حريم السلطان... القصة الحقيقية (5): انهيار الحلف الثلاثي في الحرملك

نشر في 14-07-2013 | 00:02
آخر تحديث 14-07-2013 | 00:02
اصطدمت مساعي السلطانة خُرَّم في السيطرة على الحرملك، بتحالف قوي قاده الصدر الأعظم إبراهيم باشا، بمساندة السلطانة ماه دوران، فضلا عن السلطانة الأم حفصة خاتون، التي انتصرت لتقاليد الحرملك ودعمت حظوظ الأمير مصطفى بن السلطان سليمان من ماه دوران لأنه الابن الأكبر للسلطان، وهو ما شكل خطورة كبيرة على مشروع السلطانة خُرَّم الساعية لتعيين أحد أبنائها الأربعة في منصب ولاية العهد.
يعد إبراهيم باشا أحد أكبر وأخطر خصوم السلطانة خُرم، الصدر الأعظم والصديق المقرب للسلطان سليمان، المعروف بـ»الباشا الفرنجي»، الذي تزوج من أخت السلطان سليمان، السلطانة خديجة، فحاز من النفوذ قدرا كبيرا حتى عد قرين السلطان سليمان في إدارة الدولة العثمانية، وكان طبيعيا والحال كذلك أن يصطدم نفوذ إبراهيم باشا بنفوذ السلطانة خُرم الساعية إلى تمهيد الطريق أمام أيّ من أبنائها لتولي عرش السلطنة.

 وترجع أصول إبراهيم باشا إلى مدينة بارغا، ومن هنا عرف باسم إبراهيم البرغي، على الساحل اليوناني، وولد إبراهيم لأسرة مسيحية، وكان والده يعمل صيادا للسمك، وأبعد إبراهيم وهو طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره عن أسرته، تطبيقا لنظام الدوشيرمة، الذي كان يأخذ أبناء العائلات المسيحية للخدمة في البلاط العثماني، في حين ترى بعض المصادر التركية أن إبراهيم اختطف من قبل قراصنة، باعوه في سوق النخاسة، حيث نقلته يد القدر إلى الأناضول وتحديدا مدينة «مانيسا»، عندما اشترته أرملة عجوز قامت على تربيته كأنه ولدها، فعلمته الموسيقى والعزف على الكمان وأحضرت له معلمين لتعليمه التركية واللغات اللاتينية واليونانية.

عندما كان إبراهيم باشا يعزف أمام قصر سيدته، مر موكب الأمير سليمان بن السلطان سليم، فقد كان سليمان وقتها والي مدينة مانيسا، أعجب سليمان العاشق للموسيقى والفنون بعزف إبراهيم، فأمر باستدعاء الأخير ودار بينهما الحوار التالي:

سليمان: ما اسمك؟

إبراهيم: إبراهيم يا مولاي.

سليمان: وهل تعرفني؟!

إبراهيم: ومن لا يعرف القمر ابن الشمس، الأمير سليمان بن سلطاننا الأعظم سليم خان.

سليمان: من علمك هذا اللحن الحزين؟

إبراهيم: علمتني إياه سيدتي صاحبة هذا القصر، التي ربتني صغيرا وآوتني ضعيفا فجزاها لله عنا خيرا.

سليمان: لا أراها إلا أحسنت أدبك... وأين أسرتك؟

إبراهيم: في مدينة بعيدة في بلاد اليونان تدعى برغا.

سليمان: إذا أنت إبراهيم البرغي، قل لي يا برغي ألا تشتاق إلى أسرتك؟

إبراهيم: ومن لا يشتاق إلى أهله ووالده وأمه؟

سليمان: ما رأيك في أن تصاحبني في حلي وترحالي وتلازمني ملازمة الظل صاحبه فإنني أراك حسن الخلق جيد العشرة؟

إبراهيم: الأمر أمر مولاي، وما عليّ إلا السمع والطاعة، لكن استأذن مولاي في إخبار سيدتي بالأمر.

سليمان: قد تم الأمر إذن، فإنها إذا علمت رغبتنا لم تملك إلا أن تقدم مصلحتنا على مصلحتها.

 انضم إبراهيم البرغي إلى حاشية الأمير سليمان ولازمه منذ الصبا، وسمحت العلاقة بين الاثنين، لإبراهيم بتلقي تعليمه مع ولي العهد العثماني، ليكتسب مهارات معرفية منها اللغات المتعددة والثقافة الموسوعية، وهي الدراسة التي بدأ فيها منذ خدمته في بيت الأرملة العجوز، ولاحظ القائمون على تربية الأمير سليمان علامات النجابة على إبراهيم فشجعوه على تلقي العلم ليكون خير عون للأمير سليمان عندما يتولى الخلافة.

