نقاء الدم... كيف ساهم هوس غريب في تقدم العلم؟
قبل سنوات من وصول النازيين إلى السلطة، راح العلماء الألمان ينشرون نظريات عن نقاء الدم. صحيح أن هذا الهوس أدى إلى ظهور نظريات غريبة وخطيرة عن تفوق بعض الأعراق البشرية وخصائص الشخصية، لكنه ساهم أيضاً في تحقيق إنجازات طبية. {شبيغل} ألقت الضوء على هذا الهوس.
بالنسبة إلى غالبية البشر، كان اندلاع الحرب العالمية الأولى كارثة غير مسبوقة. لكن بالنسبة إلى لودفيك هيرزفيلد، تبين أن ذلك الحدث حمل له بعض الحظ الجيد.كان الطبيب الألماني وزوجته هانا يديران مختبراً متخصصاً بعلم الجراثيم في ثيسالونيكي في اليونان، حيث كان يسهل الوصول إلى أفراد مناسبين لإجراء تجارب بشرية عليهم: إنهم الجنود الفرنسيون والبريطانيون والإيطاليون والروس والصرب الذين شكّلوا «جيش الشرق» المتعدد الجنسيات وكانوا يتمركزون في هذه المدينة المرفئية في شمال اليونان بعدما حاصرتهم القوات الألمانية في «حملة البلقان» خلال الحرب.
بهدف إجراء إحدى أكبر الدراسات الميدانية في تاريخ الطب حتى تلك المرحلة، تقرّب هيرزفيلد من سجناء الحرب الضعفاء حاملاً إبرة وطلب سحب دمهم. كان الطبيب يدرك كيفية التعاطي مع مختلف الجنسيات لعقد الصفقة بنجاح وإقناع الجنود بالمشاركة في تجربته الواسعة النطاق.يذكر هيرزفيلد في مذكراته: {مع الجندي الإنكليزي، كان يكفي إبداء تعليق بسيط مفاده أن التجربة لها أهداف علمية}. في ما يخص {أصدقائه الفرنسيين}، قدم الطبيب الذكي بعض المعلومات عن أشخاص يمكن أن يخطئوا من دون مواجهة أي عقاب استناداً إلى فئة دمهم. كذلك لم يجد صعوبة في إقناع الجنود السنغاليين الذين كانوا ضمن القوات الاستعمارية في الجيش الفرنسي. كتب هيرزفيلد: {أخبرناهم بأن الاختبار قد يرتبط بفترة إجازتهم. فسارعوا إلى مد أياديهم السوداء نحونا بلمح البصر}.خلال بضعة أشهر فقط، استطاع هيرزفيلد بحماسته الكبيرة أن يحقق إنجازاً كان ليحتاج إلى سنوات عدة: تحديد فئات دم حوالى 8 آلاف جندي من مجموعة كبيرة من البلدان. حين أقدم الطبيب الذي كان يقيم منذ فترة طويلة في مدينة هايدلبرغ في غرب ألمانيا على تحليل بياناته، ظن أنه حقق اكتشافاً ثورياً. كتبت المؤرخة السويسرية ميريام سبوري في كتاب نُشر حديثاً عن التاريخ الثقافي لأبحاث فئات الدم: {ارتبطت فئة الدم A بشكل أساسي بـ{العرق} الأوروبي الأبيض بينما نُسبت فئة الدم B إلى الأعراق الداكنة}.طوّر هيرزفيلد وزميله إميل فون دونغرن في عام 1910 فئات الدم A وB وAB وO التي تُستعمل الآن على نطاق واسع دولياً. قبل ظهور تلك الفئات، كان كارل لاندشتاينر أول من اكتشف، في عام 1901، أن خلايا الدم الحمراء تشمل مجموعة متنوعة من المستضدات.تركيز على {النقاء}أجبر النازيون هيرزفيلد، وهو رجل يهودي، إلى التوجه نحو حي اليهود في وراسو في عام 1941 ولكنه صمد هناك على رغم كل شيء. لم يشتبه أحد بأن ذلك الباحث المتخصص بالدم كان يعمل بدوافع عنصرية. لكن توصلت سبوري إلى استنتاج مختلف.استنتجت المؤرخة السويسرية أن مجالات البحث التي أسسها هيرزفيلد كانت {تركز على علم تحسين النسل} منذ البداية. كتبت سبوري أن هيرزفيلد، حتى خلال فترة احتجازه، كان يلقي محاضرات حيث أعلن أن {تقسيمات فئات الدم بين اليهود و{الشعوب المضيفة} التي عاشوا بينها كانت شبه متطابقة}.