بعد ستة عقود... نزعة ستالين لا تزال مترسخة في روسيا

نشر في 09-03-2013 | 00:01
آخر تحديث 09-03-2013 | 00:01
No Image Caption
حكم جوزيف ستالين الاتحاد السوفياتي في سنواته الأولى عبر أساليب التعذيب والمحاكمات الاستعراضية وأعداد هائلة من عمليات الإعدام. لكن يبدو أن عدداً كبيراً من الروس مستعد اليوم لمسامحة هذه الوحشية، ويعتبره بطلاً لأنه نجح في ترسيخ السلطة وتحديث البلد. «شبيغل» تناولت الموضوع.
لا أحد في روسيا ينكر فكرة أنّ جوزيف ستالين يجسد نوعاً مشيناً من الحكم عن طريق العنف. كان شخصية مثيرة للجدل منذ البداية، حتى في أوساط القادة المنتمين إلى حزبه الخاص (حزب «البلاشفة») الذي مهّد لنشوء الحزب الشيوعي. حتى القادة الشيوعيون الروس السابقون يعترفون بأن عدد ضحاياه كان مرتفعاً بشكل مريع.

مع ذلك، يُعتبر الدكتاتور السوفياتي الراحل مصدر خلافات محتدمة في روسيا المعاصرة. يشيد المعجبون به، أمثال الكاتب ألكسندر بروخانوف، بـ{النصر العجيب» الذي حققه ستالين في نهاية الحرب العالمية الثانية ويعتبرون «المشروع الأحمر» السوفياتي الحدث المحوري الذي أنشأ عهداً جديداً. غالباً ما يفوز المعسكر المؤيد لستالين بالنقاشات التلفزيونية مع الليبراليين الذين يحذرون من مخاطر الحنين إلى أيام ستالين. بعد ستين سنة على وفاته، في 5 مارس 1953، لا يزال «الرجل الفولاذي» يثير إعجاب شريحة واسعة من الروس.

أصدر لينين أولى التحذيرات ضد ما كان ستالين يستطيع فعله. كتب في رسالة موجهة إلى المؤتمر الحزبي في 24 ديسمبر 1922: «الرفيق ستالين، بعدما أصبح الأمين العام، وضع سلطة هائلة بين يديه. ولست واثقاً من أنه يجيد دوماً استعمال تلك السلطة بحذر كاف».

حملات تطهير مكثفة

في تلك الحقبة، لم يكن ستالين قد كسب بعد سلطة مطلقة بعد خمس سنوات على نشوء الدولة السوفياتية. كانت الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الروسية قد هزتا البلد وانقسم الشيوعيون النافذون إلى فصائل متناحرة. اشتهر رجل من عائلة يهودية ميسورة كخطيب لامع: إنه ليف دافيدوفيتش برونشتاين الذي سمى نفسه ليون تروتسكي. حذر لينين الذي كان على ما يبدو خبيراً في الطبيعة البشرية منه أيضاً. كان تروتسكي يتمتع «بثقة مبالغ فيها بالنفس وكان يميل إلى الانجذاب نحو الجانب الإداري البحت من الأمور».

كان هذا الرأي تحديداً هو الذي جعل وصول ستالين إلى السلطة أمراً ممكناً. لا أحد تقريباً، ولا حتى لينين، تخيل أن يأمر ستالين بطرد تروتسكي من الحزب وإرساله إلى المنفى. بعد وفاة لينين في عام 1924، ما عاد يمكن ردع ستالين. سارع الأخير إلى عزل مناصري تروتسكي وكان يحذر بشكل متكرر من أفكارهم الدكتاتورية مثل مفهوم «عسكرة العمل» المكروه.

في موسكو خلال العشرينات، ميّز ستالين نفسه عبر إطلاق وعود بتطبيق الديمقراطية. رسّخ سلطته عبر جهاز الحزب حيث دعم الشباب الروس بشكل أساسي. كان الحزب الذي تركه لينين وراءه فوضوياً وكان يحكمه سياسيون يبحثون عن المغامرات وما كانوا يتفاعلون مع حياة الروس العاديين. في المقابل، كانت طبقة الإداريين في الدولة والحكام الإقليميين جشعة وفاسدة. لم تتمكن أي جماعة من بناء الدولة فاستغل ستالين الفرصة. في النصف الأخير من الثلاثينيات، استعمل المحاكمات الاستعراضية في موسكو لإصدار مئات آلاف الأحكام بالقتل وملايين الأحكام بالسجن في معسكرات الاعتقال حيث مات عدد هائل من الناس.

