اللعبة النهائية في سورية... آفاق قاتمة وخيارات ضيقة
في إحدى المرات، قال لي المؤرخ اللبناني الراحل كمال الصليبي في بيروت: «نحن العرب لسنا من محبي الحرب. بل إننا أشخاص متخاصمون». إنه ادعاء صحيح بشكل عام. يبدو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أقرب إلى الخلاف على طريقة إيرلندا الشمالية منه إلى الحرب الحقيقية من النوع الذي فكك يوغسلافيا السابقة. ينطبق الأمر نفسه على الاشتباكات المزمنة لكن المتقطّعة في مناطق من اليمن وليبيا ولبنان.
لكنّ الحرب الأهلية في سورية مختلفة. فهي عبارة عن معركة وجودية حتى الموت.
لكنّ الحرب الأهلية في سورية مختلفة. فهي عبارة عن معركة وجودية حتى الموت.
الحرب في سورية حقيقية وهي تنتج حصيلة حقيقية من القتلى سبق وتجاوزت العدد الذي سقط في حرب البوسنة. ما كان يمكن أن يكون ثورة دموية لكن قصيرة على الطريقة الليبية لطرد الحاكم الاستبدادي بشار الأسد تحوّل إلى حرب طائفية ضخمة بين الغالبية السنية المسلمة والأقلية العلوية الحاكمة. وما كان يمكن أن يوجّه لطمة موجعة إلى الغرب في حربه الباردة مع إيران (سورية هي الدولة الوحيدة المتحالفة مع إيران في الشرق الأوسط) تحول جزئياً إلى معركة مطوّلة ومباشرة بين دولة تعادي الولايات المتحدة وترعى الإرهاب ومجاهدين معادين للأميركيين ضمن «جبهة النصرة» (الفرع السوري من تنظيم «القاعدة») التي تقاتل إلى جانب الجيش السوري الحر ضد الأسد.لا تصحّ دوماً الفكرة القائلة إن الشيطان الذي نعرفه أفضل من الشيطان الذي لا نعرفه. في الصيف الماضي، كتبتُ أن الولايات المتحدة يجب أن تدعم الجيش السوري الحر ضد نظام الأسد. فسألتُ حينها عما يثير قلقنا ويمنعنا من فعل ذلك: «هل نخشى أن تصبح سورية دولة ترعى الإرهاب؟ أو أن تعادي الولايات المتحدة وإسرائيل؟ أو أن تصبح نظاماً دكتاتورياً قمعياً يسجن ويقتل آلاف الناس؟ أو أن تتحالف مع إيران، عدوتنا الأساسية في المنطقة؟ فعلت سورية هذه الأمور كلها أصلاً».
لم تكن «جبهة النصرة» التي وضعتها الولايات المتحدة حديثاً على لائحة الإرهاب موجودة في تلك الفترة. ثم بدأ القتال بين الجيش السوري الحر وما تبقّى من الجيش السوري النظامي. كان يمكن أن تُقدِم الولايات المتحدة على تسليح وتمويل الجيش السوري الحر وتدريبه، وأن تبذل قصارى جهدها لضمان تدفق المساعدات حصراً إلى الفئات المعتدلة والعلمانية في المعارضة، ما يعني تعزيز احتمال أن يكون الحكم الذي ينشأ بعد تغيير النظام ودياً أو غير عدائي تجاه الغرب على الأقل.لكننا قررنا التفرج على الوضع وسمحنا بترسيخ الفراغ، فتدخلت حكومات من شبه الجزيرة العربية في سورية ودعمت عملاءها. تقدم الأموال والأسلحة إلى المجاهدين الملتحين بدل القوى العلمانية والمعتدلة. يقول إيلي خوري، أحد مؤسسي «مؤسسة نهضة لبنان»: «في ظل غياب التدخل الغربي، هكذا تسير الأمور. يجب ألا ترتكب واشنطن خطأ سحب دعمها لليبراليين والمعتدلين والأقليات في الشرق الأوسط لأنكم ستواجهون في المقابل وضعاً ستكرهونه فعلاً. ستواجهون نسخة أو نسختين أو حتى ثلاث نسخ من إيران. إلى أين سيقودنا هذا الوضع؟».