لم يكن الباحث (أصله من وارسو) الشخص الوحيد الذي اختار تلك الكلمات التي تبدو مشينة وفق معايير الحقبة المعاصرة. بل أصر اختصاصي السيرولوجيا فريتز شيف مثلاً في المجلة الأكاديمية {بحوث الأنساب اليهودية} على أن اختلاف فئات الدم بين جماعات اليهود المتنوعة يمكن اعتباره {نقطة التقاء} كي تصبح تلك الجماعات أقرب إلى {الشعب المضيف}.كان لودفيك وهانا هيرزفيلد قد بدآ ينشران نظريات مشبوهة في حقبة العشرينيات. في هذا الإطار، كتبت سبوري: {ترسخت فكرة {الدم النقي} التي عبّر عنها الزوجان هيرزفيلد في البداية ولم تتمكن أي نظرية أخرى من مضاهاتها على رغم ظهور نتائج جديدة}.تقاسم معظم الباحثين في تلك الحقبة الهوس بفكرة نقاء الدم. قبل سنوات من وصول النازيين إلى السلطة، كان الباحثون في مجال فئات الدم من اليهود وغير اليهود يبحثون عن خصائص عرقية ومؤشرات على الاختلاط العرقي في الدم، فافترضوا أن توافر تلك المعطيات يجعل النتيجة منطقية.تسلط سبوري للمرة الأولى في كتابها الضوء على الأوساط الأكاديمية التي كانت تشمل أعضاء غير متجانسين على نحو استثنائي وفق معايير الزمن الراهن وقد تلاشت أعمالهم من ذاكرة الرأي العام. من جهة، نجد علماء ليبراليين خبراء بالأصول اليهودية مثل هيرزفيلد وشيف ولاندشتاينر. ومن جهة أخرى، نجد جماعة رجعية كانت تشمل أتباع عالِم الأنثروبولوجيا من هامبورغ، أوتو ريشي، الذي أسس {الجمعية الألمانية لأبحاث فئات الدم} في عام 1926.من وجهة نظر العصر الراهن، قد يبدو الأمر غريباً ولكن كان هؤلاء اللاعبون المختلفون في مجال أبحاث الدم على توافق في أغلب الأحيان. في عام 1929 مثلاً، خصص لاندشتاينر الذي كان قد هاجر في تلك الفترة إلى نيويورك بعض الوقت خلال زيارته إلى ألمانيا لمقابلة الباحث الغامض المتخصص بالأعراق ريشي. في رسالة إلى أحد الزملاء، أبدى العالِم العنصري الذي أصبح لاحقاً أحد المعجبين بهتلر مشاعر تتراوح بين انعدام الثقة والإعجاب بشخص لاندشتاينر: {رجل طويل ونحيل ووسيم ويتباهى بندبة على خده الأيسر. لا يبدو أصله العرقي واضحاً جداً... أنتج عدداً من الأفكار الممتازة}.أبدى هتلر بدوره اهتماماً شديداً بالموضوع مع أنه حصل على معلوماته من مصادر بدائية. استوحى {قانون حماية الدم والشرف الألماني} الذي مُرر في عام 1935 كجزء من {قوانين نورمبرغ} من رواية مشينة صدرت في عام 1917 بعنوان {الخطيئة ضد الدم}.تطبيقات أولية للأبحاثبدل التسبب بانتكاسة في الأبحاث الطبية في ألمانيا، ساهم هذا الاقتناع الخاطئ بـ{صفاء} الدم في تقدم تلك الأبحاث بدرجة معينة. كان العلماء الألمان رائدين في مجال استشكاف خصائص الدم الوراثية. شهدت ألمانيا في عام 1924 استعمال تقرير عن فئات الدم أمام المحكمة للمرة الأولى كدليل في قضية إثبات نسب.حقق علماء الطب الشرعي الألمان في بداية القرن العشرين أعظم إنجاز لهم حين أدانوا قاتلاً متسلسلاً استناداً إلى فحص دم. اشتُبه بأن لودفيغ تيسنو، نجار مياوم، قتل أربعة أطفال. فاستُعملت ملابسه الملطخة كدليل لإدانته.