر عمليات تصاعدية}.في المقابل، يؤكد العلماء على أن {النظرية التنازلية} (الأحلام تبدأ من قشرة الدماغ العليا، أي الموقع الذي تشتق منه التخيلات) ليست مدعومة في هذا المجال، فقد تحدث المصابون بمتلازمة {عجز التنشيط الذاتي}، ممن يختبرون فراغاً عقلياً ويفتقرون إلى المخيلة الخصبة خلال اليقظة، عن نشاط عقلي يرافق الأحلام عند الاستيقاظ من النوم.بحسب رأي العلماء، قد تكون أحلام الأفراد الأصحاء مضخّمة طبعاً بفعل المناطق القشرية التي تشمل قدرات الإدراك والذاكرة والعاطفة والمنطق: ثبت ذلك عبر الأحلام الغنية والمفصلة التي يصفها الأفراد الطبيعيون.ارتكزت أبحاث كثيرة عن الأحلام على أفراد لديهم ضرر غريب في الدماغ. يتحدث الأشخاص الذين خضعوا لجراحة في فصوص الدماغ الجبهية مثلاً عن توقف مفاجئ لنشاط الأحلام، وتدعم هذه الملاحظة {النظرية التنازلية}عن دوافع الأحلام.إنها طريقة أبحاث شائبة لأن هؤلاء الأفراد نادرون ولا يُصاب شخصان بالأضرار نفسها. فيما تتابع بقية الناس أحلامها من دون مشكلة، من المتوقع أن يبقى هذا الجدل المثير للاهتمام مفتوحاً خلال الفترة المقبلة.