لم يفت الأوان بعد على تسليح السوريين المعتدلين سياسياً ودينياً ممن يعارضون النظام، لكن بدأ العد العكسي. «جبهة النصرة» ليست جزءاً من الجيش السوري الحر. إنهما منظمتان منفصلتان. لكن مثلما يُقال منذ فترة طويلة في الشرق الأوسط: عدو عدوي هو صديقي. يقاتل الجيش السوري الحر و»جبهة النصرة» الآن جنباً إلى جنب ولكنّ تحالفهما موقت. سرعان ما سيتقاتلان حين يسقط الأسد. يمكن تشبيه الأمر بتعاون الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي لمحاربة ألمانيا النازية قبل أن يتواجه الطرفان في حرب باردة طوال أربعة عقود ونصف.لكن لو قامت الولايات المتحدة منذ البداية بتسليح وتمويل وتدريب الجيش السوري الحر ودعمه سياسياً، لما احتاج إلى التعاون مع «جبهة النصرة». كان يمكن أن تنتهي الحرب في هذه المرحلة، وما كانت «جبهة النصرة» لتحصل على الوقت الكافي كي تنمو، وما كانت سورية لتتحول إلى نقطة جذب للمجاهدين الذين يعملون لحسابهم من جميع أنحاء المنطقة، علماً أن هؤلاء في بحث دائم عن ظروف وأماكن مماثلة لاستعراض قدراتهم.لكن حصل ما حصل الآن. فشلنا في دعم الجيش السوري الحر. ها نحن نواجه الآن احتمالاً أكبر بأن تخضع سورية الجديدة لحكم المتعصبين الإسلاميين المسلحين أو أن تفقد استقرارها على الأقل. أعلنت إدارة أوباما حديثاً أنها ستزيد حجم المساعدات إلى الثوار السوريين، لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت الأسلحة والذخائر ستصبح جزءاً من الاتفاق. حتى الآن على الأقل، يبدو أن الولايات المتحدة لا تزال على هامش الأحداث وتبدو الآفاق قاتمة.حرب طائفيةيبذل الأسد قصارى جهده لتحويل الثورة إلى حرب طائفية بين السُّنة والعلويين. يحتاج إلى تحويل هذه الحرب إلى صراع وجودي حتى الموت لأجل الحفاظ على ولاء حلفائه. من المعروف أن أفراد عائلته وعشيرته ومعظم الموالين له في الجيش وفي وكالات الاستخبارات وفي الشوارع من العلويين (أقلية دينية منشقّة تشكّل 12% فقط من العدد السكاني في سورية) ولطالما اعتبرهم السُّنة من الكفار.في المقابل، خضع السُّنة (إلى جانب الأقليات المسيحية والكردية والدرزية في سورية) لحكم توتاليتاري على الطريقة السوفياتية بقيادة عائلة الأسد طوال عقود. لم يعد البلد يتّسع للجميع. سيتم اعتقال وقتل أعضاء ومناصري الجيش السوري الحر وتعذيبهم حتى الموت إذا خسروا. ويخشى العلويون (حتى الأبرياء غير المرتبطين بالنظام) طردهم من البلد أو اضطهادهم على الأقل إذا وصل السُّنة إلى السلطة وقرروا شن حملة انتقامية دموية.تحويل الثورة إلى حرب طائفية جزء من استراتيجية الأسد الداخلية. كانت استراتيجيته الخارجية تقضي منذ البداية بجعل بقية دول العالم تظن أنه يخوض حرباً على الإرهاب.منذ أن شن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن حملته ضد العراق، يخشى الأسد أن يكون الهدف التالي (لذا قام بأسوأ ما يمكن لزعزعة استقرار العراق بعد سقوط صدام حسين، وذلك من خلال إرسال الإرهابيين التابعين للقاعدة عبر الحدود بهدف تفجير الأميركيين وقتل العراقيين). ومنذ أن ساعد الرئيس الأميركي الراهن باراك أوباما على إسقاط معمر القذافي في ليبيا، كان من المبرر أن يظن الأسد أنه الهدف التالي فور بدء الانتفاضة ضده. لذا حاول تصوير الثورة السورية وكأنها حرب بين نظام إصلاحي علماني وتنظيم «القاعدة»، حتى قبل نشوء الجيش السوري الحر (بالتالي «جبهة النصرة») وقبل أن تطلق المعارضة أول طلقة رصاص، فذبحت القوات المسلحة التابعة للأسد المحتجين السلميين الذين لم يطالبوا إلا بالإصلاح. حتى إنه بث مشاهد على التلفزيون كي تبدو الجرائم وكأنها اعتداءات إرهابية لأنه كان يحتاج إلى فعل ذلك.