الصعود

ومع الأيام، توثقت العلاقة بين الأمير وخادمه، لذلك ما إن تولى سليمان السلطنة في عام 1520م، عمل على الارتقاء بصديقه الحميم إبراهيم في مناصب الدولة العثمانية، الذي أثبت كفاءة نادرة في خدمة سليمان القانوني، فعندما أوكل الأخير مهمة إدارة الجناح الخاص بالسلطان «خاص أودة باشي» لإبراهيم باشا، شمر عن ذراع الجد وكشف عن مهارته الإدارية والتنظيمية، بدرجة أثارت إعجاب من حوله وحسدهم أيضا، ومن خلال هذه الوظيفة الحساسة التي تتيح لصاحبها الإشراف الكامل على حاجات السلطان من طعام وشراب، وتحدد من يسمح له مقابلة السلطان، وطد إبراهيم باشا علاقته بالسلطانة الأم حفصة خاتون، التي تعرفه منذ أن كان طفلا في مانيسا، كما أن هذه الوظيفة جعلت إبراهيم باشا على اضطلاع كامل بما يدور في الحرملك من مؤامرات وصراعات بين خُرم وماه دوران.

نجاح إبراهيم باشا السريع في إدارة الجناح السلطاني، وما أظهره من حنكة عسكرية أثناء غزو جزيرة رودس الذي تكلل بفتحها، جعل السلطان سليمان يصدر قرارا استثنائيا بتعيين إبراهيم باشا صدرا أعظم للبلاد، وهو أهم منصب عثماني بعد منصب السلطان مباشرة، وهو منصب مواز لمنصبي نائب الرئيس ورئيس الوزراء معا، وكان إبراهيم باشا في عمر الـ28 عاماً، ما جعله أصغر من تولى منصب الصدر الأعظم، وهو القرار الذي أثار غضب عدد من كبار رجال الدولة الذين رأوا في أنفسهم أحقية بالمنصب من ذلك الشاب الغريب عن الإدارة العثمانية، وتعالت الأصوات بأن إبراهيم لم يمر بالمراحل التي يمر عليها من يريد أن يترقى في جهاز الدولة وهو ما عبر عنه صراحة الوزير أحمد باشا، أحد أبرز المتقدمين لنيل المنصب، فحاول السلطان امتصاص غضبه بتعيينه واليا على مصر، ولكنه لم يتحمل فكرة تخطيه وعدم تعيينه في منصب الصدر الأعظم فأعلن التمرد بعد فترة قصيرة من توليه مهام ولاية مصر، وأمر السلطان سليمان؛ إبراهيم باشا بقمع هذا التمرد بنفسه، ما نجح فيه الأخير، واستغل فترة تواجده في مصر من أجل إقرار الوضع القانوني والإداري لمصر فوضع المنظومة القانونية التي سارت عليها شؤون مصر لمدة ثلاثة قرون ضمن «قانون نامة مصر»، وظل في مصر من 30 سبتمبر 1524 وحتى 5 سبتمبر 1525م، وقلل الضرائب وجمع الشكايات من الشعب واستمع إليهم وقام بعدد من الإصلاحات في مصر من ضمنها ترميم جامع عمرو بن العاص.

برهن إبراهيم باشا بعد فترة قصيرة من توليه منصب الصدر الأعظم على حسن اختيار السلطان سليمان، إذ كشف عن مهارات ديبلوماسية وبراعة عسكرية منقطعة النظير، في قيادة السياسة العثمانية الخارجية فيما يخص الشأن الأوروبي، فألقى السلطان سليمان عليه بالمزيد من المسؤوليات والمهام الصعبة فجمع سلطات استثنائية عديدة، ما جعل من فترة توليه للصدارة العظمى، الفترة الأكثر روعة في العهد الذهبي للدولة العثمانية.