«إيفان الرهيب» قدوة تاريخية

اتضح المحرك الذي دفع ستالين إلى تطبيق هذه المقاربة في فيلم يبدو للوهلة الأولى غير مرتبط بستالين. صُوّر فيلم «إيفان الرهيب» (Ivan the Terrible) خلال الحرب العالمية الثانية بطلبٍ من ستالين وكان من إخراج سيرغي أيزنشتاين. تقع الأحداث في القرن السادس عشر وتعرض القصة حياة إيفان الرابع، «قيصر جميع الروس»، وقد أكسبته ميوله السادية لقب «الرهيب» في الغرب.

مثل ستالين، واجه إيفان الرابع عقبة في طريقه نحو كسب السلطة المطلقة: طبقة النبلاء الفاسدة والأرستقراطيون الذين لم يستطع الوثوق بهم. ذُهل ستالين بنقاط الشبه التاريخية. رأى المشاهدون قيصراً كان قائداً موهوباً جداً للشعب ولكن أحاط به أمراء ماكرون وخونة. في المقتطف الروسي، بدا وكأنّ الفيلم يصوّر «رجلاً نجح للمرة الأولى في توحيد البلد وإنشاء دولة نافذة».

أخضع ستالين بدوره جهاز السلطة عن طريق الترهيب وموجات من حملات التطهير الدموية. في الحالات التي غابت فيها المقاومة، لم يتردد في فبركتها. كان الناس يتعرضون للتعذيب كي يقدموا اعترافاتهم خلال الاستجواب. وكانت المحاكمات الاستعراضية التي شهدها البلد بدءاً من عام 1935 ضد كبار الشخصيات من الحزب والدولة تستهدف كل من يعارض سياسة ستالين، سواء بشكل علني أو سري، وقد كانت مشينة بالفعل. في يوم فقط، في 12 ديسمبر 1938، أصدرت محاكم ستالين أحكاماً بالموت ضد 3167 شخصاً. حتى الشرطة السوفياتية السرية المسؤولة عن معظم الأعمال الرهيبة لم تُفلت من حملات التطهير (تماماً مثل الشرطة الشخصية التابعة لإيفان الرهيب).

تنقّل سيف الدكتاتور على أعناق قادة الجيش أيضاً. خلال بضع سنوات، أُعدم أكثر من 10 آلاف ضابط واعتُقل ثلاثة من كل خمسة حراس، بالإضافة إلى 15 قائداً للجيش. بعدما طُرد تروتكسي من الاتحاد السوفياتي في عام 1929 ثم أقام في المكسيك، قُتل في عام 1940 بضربة فأس على رأسه على يد قاتل سوفياتي.

من التصنيع إلى النصر

ما بدا في البداية وكأنه هستيريا شاملة لرجل مصاب بجنون العظمة كان له هدف معين. تماماً مثل «إيفان الرهيب»، حاول ستالين إنشاء جهاز موالٍ له ضمن طبقة النبلاء. لكن لم يكن حكم ستالين عبارة عن محاولات لإعادة إحياء حكم القياصرة بقدر ما كان يجسد دكتاتورية مستحدثة.

في خطاب أمام مهندسين ومديري مشاريع ومسؤولين في موسكو في فبراير 1931، عبّر ستالين عن جوهر سياسته. أصغى إليه جمهور مؤلف من 700 شخص، كان معظمهم من الشباب والرجال في منتصف العمر، وقد تنقّل الكثيرون منهم في القطارات وعبروا مساحة ثلجية شاسعة من البلد كي يسمعوا بإمعان الخطط التي يجب أن ينفذوها.

قال ستالين إن «روسيا القديمة كانت تنتكس دوماً بسبب رجعيّتها» وبسبب «حكام منغوليا واللوردات الإقطاعيين السويديين والرأسماليين الفرنسيين والإنكليز». كانت خلاصته الأخيرة تعتبر أن البلد يجب أن «يستأصل رجعيته في أقرب وقت ممكن... لقد بقينا متأخرين عن الدول المتقدمة بـ50 إلى 100 سنة. يجب أن نحدّ من الفرق خلال 10 سنوات. إما أن نحقق ذلك وإما أن نُسحَق بالكامل».