يقول الباحث نديم شحادة من مؤسسة «تشاتام هاوس»: «هذا ما فعله النظام السوري تحديداً في لبنان. إنها لعبة نفسية. إذا أردتم هزم الأسد، يجب أن تفصلوا أنفسكم عن الواقع الذي يروّج له مثلما فصل نفسه عن الجميع. يكفي أن نصغي إلى خطاباته. هي لا تتصل بالعالم الحقيقي... ولا بأي شكل. لكن يصدّقه الناس. هذه هي اللعبة النفسية. كتبت صحيفة «واشنطن بوست» أنه حاكم قوي لأنهم أصغوا إلى خطابه وبدا قوياً. لكن لا يتوانى بعض الصحافيين الأغبياء في الغرب عن الذهاب إلى حلب ومقابلة شاب مُلتح يخبرهم بأنه سينشئ إمارة خاصة به فيضعون الخبر في العنوان الرئيس».تكمن المشكلة طبعاً في واقع أن المجاهدين ينشطون فعلاً في سورية الآن. طال هذا الصراع كثيراً لدرجة أن اللعبة النفسية التي يمارسها الأسد عبر إطلاق المواقف ضد جماعات إرهابية أصبحت جزءاً من الواقع. لكنها ليست القصة الكاملة بل جزء منها.فاز باللعبة النفسيةأمضيتُ معظم وقتي في شهرَي فبراير ومارس في بيروت. يظن جميع من قابلتُهم تقريباً أن الأسد فاز باللعبة النفسية وأن البيت الأبيض متحالف مع دمشق. يقول شحادة: «تتمتع الولايات المتحدة بقوة دبلوماسية في المنطقة اليوم أكثر من السابق، لكنها ستفقدها في سورية لأن باراك أوباما يُعتبر من داعمي بشار الأسد».عبّر مصباح الأحدب، نائب سابق من ثاني أكبر مدينة لبنانية، طرابلس، عن الوضع القائم حين قابلتُه على الغداء قائلاً: «الأسد يتلقى الأسلحة من إيران وروسيا والمتطرفون في «جبهة النصرة» يتلقون الأسلحة من الخليج. فما الذي يمنع أن يتلقى الجيش السوري الحر الأسلحة بدوره؟ يتساءل الجميع هنا عن حقيقة ما يحصل».كل ما في الأمر أن واشنطن تتصرف بحذر. تشعر إدارة أوباما بالرعب من احتمال المشاركة في حرب أخرى تشبه حرب العراق، وهي انضمت إلى الحرب في ليبيا لأن أوروبا تولت دور القيادة ولأن القذافي كان يفتقر إلى الأصدقاء. في المقابل، لدى الأسد أصدقاء نافذون في لبنان وإيران. قد يؤدي توسيع الحرب إلى إشعال المنطقة كلها، لا سيما إذا قررت إيران و»حزب الله» جر الإسرائيليين إلى الصراع، ويمكن تحقيق ذلك خلال 10 دقائق. تخاف الولايات المتحدة أيضاً من تداعيات الوضع السوري ويبدو أنها لا تعرف ما يجب فعله.يشعر النائب سامي الجميّل، ابن الرئيس اللبناني السابق أمين الجميّل، بارتباك واشنطن. أخبرني من مكتبه في جبل لبنان فوق بيروت: «قبل أن تعرفوا ما يجب فعله، يجب أن تعرفوا ما تريدونه». من وجهة نظره، تقف الولايات المتحدة أمام ثلاثة خيارات استراتيجية في المنطقة.أولاً، دعم الأنظمة القائمة التي تحافظ على وضع المراوحة. ثانياً، دعم التغيير. يوضح الجميّل: «يعني ذلك استثمار أموالكم في عملية ديمقراطية قد تتطور بعد فترة من الفوضى. يحمل هذا القرار بعض المجازفة. بعد عقود من الحكم الدكتاتوري، لا يمكن أن تتطور الأحداث بسرعة وتتحول الأنظمة إلى ديمقراطية مستقرة بعد سنة أو سنتين فقط. لا بد من مرور بعض الوقت قبل بناء نظام ديمقراطي حقيقي يوصل أشخاصاً معتدلين إلى السلطة. دائماً ما يتفوق المتطرفون بعد سقوط الحكام الدكتاتوريين. بالتالي، هذا الخيار يتطلب التزاماً طويل الأمد».