راشٍ لا مرتشٍ
الكثير منا للأسف يعتقد أن الرشوة هي قيمة مادية تعطى لتيسير أمر ما أو تحقيق غاية لا تدرك إلا بهذه الوسيلة، والمزعج في الموضوع أنه في حال استُبدلت تلك القيمة المادية بأخرى معنوية تراءى للكثيرين أن شبهة الرشوة قد اختفت، فالدم والنسب والطائفة والطبقة الاجتماعية في حال استخدمت لتمرير أو تيسير أمر، فهي رشى بكل المقاييس.قدم الكاتب باولو كويلو مؤلف "الخيميائي" 'The Alchemist' في إحدى كتاباته مفهوم "بنك الخدمات" 'favor bank' ويعّرف هذا البنك بأنه لا يختلف عن البنك الاعتيادي الذي تودع به الأموال، حيث إنه في هذا البنك تودع وتسحب الخدمات التي تحصل بين البشر... مثال على ذلك إن أتاك أحد يطلب منك خدمة، فبقبولك قد أودعت خدمة تستطيع صرفها في المستقبل، وإن احتجت أنت إلى خدمة من شخص، فلابد من أن تسحب خدمة من رصيدك.ويقول باولو إنه على الرغم من أن هذا البنك يعتبر معنوياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى فإن متابعته وزيادة رصيدك فيه تعتبران أصعب من البنوك الاعتيادية، وفي حال إفلاسك فإنك هنا تكون عرضة للاستغلال من الجميع دون رحمة، فترى نفسك تقدم خدمة تلو الأخرى حتى تصبح عبد ذلك الدائن الذي أغرقك بخدماته في يوم من الأيام. لو أدرك الموظف الكويتي أن تركيبة مجتمعه تحتم وجود المحسوبية والواسطة لوظف بعضاً من طاقته بإدارة حسابه الخدماتي بطريقة استثمارية، حيث يصرف الواسطات باقتدار ويودع بحكمة، وبذلك يستطيع من خلال الإدارة الحكيمة لرصيده أن يرفض تمرير الواسطات الهادمة لمهنية عمله والمفروضة عليه كأمر واقع.وهنا يصبح لدينا وقاية بسيطة من سرطان الواسطة، إن صح التعبير، عوضاً عن الإفلاس الحالي الحاصل بين أبناء الشعب الذي يرى الحرج برفض تمرير واسطة حتى لسابع جار. ومن هنا ربما تستطيع أن تستيقظ الحكومة من سباتها وتقدم علاجاً فعالاً ونهائياً لسرطان الواسطة المنتشر. لا أعلم من وراء حملة "أمة 2013" في وزارة الإعلام لكن أتمنى منهم التعاون مع وزارة الشباب لإضفاء قليل من الإبداع على حملتهم، فالشباب برهنوا في مؤتمرهم أنهم يعرفون كيف يديرون استعراضاً حكومياً.