 وشارك إبراهيم باشا بآرائه السديدة في العديد من القرارات المصيرية للدولة، منها وضعه الخطة العسكرية لمعركة «موهاكس» التاريخية، التي اكتسح فيها الجيش العثماني الجيش المجري في ساعة ونصف الساعة فقط، وفتحت بعدها عاصمة المجر بودابست أبوابها أمام السلطان سليمان، وفيما يوصف السلطان سليمان بأنه أكبر فاتح في التاريخ الإسلامي كله، فإن الحقيقة التاريخية تثبت لإبراهيم الفضل في فتح نصف المدن والقلاع التي افتتحها القانوني، كما لعب إبراهيم باشا دورا أساسيا في علاقة الدولة العثمانية بالدول الأوروبية، ويكفيه إقناعه شارل الخامس بالاعتراف رسميا بسيادة الدولة العثمانية على المجر.

نفوذ إبراهيم المتصاعد كانت تراقبه عيون حذرة في الحرملك، فالسلطانة خُرم، التي تزامن تصاعد نفوذها مع تعاظم سلطة إبراهيم باشا، لم تكن على وفاق مع الصدر الأعظم الذي تحالف مباشرة مع السلطانة الأم حفصة خاتون والسلطانة ماه دوران لتأمين الطريق أمام الأمير مصطفى للوصول إلى العرش العثماني وفقا للقواعد العثمانية لولاية العهد، وهو ما لم تتقبله خُرم ورأت في هذا التحالف خطرا يتهددها بالفناء هي وأولادها، لذلك عملت على تفتيت هذا التحالف ووضعت نصب أعينها التخلص من إبراهيم باشا الذي بادلها العداء، بعد أن تيقن من عشق السلطان سليمان لها، فخشى أن تدفع القانوني للتخلص منه.

ذروة المجد

على عكس ما تشتهي السلطانة خُرَّم، كسب إبراهيم باشا أرضا جديدا عندما تزوج من أخت السلطان سليمان؛ السلطانة خديجة، وهو الزواج الذي باركته السلطانة الأم حفصة خاتون، لما فيه من دعم سلطة ابنها السلطان سليمان، شاهدت السلطانة خُرَّم بعيون تشع حسرة حفل الزواج الإسطوري الذي لم تشهد اسطنبول مثيلا له من قبل واستمر لأكثر من أسبوعين، ولم ترض خُرَّم عن تخصيص السلطان سليمان قصرا منيفا للزوجين السعيدين، وكانت التعاسة تصيبها عندما يروي السلطان سليمان عليها، ما يبديه إبراهيم باشا من فنون الأدب مع زوجته السلطانة، فحينما يدخل على خديجة كان ينحني ويقبل طرف ثوبها، وكان لا يناديها إلا «سلطانتي» أو «السلطانة»، وهو ما كان يثير إعجاب السلطان سليمان بإبراهيم لحسن رعايته لأخته.

تعضدت سلطة إبراهيم باشا بعد زواجه من السلطانة خديجة، ووصل إلى قمة نفوذه بعد أن حصل على لقب «داماد»، وأصبح الذراع اليمنى للسلطان في جميع أمور الحكم، فشارك في الحملات التي خرج على رأسها السلطان، كما خرج على رأس رحلات فضل السلطان سليمان عدم الخروج فيها، فضلا عن أن السلطان أوكل مرات عديدة لإبراهيم باشا مهمة إدارة جلسات الديوان، في سابقة أولى في تاريخ الدولة العثمانية، حيث كان المعتاد أن السلطان يحضر جلسات الديوان لإدارة الدولة بلا انقطاع.

سقوط النجم

 إلا أن ارتفاع الطير فوق السحاب يعقبه السقوط المدوي، فإبراهيم باشا الذي عرف بالفرنجي والتركي والبرغي وداماد باشا، كان عليه بعد أن عرف بـ»مقبول إبراهيم باشا» أن يحصل على لقب «مقتول باشا»، بعد أن تجمعت نذر الأزمة لتعكر سماء إبراهيم باشا، فقد كان للصراع بينه وبين السلطانة خُرَّم على أحقية من يلي عرش السلطنة بعد السلطان سليمان، سبب في أن يقترب من نهايته، ففيما انحاز إبراهيم باشا إلى صف السلطانة الأم حفصة والسلطانة ماه دوران لتعيين الأمير مصطفى، في مقابل السلطانة خرم التي أرادت أن تحتفظ بولاية العرش لأحد أولادها الأمراء محمد وسليم وبايزيد، فقادت السلطانة مجموعة من المكائد والدسائس ضد هذا التحالف، ووفقاً للروايات، فإن السلطانة خرم سعت لتقويض ثقة السلطان سليمان بإبراهيم باشا، من خلال اللعب على وتر عظمة السلطان ومشاركة إبراهيم باشا له في هذه العظمة والملك، خاصة أن مسؤولي البندقية أطلقوا لقب «إبراهيم العظيم» على الصدر الأعظم في تناغم مع إطلاقهم لقب العظيم على السلطان سليمان، وأشارت خُرَّم إلى مقاسمة إبراهيم باشا السلطان حب الرعية والجند له، وحذرته من أن يشكل هذا خطرا حياته أو على الدولة.