ثالثاً، «النظر إلى النسيج الاجتماعي في تلك البلدان وتحديد ما إذا كان قابلاً للاستمرار أصلاً. إذا لم يكن كذلك، يمكنكم تقسيم المنطقة».الخيار الأول ليس وراداً، أقلّه ليس في سورية. لا يمكن أن تدعم الولايات المتحدة الأسد. فهو من ألدّ أعداء الأميركيين ويدير دولة ترعى الإرهاب. والخيار الثالث ليس واقعياً أيضاً. لن تعيد الولايات المتحدة رسم خارطة الشرق الأوسط كما فعل البريطانيون والفرنسيون في بداية القرن العشرين.لكنّ الاكتفاء بالتفرج على الوضع ليس خياراً مطروحاً أيضاً. لا يمكن أن تمتنع القوى العظمى عن التحرك حين تصبح مصالحها على المحك، حتى لو كانت تلك القوى تخضع لرئيس لا يؤيد بطبيعته سياسة التدخل.يقول الجميّل: «يجب أن يقرر الأميركيون الاستراتيجية التي يريدونها. ربما تريد واشنطن تطبيق استراتيجية مختلفة في كل بلد. لكن لمعرفة ما يجب فعله، يجب أن تعرفوا ما تريدونه. وإذا لم تعرفوا ما تريدونه، لن تعرفوا ما يجب فعله. إذا حدّدتم استراتيجية معينة وكنتم تعلمون إلى أين تريدون الوصول خلال 20 سنة، ستجيدون التعامل مع شخص مثل الأسد».بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يبدو أن الخيار المنطقي الوحيد من بين الاقتراحات التي طرحها الجميّل هو الخيار الثاني: دعم التغيير. أما تحديد طريقة التصرف، فلا يحتاج إلى عبقرية خارقة. ثمة طريقتان لفعل ذلك:تقضي الطريقة الأولى باتخاذ موقف حاسم ودعم العناصر المعتدلة في الجيش السوري الحر فوراً، وذلك عبر تسليحها وتدريبها ودعمها جوياً أو التوصل إلى صفقة معينة. يحمل الأمر بعض المجازفة طبعاً وقد يتطلب بعض التنازلات. قد يصعّد «حزب الله» وإيران الوضع. وقد يصل بعض المساعدات الأميركية إلى أطراف غير مناسبة ستستعملها لاحقاً ضدنا وضد أصدقائنا، حتى لو تصرفنا بأقصى درجات الحذر. لم تعد هوية المتخاصمين في ساحة المعركة واضحة الآن. لكن قد تفيد هذه الخطوة المباشرة في إنهاء مرحلة الحرب المعادية للأسد بوتيرة أسرع. هكذا لن تبقى سورية طويلاً نقطة جذب للإرهابيين ولن تحصل «جبهة النصرة» على الوقت الكافي لتوسيع نفوذها والتحول إلى قوة بارزة بعد حقبة الأسد.تتعلق الطريقة الثانية بانتظار سقوط الأسد ثم دعم الجيش السوري الحر. يدرك الجميع في سورية أن العناصر المعتدلة في المعارضة ستشتبك مع الإسلاميين بعد سقوط النظام. في ذلك الوقت، سيسهل التمييز بين الإسلاميين والفئات الأخرى لأن الإسلاميين سيقاتلون جميع الأطراف الأخرى.إذا طبقنا الخيار الثاني، من المستبعد أن تستولي «جبهة النصرة» على سورية. فهي ستواجه معارضة من جميع فئات البلد (العلويون، والمسيحيون، والدروز، والأكراد، والسُّنة الليبراليون، والسُّنة المعتدلون، والسُّنة القوميون، وكبار الشخصيات السنية المحافظة، والقبائل المتمركزة في المناطق النائية). وإذا دعم الغرب جميع تلك الفئات، يمكن حسم الوضع. سينتهي أمر «جبهة النصرة». قد تتمكن من تنفيذ بعض التفجيرات ونشر الفوضى، لكنها لن تحكم البلد.هكذا يمكن أن تستعيد الولايات المتحدة جزءاً من قوتها الدبلوماسية وسلطتها الأخلاقية التي بدأت تفقدها اليوم في المنطقة. كل من يشعر بالغضب تجاهنا بسبب دعمنا للأسد أو دعمنا للإخوان المسلمين في مصر سيلاحظون أن الولايات المتحدة تؤيد مطالبهم بالتغيير.