بعد عشر سنوات، هاجمت أكثر الآليات العسكرية تقدماً في العالم (الجيش الألماني بقيادة هتلر) الاتحاد السوفياتي. سحقت المركبات المدرّعة الألمانية حقول الذرة وهاجمت قاذفات القنابل الانقضاضية المعامل الصناعية في المدن الروسية.

لكن انتصر الاتحاد السوفياتي رغم ذلك. ذُهل الألمان حين اضطروا إلى مشاهدة «الجيش الأحمر» وهو يقترب من برلين مع 6 آلاف دبابة ويدق ناقوس الموت على مسامع الرايخ الألماني.

أصبحت تلك التطورات ممكنة بفضل التطور الصناعي العملاق الذي حققه ستالين وقد موّله ملايين المزارعين الذين ماتوا من الجوع بسبب مكاسب ستالين الجماعية من الاقتصاد الزراعي. لم يكن إرسال العمّال الذين كانوا يتأخرون دوماً في عملهم داخل المصانع إلى معسكرات العمل الإجباري استثناءً على القاعدة بل القاعدة السائدة بعد عام 1939. «أنتم لا شيء والإمبراطورية السوفياتية كل شيء»: هكذا كان الشعار الضمني لنظام ستالين. بدا أن ذلك المبدأ كان فاعلاً: بعد تحقيق النصر في عام 1945، امتد نطاق النفوذ السوفياتي من المحيط الهادئ إلى خليج لوبيك.

مات وحيداً...

لأجل الإشراف على وضع إمبراطوريته العظيمة، كان موظفو ستالين في سنوات ما بعد الحرب ينقلون له تقارير يومية بالطائرة إلى أحد منازله الصيفية التي كان يحب الانعزال فيها. فكان يراجع الوثائق على مكتب بنيّ صغير بالقرب من سريره.

كان الدكتاتور ينسحب في مناسبات كثيرة لينعزل في بلدة غاغرا الأبخازية على البحر الأسود طوال أسابيع وأشهر، فيما كان البيروقراطيون التابعون له يحكمون موسكو البعيدة ويحترمونه ظاهرياً فقط. فقد كانوا مخادعين وجبناء ومحتالين ولم تتحقق مصالحهم الخاصة لمجرد أن ستالين كان لا يزال على قيد الحياة.

لم يعيّن ستالين خلفاً له. بل إنه تقدم في السن ومات وحيداً في ربيع عام 1953 بعد إصابته بنزيف دماغي في مقره في كونتسيفو خارج موسكو. لكن أشارت أدلة ظهرت في مرحلة لاحقة إلى أنه قد يكون مات مسموماً.

فيما ودّع جزء كبير من الشعب قائدهم العظيم بأسى شديد، كرست نخبة موسكو نفسها للأمور التي تجيدها أكثر من أي شيء آخر: التآمر والنزاع على السلطة. بعد ثلاث سنوات على موت ستالين، بدأ الرأي العام يرفض سياساته. بعد 38 سنة على وفاته، انهار الاتحاد السوفياتي.

الإعجاب الراهن بستالين (بعد 60 عاماً على وفاته) لا يتعلق بالدكتاتور الشيوعي بل بمؤسس الإمبراطورية. يذكر فلاديمير سولوفيوف، صحافي تلفزيوني ليبرالي يعمل في قناة «روسيا» الرسمية، أن أسباب ذلك الإعجاب تكمن في «الحاضر الكارثي».

على ضوء الفساد المستفحل في الحكومة والإدارات واستغلال السلطة والظلم الاجتماعي، يقول سولوفيوف إن عدداً كبيراً من الروس يشعرون بوجود حاجة متزايدة إلى الإشادة بمكانة ستالين. في نهاية المطاف، كانت مقتنيات الدكتاتور الشخصية تنحصر بشكل أساسي بمجموعة من السترات المتشابهة. حتى منازله حيث كان يمضي عطلات نهاية الأسبوع كانت ملكاً للدولة.

back to top