تعرض تيسنو لضغوط شديدة ولم يكن يعرف الإمكانات التي يتمتع بها الطب المعاصرـ فادعى أن تلك البقع تنجم بكل بساطة عن قطع الخشب. لكن تمكن الخبراء من رصد آثار دم بشري عبر استعمال اختبار تدفق الدم، ما أدى إلى إعدام تيسنو في عام 1904. لكن في الوقت نفسه، اعتبر الأطباء الألمان أن نقل الدم {نذير خطر} لأنهم كانوا يخشون تدنيس الدم النقي مع أن تلك العملية التي تنقذ الحياة استُعلمت بنجاح في المستشفيات البريطانية والأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.بالنسبة إلى معظم الأطباء، كان خلط دم شخص ألماني مع دم مواطن يهودي أمراً غير وارد. كذلك، كان نقل الدم بين الرجال والنساء أمراً مشبوهاً خوفاً من أن ينقل الدم خصائص نسائية إلى المتلقي الذكر.رصد تفوق الأعراقمهدا الزوجان هيرزفيلد لنشوء هذا التعصب بسبب دراسة فئات الدم التي أجرياها. حين رفضت «المجلة الطبية البريطانية» نشر الدراسة في البداية، واسى لودفيك هيرزفيلد نفسه حين عرف أن نظرية النسبية لآينشتاين لم تحصد التقدير اللازم في البداية. في نهاية المطاف، نشرت مجلة «ذا لانسيت» البريطانية الطبية النتائج الجريئة التي توصل إليها الزوجان هيرزفيلد في معكسر الجنود.في تلك الحقبة، كان بديهياً بالنسبة إلى هيرزفيلد وباحثين آخرين في مجال الدم أن تكون مختلف فئات الدم مؤشرات على خصائص عرقية متفوقة أو أقل شأناً. كان هؤلاء العلماء مقتنعين أيضاً بأن خصائص الشخصية يمكن استخلاصها من الدم.لتفسير وجود فئات دم مختلفة، طور لودفيك هيرزفيلد نظرية تبدو سخيفة اليوم. كان مقتنعاً بوجود «عرقَين أساسيين» فقط في الماضي الغابر: حاملو فئة الدم A الذين عاشوا في الغرب والشمال، وحاملو فئة الدم B وأصلهم من الجنوب والشرق. ثم استنتج أن الاختلاط التدريجي بين الشعبين على مدى آلاف السنين أدى إلى نشوء فئات دم أخرى.اعتبر الأكاديميون الليبراليون والمحرّضون العنصريون على حد سواء أن ذلك الاختلاط كان خاطئاً. هذا ما يجعل الباحثين اليهود من بين الأشخاص الذين مهدوا لانتشار المشاعر المعادية للسامية في المرحلة اللاحقة. تستنتج سبوري أن هذه الحقيقة {لا تتطلب أي تفسير إضافي عدا التشديد على واقع أن هؤلاء العلماء ذات الأصول اليهودية لم يعتبروا أنفسهم يهوداً في المقام الأول بل علماء}.يُجمع الباحثون على أن فئة الدم B كانت تشير إلى وجود انحراف معين. أكد خبير الجراثيم ماكس غوندل أنه شاهد عدداً إضافياً من الأفراد الذين اعتُبروا أقل شأناً من بين حاملي فئة الدم B وأنّ فئة الدم هذه كانت شائعة تحديداً بين {المرضى النفسيين والمصابين بالهستيريا والمدمنين على الكحول فضلاً عن أصحاب البشرة السمراء}.معتقدات خاطئةلا يزال الأصل الحقيقي لفئات الدم لغزاً حتى هذا اليوم. ما يمكن استنتاجه أن الفئة O منتشرة أكثر من غيرها في الأميركيتين وإفريقيا بينما تبدو فئة B أكثر شيوعاً في آسيا وفئة A في أوروبا.