خطوط
1434
{عبد المحسن الغزيمي... من الصعب أن تصف رجلا يكاد يكون عدماً}.توقف سعود عن إكمال الجملة للمرة التاسعة منذ أن أخذ يكتب قبل ساعتين... يجلس بجمود في مكتبه في مبنى الجريدة، يغرق في قتامة نهار شتائي ملبَّد بغيوم سوداء، تتسلل قتامتها بكثافة من الجدارين الزجاجيين خلفه وعلى الجانب الأيسر لمكتبه، يحاول أن يفتتح مقالته عن حياة والده الشاعر عبد المحسن الغزيمي، بعد أن طلب منه رئيس التحرير كتابتها، مستغلا تلك المعرفة المفترضة التي تجمعهما.تململ في كرسيِّه بضيق... لم يكن كبيراً في السن، على وشك أن يتجاوز الثلاثين من عمره، إلا أن فيه شيئاً ما يزحف به قريباً نحو الأربعين... الشعر الأبيض المتناثر على صفحة صدغيه، النظرات الواسعة المنطفئة بشرود لامبالٍ، التغضّن الطفيف بخطوط متعرّجة في صفحة جبينه...اتكأ على ذراع كرسيِّه بيأس ناقم، يتطلع بمقت عاجز في مطلع المقالة، يغرق في صمت اللحظة المتمدد، الريح تتكسر على سطح المبنى الزجاجي، وهسيس الأصوات خارج مكتبه تتسرب كالوسوسة، يحدّق بجمود كئيب في شاشة اللابتوب، يحاول إيجاد الرغبة لمواصلة الكتابة، إلا أنه جلس بلا حراك... طوى برنامج الوورد ببطء، خلفية سطح المكتب تبادله التحديق، صورة من زاوية فوقية لما قد يبدو للوهلة الأولى أحجاراً صغيرة متراصة، إلا أن مزيداً من التدقيق يكشف أنها مجموعة هائلة من الجثث، تمّ التقاطها أثناء الحرب العالمية الثانية من مروحية فوق معسكر الجيش الألماني... حينما كان سعود في السادسة من عمره جلس كعادته على قاعدة عمود الإنارة أمام بيت أخواله، يراقب أبناء أخواله وجيرانهم يلعبون الكرة في البراحة الترابية، تحت أشعة شمس العصر الذهبية المنطفئة، لم يكن يحب لعب الكرة، ولم يكن يحب الركض، ولم يكن يميل إلى الضجيج، مُعرّض في عزلته المنزوية إلى مشاكسات أقرانه، حينما ينتبهون فجأة إلى حضوره الدخاني المهدد بالتلاشي... لم يجد بدّاً من الجلوس فوق القاعدة الإسمنتية، كانت خياراً أفضل من الجلوس داخل بيت أخواله المزدحم، وسط أجساد متراصة من المراهقين والبالغين، يفجرون نوعاً أكثر حدّة وصخباً من الضجيج، تقوقع منزوياً يراقب مجموعة العشرين طفلا في البراحة، تتراكض باندفاع صاخب بشع، تبدو له وكأنها تسحب في أثر ركضها خطوطاً وهمية تتشابك بعشوائية... قام من مكانه، أخذ يسير على قاعة الطريق، وضع يديه في جيبه وطأطأ رأسه محدّقاً في الإسفلت المصطبغ بالشمس، يركل الحصى الصغيرة، وعلب البيبسي، وأوراق الجرائد، يرفع رأسه بين الفينة والأخرى، يتطلع في السيارات التي تخطف بجانبه، الأشكال المختلفة خلف المقود، كثير منها يتطلع فيه باستغراب، ربما يتساءل عنه كما يتساءل سعود: إلى أين يذهب هذا الرجل بسيارته؟! ولماذا يسير هذا الطفل بعزلة رتيبة على قارعة الطريق؟!.. دخل زقاقاً ضيّقاً مقفراً يؤدي إلى بقالة في الزاوية، يحبّ قضاء الوقت فيها، يتحدث مع بيّاعها اليمني راضي، يريه صوراً في محفظته عن قريته، عن بيت والده الذي يُخطط لشرائه بعد أن باعه ليموّل افتتاح البقالة، ثمّ يمنحه علكة أو قطعة حلاوة رخيصة قبل أن يغلق لصلاة المغرب... في الزقاق الضيق صادف سيارة توقفت على طرفه، الشيء الوحيد الحي في قفر الزقاق الميت، اقترب منها ببطء، ألصق يديه ووجهه في الزجاج محدقاً داخلها: شاهد رجلا وراء المقود، يتكئ رأسه عليه