*محرر في جريدة «شؤون العالم» ومؤلف أربعة كتب، بما في ذلك «أين ينتهي الغرب» (Where the West Ends) ورواية «مأخوذ» (Taken).سيسقط الأسد حتماًيقول جان بيار قطريب، محاضر جامعي وناشط في مجال حقوق الإنسان في بيروت: «سيسقط الأسد حتماً. هكذا هو مسار التاريخ. حتى الاتحاد السوفياتي، بكل تنظيمه الدقيق وبنيته التحتية القوية، لم يدم أكثر من سبعة عقود. لا يمكن أن يقاوم أي نظام قمعي مسار التاريخ الذي يتجه نحو توسيع هامش الحرية والتمثيل. قد تبدو هذه الفكرة فلسفية أو ساذجة، لكني أنظر إلى الأمور بهذا الشكل. لكن لن تكون سورية بعد سقوط الأسد ديمقراطية. هذا الأمر يحتاج إلى الوقت. ستعمّ الفوضى حتماً».محق في رأيه. يجب ألا نخدع أنفسنا. سيكون الوضع السوري بعد الأسد كارثياً. لا يمكن تجنب ذلك. يكفي أن ننظر إلى آخر بلد عربي تدخّل فيه الغرب. تواجه ليبيا مشكلة جدية مع الإسلاميين والإرهابيين، لكنهم لا يحكمون البلد على الأقل كما فعلوا في شمال مالي قبل تدخل الفرنسيين. ما الذي ينتظرنا إذاً؟ هل ستبدو سورية بعد عهد الأسد نسخة أكثر فوضوية من ليبيا، أم أنها ستكون أقرب إلى وضع مالي في السنة الماضية؟يقول إدوارد غابرييل، السفير الأميركي السابق في المغرب وأحد مؤسسي «فريق العمل الأميركي لأجل لبنان»: «تتوقف أمور كثيرة على قدرة المجتمع الدولي على تشكيل الحكومة السورية المقبلة. حذرت الولايات المتحدة المعارضة من استمرار العقوبات المفروضة على نظام الأسد إذا وصلت تلك المعارضة إلى السلطة وقررت الانتقام من الأقليات. المعارضة ليست راضية على أداء الولايات المتحدة بسبب قلة دعمها، لكن إذا قررت الولايات المتحدة وحلفاؤها دعم المعارضة بفاعلية ومساعدتها على إنشاء سورية الجديدة، يمكن أن تنشأ دولة سورية معتدلة ومتسامحة دينياً».يوضح إيلي خوري من «مؤسسة نهضة لبنان»: «يجب أن تتذكروا أن الليبراليين يشكلون أقلية واسعة. إنها أقلية نافذة ومن الغباء تركها وحدها، فهي تشكّل نسبة كبيرة من الشعب عند تحالفها مع أقليات أخرى».قد لا تنجح الخطة في نهاية المطاف. يمكن أن يحصل أي شيء في الشرق الأوسط وتفشل المبادرات الجيدة بشكل دائم. لكن يجب أن نكون حذرين كي لا نتعلم الدروس الخاطئة من التاريخ. قد تنهار سورية بعد عهد الأسد كما حصل في العراق بعد صدام حسين، لكن ليس الأمر محتوماً.يقول شحادة من منظمة «تشاتام هاوس»: «لم تكن تجربة العراق فاشلة، بل حققت انتصاراً للولايات المتحدة. انهار صدام حسين بكل سهولة. لم تكن الولايات المتحدة تحارب العراق وحده في العراق. فقد حاربها هناك كل نظام آخر في المنطقة، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة. حين يسقط الأسد، ستبرز اختلافات بين سورية بعد الأسد والعراق بعد صدام: كانت المنطقة كلها تعارض سقوط صدام بينما تؤيد المنطقة كلها سقوط الأسد. وساهمت المنطقة كلها في نشر الفوضى في العراق بينما ستساهم المنطقة كلها في إرساء الاستقرار في سورية.أو بالأحرى سيساهم معظم المنطقة في ذلك، إذ ستؤدي إيران دوماً دور مُفسد الأمور. لكن يبقى رأي شحادة صحيحاً. لا يجب أن نختار بين الشيطان الذي نعرفه والشيطان الذي لا نعرفه في سورية. قد نواجه أي واحد منهما، لكن إذا تفاءلنا وقمنا بالأمور الصائبة، قد لا نضطر إلى مواجهة أي من الطرفين.