لفهم فئات الدم، يعتبر الباحثون المعاصرون أن السر يكمن في خصائص معينة تطبع كل فئة. يتسم حاملو فئة الدم O مثلاً بمناعة أفضل ضد الملاريا. لذا يظن العلماء أن فئة الدم هذه تطورت في إفريقيا منذ ملايين السنين كرد فعل تطوري نتيجة تحوّل في فئة الدم A. في المقابل، يتسم حاملو فئة الدم B بدرجة أعلى من المناعة ضد الطاعون وقد نشأوا على الأرجح في المناطق التي استفحل فيها المرض. مع ذلك، لا ترتبط فئات الدم بخصائص الشخصية بأي شكل.لكن خلال عهد جمهورية فايمار، أثرت تلك المعتقدات الخاطئة على النظام القضائي أيضاً، فقد أولى بعض القضاة أهمية كبرى لفئة دم المشبوهين. يمكن رصد ذلك في قضية قتل شاب اسمه هلموت دوب. تم الاشتباه بأن كارل هوسمان، صديقه في المدرسة، قطع حلق دوب قبل تقطيع أعضائه التناسلية. لكن في النهاية، فشلت النيابة العامة في إثبات ذنب المدعى عليه بشكل قاطع. في هذا السياق، كتبت سبوري: {كان هوسمان محظوظاً بما يكفي لأنه حمل فئة الدم O وليس فئة الدم B، بما أن عدداً كبيراً من خبراء الطب كانوا مقتنعين بأن أخطر المجرمين يحملون فئة الدم B}.ثم ظهر طبيب في إحدى المستشفيات الجامعية في ميونخ وقد أخطأ حين ظن أنه يوشك على تحقيق اكتشاف طبي مهم بعد إجراء دراسة مكثفة عن حركة الأمعاء: {تثبت مدة التغوط أيضاً وجود اختلافات بين الفئتين، فالأمر يتطلب بضع دقائق بالنسبة إلى حاملي الفئة A بينما تطول تلك المدة (بين 20 و40 دقيقة) بالنسبة إلى حاملي الفئة B}. اعتبر الباحثون أن الأفراد الذين يمضون وقتاً مطولاً في الحمّام كانوا من سكان المدن الكبرى في الشرق مثل برلين ولايبزغ، بينما رُصد حاملو الفئة A الأعلى شأناً بين سكان الأرياف في غرب البلاد.مخاوف بشأن الاختلاط وتدنيس الدمهيمن الهوس بالنقاء العرقي على أوساط العلماء وترافق مع عواقب كارثية في مجال تطور التبرع بالدم، فقد بقيت العملية محدودة في ألمانيا في الوقت الذي عمدت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إلى تطوير برامج للتبرع بالدم في أولى سنوات الحرب العالمية الأولى.بسبب المخاوف من الاختلاط وجلب الشوائب إلى الدم، كان الأطباء الألمان مستعدين حصراً لنقل الدم الطازج مباشرةً إلى عرق المريض المتلقي. في الولايات المتحدة، استعمل الأطباء دماً مكرّراً بِسترات الصوديوم كمضاد للتخثر، وهو تطور أفاد المرضى بما أنه يمنع الدم من التخثر بعد عملية نقل الدم. اعتبر الأطباء الألمان من جهتهم أن مضاد التخثر منتج اصطناعي خطير مع أن بعض الأطباء لاحظ حتماً السلبيات الطبية التي تطبع الطريقة الألمانية.في المقام الأول، تطلّب نقل الدم المباشر من المتبرّع إلى المتلقي أن يتمددا جنباً إلى جنب على نقّالة خلال عملية نقل الدم. تذمر الجراح النمساوي بورغارد برايتنر من الأمر قائلاً: {خلال عمليات نقل الدم لاحظنا أحياناً أن الاقتراب الشديد من أطراف المريض الباردة يزيد نفور المتبرّع بالدم الذي يتوتر أصلاً بسبب الجو الكئيب}.لم تنتهِ موجة الهوس بنقاء الدم فعلياً قبل انهيار ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية. في تلك المرحلة، حتى لودفيك هيرزفيلد اعترف بأن الأبحاث عن فئات الدم في ألمانيا «كانت لها آثار سلبية». لكن لم يندم هذا العالِم الذي توفي في عام 1954 على الدور الذي أداه، فأعلن في مذكراته أنه كان مضطراً إلى «اتخاذ موقف ضد استغلال العلم بهذا الشكل».