كالنائم، سقط جناح شماغه بعشوائية ليغطي عينيه وجزءاً من جبينه، بفم مفغور متيبس وجلد منكمش، هنالك ذبابة تحلّق بهدوء رتيب، اقتربت فجأة من فم الرجل بثقة خاملة، دخلت فاه ثم خرجت بعد لحظة من أذنه... كانت تلك الجثة الثانية التي يشاهدها سعود في حياته، بعد جثة والدته المسجاة على كنب مجلس النساء، قبل أقل من عام... وقف عدة دقائق يحدّق في الجثة الهامدة، يحاول أن يتخيل هيئة العينين وراء الشماغ الأحمر، يلاحق بنظراته الواجمة دبيب الذبابة الرتيبة... انتبه بعد مدة فركض ليخبر راضي، اتصل بالشرطة، وراقبا برفقة مجموعة من المتجمهرين في مدخلي الزقاق إخراج جثة الرجل، حاول سعود أن يخبر البعض بأمر الذبابة، ولكن لم يبدُ أن أحداً مهتم بها... بعد أشهر من بدء عامه الدراسي الأول، لم يبكِ كغيره، جلس منزوياً في الصف الأخير، أمام التلفاز الذي يعرض أفلام الكرتون لمحاولة احتواء غربة الأطفال المتوجسة، في اليوم الرابع بدأت الدراسة الفعلية، تحدّث أحد المدرّسين عَرَضاً عن هجرة النبي والصحابة، سأل طفل: أين همُ الآن؟! حاول المدرّس أن يشرح فكرة الموت، فسأل ببساطة: من منكم يعرف ما يعنيه الموت؟! لم يجب أحد، {الموت هو أن لا تكون موجوداً رغم أنك موجود}، هكذا فكر سعود وهو يسترجع صور جثة والدته المسجاة وجثة الزقاق المهجور، أن تختفي من الوجود رغم أن جسدك لا يزال موجوداً، تستحله ذبابة عابثة، ولكنه أطرق لحظة، لأنه لم يكن متأكداً من وفاة والدته كما يصرّ الجميع على إخباره، ما الذي يعنيه أن يكون جسدك موجوداً ولكنك لست موجوداً؟! هذا الفرق الدقيق بين الروح والجسد أمر لا يمكن لطفل أن يفهمه... أوشك على أن يرفع يده بارتباك، ثم يجيب بشيء من الحذر {الموت حينما تستطيع ذبابة أن تدخل من فمك وتخرج من أذنك} ولكنه لم يفعل.سحب جسده بصعوبة من ظهر الكرسي، وعاد ليستكمل بتراخٍ: {لقد مات منذ مدة طويلة، مغموراً، مهمَّشاً، بلا اسم أو مكانة، حصيلة حياته الإبداعية كانت ديواناً واحداً، ضاع كلفائف الدخان في يوم عاصف، لم ينتبه له أحد، ولم يبالِ به أحد... إلى أن جاء الوقت المنشود، بعد 29 سنة، ليعاد اكتشافه من جديد، باحتفاء كبير من أوساط لم تكن تعلم بوجوده أساساً... هذا كان والدي} وحينها توقف من جديد، بيدين مثبتتين على لوحة المفاتيح، متخشّباً في مكانه.لم يكن يعرف والده، ولذا لا يمكنه الحديث عن شخص لا يعرفه... لقد طلّق والدته وتركهما في بيت جده وأخواله في مدينة المجمعة قبل 29 عاماً، حينما كان في العام الأول من عمره فقط، معلناً عزمه على السفر، رغم أن أحداً لم يكن يعلم إلى أين، أو لماذا...أمضى حياته وهو يخبر الجميع بثقة أن والده ميِّت، ولم يكن أخواله ليمانعوا بهذه الافتراضية تجاه الرجل الذي رمى أختهم المريضة لتموت بعد أربع سنوات من الاحتضار، وترك عندهم ولده الوحيد دون سبب واضح ليختفي، ثم تمضي السنوات من دون أن يظهر له ذكر... المشكلة كانت حينما يسأله أحدهم: كيف توفي؟! يحاول تغيير الموضوع، أو اختلاق قصة بسيطة لوفاة طبيعية لا تلفت الانتباه.