ولا نعرف يقينا ما كانت تقوله خُرَّم للسلطان سليمان فيما يخص إبراهيم باشا، إلا أن رسالة كتبتها خُرَّم للسلطان سليمان في إحدى غزواته، توضح حجم الأزمة مع إبراهيم باشا إذ تقول: «تسألني عن السبب في غضبي على إبراهيم باشا، حين يجمعنا الله ثانية سأذكر لك السبب، وستفهمني»، وهو ما يفتح الباب أمام التكهنات عن دور السلطانة خُرَّم في التخلص من إبراهيم باشا.

ودعم موقف خُرَّم وفاة السلطانة الأم حفصة خاتون سنة 1534م، ففقد التحالف الثلاثي ضد خُرَّم تماسكه، فحفصة خاتون لعبت دورا لا ينكر في تحجيم نفوذ خُرَّم داخل الحرملك وأخذت صف ماه دوران أكثر من مرة، كما وفرت الحماية لزوج ابنها إبراهيم باشا ودافعت عنه بحرارة أمام السلطان سليمان، وحين توفيت أصبح الطريق خاليا أمام خُرَّم ليتعاظم نفوذها داخل الحرملك وتمارس صلاحيات واسعة، وتوغر صدر السلطان على صديقه الوفي.

ارتكب إبراهيم باشا عدة أخطاء قربته من النهاية مبكرا، على رأسها زواجه في السر من إحدى خادمات القصر السلطاني تدعى محسنة، وهو ما انكشف، لتسوء علاقة إبراهيم باشا بزوجه السلطانة خديجة، فيما استشاط السلطان سليمان غضبا واعتبر الزواج خيانة له، فكان أحد الأسباب القوية لإصدار أمر الإعدام في حق إبراهيم.

لكن مكائد خُرَّم وزواج إبراهيم الثاني لم تكن إلا ذرائع تعلق بها السلطان سليمان القانوني، الذي استشعر القلق من مطامع صديقه في الحكم في ظل نفوذه المتصاعد بين صفوف الجيش، ففي آخر نشاط عسكري له في حروبه ضد إيران، كان إبراهيم باشا القائد العام لكل الجيوش العثمانية، وارتكب خطأ كبيرا عندما وقع بعض الأوامر العسكرية باسم «سر عسكر سلطان»، وهو لقب يختص به السلطان العثماني، وهو ما جعل سليمان يشعر بأن وزيره الأول بدأ يتجاوز المقام السلطاني، ويسعى لما هو وراء منصبه، ودارت الأفكار السوداء بذهن سليمان بأن إبراهيم يخطط لانقلاب يطيح بسليمان من عرشه وتعيين مصطفى الأمير الصغير ليتحكم إبراهيم في كل أمور الدولة وربما يطيح بعد أن يتمكن من مفاتيح البلاد بالأمير مصطفى ويتولى هو السلطنة.

مثل هذه الأفكار التي دارت في ذهن السلطان سليمان، وغذتها خُرَّم بحديثها المستمر عن استفحال نفوذ إبراهيم، دعمه الأخير بدون قصد من خلال إساءة استخدام نفوذه في مرات معدودات كانت كفيلة بتثبيت الصورة المتخيلة في ذهن سليمان، من خلال إصدار عدد من القرارات دون الرجوع إلى السلطان، واستخدام صلاحياته أثناء قيادته جيوش الدولة العثمانية في العراق بإعدام مسؤول الخزانة إسكندر جلبي، دون الرجوع إلى السلطان.

