«جنيف 2»... فرصة كبرى للتغيير في سورية!
حتى لو قررت مجموعات المعارضة الرئيسة عقد اتفاق السلام، يبدو أن سورية ستواجه لا محالة تمرداً مسلحاً طويل الأمد في بعض أجزائها، فضلاً عن عمليات انتحارية منتظمة في مدنها الرئيسة طوال السنوات القادمة.
عندما يفتتح بان كي مون المؤتمر الدولي المنتظَر بشأن سورية في جنيف الشهر المقبل، سيختبر هذا البلد الذي تمزقه الحرب أول بارقة أمل يتجرأ على ترقبها منذ أشهر. فقد مرت سنة منذ أن وافقت روسيا والولايات المتحدة على توجيهات عملية الانتقال إلى دولة سورية أكثر ديمقراطية وتعددية، لكن المؤسف أن أرواحاً كثيرة أُزهقت من دون بذل أي جهد لتطبيق هذه التوجيهات.خاضت الأطراف المعنية مناورات عدة لتنظيم مؤتمر جديد بغية مناقشة الوضع السوري، فتخلت الولايات المتحدة عن شرطها المسبق: أن يتنحى بشار الأسد عن السلطة قبل المحادثات، فبخلاف هيلاري كلينتون، يدرك جون كيري، على ما يبدو، أن قوات الأسد لن تُهزم من دون تدخل أميركي واسع النطاق (احتمال لن يقبل به الرئيس الأميركي باراك أوباما)، وأن الصراع المطول يقوي يد تنظيم "القاعدة" وغيره من المجاهدين الذين تدفقوا إلى سورية. في المقابل، تراجع الأسد عن مطالبته بأن تتخلى المعارضة المسلحة عن سلاحها قبل أن يرسل ممثليه للتفاوض معهم. ومن المتوقع أن يتوجه رئيس وزرائه وعدد من الوزراء الآخرين إلى جنيف.تشكل المعارضة السورية، أو على الأقل بعض أجزائها، عقبة. دعمت هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي فكرة مؤتمر جنيف وستحضره عن طيب خاطر، لكن الائتلاف الوطني السوري، الذي يحظى بدعم الحكومات الغربية، فضلاً عن تركيا، وقطر، والمملكة العربية السعودية، ما زال متردداً في الحضور من دون الحصول مسبقاً على التزام أكيد برحيل الأسد، إلا أن الدبلوماسيين البريطانيين والغربيين يحضونهم بكل ما أوتوا من سبل على عدم مقاطعة المؤتمر ومنح الأسد بالتالي انتصاراً إعلامياً.ما زالت الورقة الرابحة رغبة البريطانيين والفرنسيين (التي تضاهيها رغبة بعض المسؤولين البارزين في واشنطن) في رفع الحظر عن إمدادات السلاح إلى الثوار. وهنا أيضا نحتاج إلى بعض المناورات والتبدلات في المواقف، وإلا سيميل البعض إلى إخبار الثوار أنهم، إذا حضروا المؤتمر وأحسنوا التصرف، سيحصلون على السلاح في حال أخفقت هذه المبادرة. لكن هذه الخطوة ستشكل كارثة ودعوة واضحة للثوار تشجعهم على تخريب المؤتمر بالتصرف بطريقة غير عقلانية. إذن، من الأفضل استبعاد مسألة السلاح والتركيز على ألا يكون مؤتمر جنيف مجرد مرحلة عابرة، بل بداية عملية جادة، فقد سلبت الحرب حياة كثيرين، شملت عدداً كبيراً من المجموعات المسلحة المختلفة، وازدادت تعقيداً بسبب التدخل الأجنبي المفرط؛ لذلك لا يمكن إنهاؤها في غضون 48 ساعة. يجب أن يؤدي اجتماع جنيف إلى تشكيل لجان عمل تركز بصبر على الإصلاح الدستوري، والمساعدة الإنسانية، وإطلاق المعتقلين، ووقف إطلاق النار في المناطق المختلفة، وعودة مراقبي الأمم المتحدة. ومن المؤكد أن هذه الخطوات ستؤدي إلى التخفيف من وتيرة العنف وعودة المهجرين تدريجيا لبناء منازلهم المهدمة.في مرحلة مبكرة من هذه العملية ستنشأ الحاجة إلى حكومة وحدة وطنية ائتلافية تشمل وزراء من المعارضة والنظام الراهن على حد سواء، كما أشارت توجيهات السنة الماضية. لا شك أن هذا سيتطلب شجاعة سياسية من كل الأطراف، بما أن تنظيم "القاعدة" والمجموعات الأصولية الأخرى التي انضمت إلى القتال ستدين على الأرجح مَن يتعاونون في هذه المسألة أو حتى تحاول اغتيالهم. وسيبقى المتشددون في سورية فترة طويلة. حتى لو قررت مجموعات المعارضة الرئيسة عقد اتفاق السلام، يبدو أن سورية ستواجه لا محالة تمرداً مسلحاً طويل الأمد في بعض أجزائها، فضلاً عن عمليات انتحارية منتظمة في مدنها الرئيسة طوال السنوات القادمة. ومن المرجح أن ما رأيناه سابقا في العراق سيلحق بسورية أيضاً.صحيح أن من الضروري النظر إلى مؤتمر جنيف بتفاؤل وحذر، ولكن يجب أيضاً أن تتعاطى معه كل الأطراف على أنه فرصة حقيقية للتغيير، ولا شك أن السعي إلى تحقيق انتصار إعلامي أو محاولة تقويضه بغية تجديد الصراع المسلح بحدة أكبر لن يخدما مصالح سورية أو جيرانها.فَقَدَ ربع سكان سورية منازلهم، وخسر نحو 100 ألف حياتهم؛ لذلك آن الأوان لاعتماد مقاربة أكثر تعقلاً وحكمة.