الجميع افترض أنه مات، ليس سعود وأخواله فقط، وقد كان افتراضاً منطقياً... خصوصاً حينما اتصل به رجلٌ من تجار العقار في الحفر قبل 5 سنوات، سأله عن بيت والده إن كان يرغب في بيعه، على اعتبار أنه مهجور منذ أكثر من 24 عاماً، إلا أن سعود لم يرغب بأي شيء يمتّ بصلة لوالده، لم يكن يكرهه بقدر ما كان غير مبالٍ بأي شيء يرتبط به، ولذا لم يكن مستعداً أو محتاجاً للذهاب إلى الحفر لبيع بيت مهجور... وعندما عاد ذكره الآن توقع بشيء من القلق أن يخرج من جديد، من المجهول الذي كان يقطن فيه، سواء هو أو أحد أفراد عائلته إن كانت له عائلة، ولكنه لم يخرج، لا هو ولا أي أحد يزعم الانتماء إليه، ولذا استمرَّت افتراضية موته، ولم يشكك أحد في ذلك، خصوصاً أن عائلته الوحيدة تُقرُّ بها، وأن اسمه ليس له أي تفاعل في الحياة... رغم أن موته لم يسجل بشكل رسمي، حيث يتطلب تحقيق ذلك سلسلة من المراجعات والأوراق وإثباتات الوفاة، وهو أمر لم يبدُ أن أحداً مهتمّ بالقيام به... الرجل باختصار: نُسي، ومع النسيان نشأت افتراضية موت لامبالية.دوّى فجأة طنينٌ مزعج لجواله أطاش شروده، رسالة من خدمة إخبارية تؤكد مقتل 100 شخص في مجزرة نفذها الجيش السوري في حمص... قبل أشهر جلس ساعة يناقش عدة صحافيين في جلستهم اليومية، وهو ما لا يفعله بالعادة، أن يتحدث بكل هذه الكثرة، ولكنه أخذ يقنعهم بمشكلة هذا العصر، حينما صار الجميع يفتقد عفوية الارتجال وأصالة التجربة اللامعلبة: الانترنت، الجوالات، وسائل التواصل والخدمات، كل شيء صار متوفراً بوضوح مملّ، بشكل معلّب مبستر يتم تجرعه كالحُقن... حينما تخرج قبل 20 سنة بالسيارة لم تكن في يدك أية وسيلة اتصال أو خدمات، لا إنترنت ولا جوال ولا جي بي إس ولا غيره، وهو ما كان يمنح شعوراً نقياً بالعفوية والارتجال، لم يكن كل شيء واضحاً بشكل فجّ ومباشر... حينما تريد مشاهدة فيلم فإنك لا تقوم بتحميله على جهازك، بكل ما يفرضه الروتين المكرر والرتابة المملة، وإنما تذهب إلى محل الفيديو وتستأجر الشريط الذي تُمسكه في يدك، بغلافه وصورته ووجوده الحسي... حينما تريد البحث عن معلومة ما، تفتح الكتب والمجلات والدوريّات لتفتّش وتقلّب وتبحث وتنقّب، لا يوجد انترنت يستخرج المعلومة لك بضغطو زر... حينما تريد الاطلاع على خبر تقرأ الجريدة بخشخشة ورقها، حينما تريد قراءة كتاب لم يتوفر لك تنتظر بلهفة وصوله من صديق في الخارج عوضاً عن قراءته إلكترونيا، حينما تريد مشاهدة مسلسل تجلس أمام الشاشة مترقباً موعد عرضه عوضاً عن أن تجده في أقرب زقاق انترنتي... صحيح: تم اكتساب الراحة والوضوح، وهي أشياء عظيمة، ولكن تمّ فقدان كثير من العفوية، والارتجال، والإحساس بلذة السعي وراء الشيء عوضاً عن الحصول عليه كنتيجة مباشرة، كحُقن يتم تناولها دفعة واحدة..ولذا حوّل سعود جواله إلى الصامت وألقى به على الطاولة بشيء من المقت.لم يتفاجأ أن كثيراً من الأشياء تغيرت من حوله، بعد ارتفاع اسم والده، تحوّل إلى وريث متوقّع قام من بين الأموات ليفرض حضوره بقوة بين الأحياء، بكل ما تفرضه رومانتيكية المشهد الأدبي المزيف... لم يعد مجرد رئيس تحرير صفحة الثقافة في جريدة يومية، يُوصف بأنه أثر دخان يمر ثم يختفي دون أثر، وإنما صار شخصاً يتوقع الآخرون منه الكثير، مما ولَّد لديه إحساساً عميقاً بكيان مفقود... لم يتوقع من رئيس تحرير الصحيفة ربيع المدخلي أن يطلب منه القيام بمثل هذا، وعندما طلب منه وجد نفسه أمام مفاجأة ألجمته عن اختراع الحجج، لم يكن قادراً على إنكار علاقته بالرجل الذي صعد به فجأة إلى مرتبة متقدمة من الجدية، ولذا قبِل دون أن يعلم بالضبط ماذا سيفعل.