 كذلك تصاعدت حدة الانتقادات التي وجهتها العامة إلى شخص الباشا فيما يتعلق بحقيقة عقيدته، وعزز هذه الاتهامات ما قام به إبراهيم أثناء عودته من حملة المجر الظافرة سنة 1526م، من جلب ثلاثة تماثيل لشخصيات الآلهة الرومانية: أبولو وهرقل وديانا، كانت في العاصمة المجرية «بودا»، وقام بنصبها في باحة قصره في أكبر مدينة إسلامية، وهو ما جعل بعض الرعية تتحدث صراحة عن الأصول المسيحية لإبراهيم باشا، ورددت العامة في اسطنبول بيت شعر منسوب إلى الشاعر فيجاني، وترجمته:

في هذا العالم ظهر إبراهيمان الأول هدم الأوثان والثاني نصبها

ورغم تعدد الخصوم وكثرة الوشايات فإن الحقيقة تبقى ما سجله الشاعر الفرنسي الكبير عندما قال: «نهاية حياة إبراهيم باشا لم تكن لأي سبب ولا جريمة سوى عظمته»، فكما تصعد النجوم إلى قمة السماء لابد أن تأتي لحظة ينطفئ فيها النور ويسقط النجم من قمته، وهو ما حدث مع إبراهيم باشا، فعندما قرر السلطان سليمان إعدام إبراهيم، حصل على فتوى من شيخ الإسلام المفتي أبوالسعود أفندي تجيز له بناء مسجد مقابل الحنث بقسمه بعدم تعريض إبراهيم باشا للقتل، بعد أن توسل الأخير للسلطان بألا يغدق عليه بالمناصب التي تثير حاسديه، مطالبا السلطان بألا يسمع وشايتهم فيه، وهو ما قابله السلطان بأن أقسم بألا يقتل صديقه.

 وبعد عودة الجيوش العثمانية إلى القسطنطينية، بعد أن حققت انتصارات عدة على الدولة الصفوية في إيران، أمر السلطان بإعدام صديق الطفولة وصدره الأعظم وزوج أخته، إبراهيم باشا، الذي عُثر عليه ليلة 22 رمضان سنة 942هـ، الموافقة لـ5 مارس سنة 1536م، مخنوقا في غرفة نومه، بعد 13 عاماً من تعيينه صدراً عثمانياً أعظم.

 مقتل إبراهيم باشا واختفاؤه من المشهد السياسي العثماني كان له تأثيره الكبير على صراع «الحرملك»، فقد استقبلت السلطانة خرم خبر وفاة إبراهيم باشا بسعادة بالغة كونه كان أحد المعارضين لتقديم ابنها الأمير محمد ولاية العهد، في المقابل رأت السلطانة ماه دوران في مقتل إبراهيم باشا بعد رحيل السلطانة الأم السلطانة حفصة، خطرا بالغا على نفوذها داخل الحرملك وتهديدا صريحا لحظوظ ابنها الأمير مصطفى للوصول إلى سدة الحكم، وفي الواقع كانت المواجهة بين السلطانتين على وشك أن تشهد أعنف أطوارها.

 زوجات السلطان

تسمى الواحدة من زوجات السلطان العثماني «قادين»، وهي أعلى درجة من درجات نساء السلطان، وكان لقبها الرسمي «خاصكي سلطان»، ثم أصبح منذ القرن الثامن عشر «قادين أفندي»، وخضع حرملك السلطان العثماني إلى تنظيم دقيق يرتبط بمكانة زوجات السلطان وعلاقتهن به، وإنجابهن لأبناء ذكور للسلطان.

فكانت أهم زوجات السلطان تلك التي تنجب له أولادا ذكورا فتحصل على لقب «باش قادين»، وإذا كانت السلطانة الأم والدة السلطان العثماني قد توفيت، تحصل الباش قادين على المرتبة الأولى داخل الحرملك كونها أم ولي العهد.

تلي الباش قادين في المرتبة الزوجة الثانية «إيكنجي قادين»، ثم الثالثة «أوجنجي قادين»، وعادة ما كانت زوجات السلطان العثماني من الجواري، أو أن تهب إحدى الأسرات العثمانية الكبيرة بناتها لقصر الباب العالي لتنضم مباشرة لجواري السلطان بغرض الزواج لا الخدمة في القصر، وقد اقتصر السلاطين العثمانيون على الزواج من الجواري منذ عهد السلطان سليمان القانوني حتى نهاية الدولة العثمانية باستثناء وحيد للسلطان عثمان الثاني (حكم 1618- 1623م).

وكانت المهمة التي توكل بزوجة السلطان هي تربية أبنائها من العاهل العثماني في سن الطفولة، حتى قرب سن البلوغ عندما ينقل الأبناء إلى أجنحة خاصة، ويتولى تربيتهم الصدر الأعظم وشيخ الإسلام بإشراف كامل من السلطان العثماني، فيما تترك بنات السلطان مع امهاتهن اللاتي يترك لهن السلطان مهمة الإشراف على تربية بناته وإعدادهن لتمثيل السلالة العثمانية.

back to top