غرفة التجارة: صندوق الأسرة إفراط من السلطتين التشريعية والتنفيذية في تلبية الرغبات الاستهلاكية الآنية والمسرفة

نشر في 19-03-2013 | 00:01
آخر تحديث 19-03-2013 | 00:01
No Image Caption
• معالجة غير سديدة لمشكلة غير موجودة
• منذ بداية «قضية القروض» لم نرها إلا بدعة غير مسبوقة
أكدت غرفة التجارة أن الكويت لا تملك فوائض تزيد على احتياجاتها لتبددها في انفاق عقيم بل تمر المالية العامة للدولة بمرحلة سيولة ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط.
أكد بيان صادر من غرفة تجارة وصناعة الكويت أنه منذ منتصف عام 2006 ومقترح إسقاط القروض بأشكاله المختلفة وتعديلاته المستمرة، يستقطب اهتمام الساحتين السياسية والاقتصادية في دولة الكويت، ويلعب دوراً واضحاً في رسم خارطة مواقف وتحالفات التيارات السياسية من جهة، وفي تشكيل وتوقيت حركات المد والجزر لتعاون الحكومة ومجلس الأمة من جهة أخرى، في إطار سياق خطير لكسب الشارع الانتخابي على حساب العدل والتنمية والمال العام، وها نحن اليوم أمام صيغة جديدة لهذا المقترح تحت اسم «صندوق الأسرة»، الذي تؤكد مؤشرات كثيرة على توافق بشأنه بين الحكومة واللجنة المالية والاقتصادية في مجلس الأمة.

إسقاط القروض

وقال البيان: منذ إلقاء حجر إسقاط القروض في البئر، لم تر فيه غرفة تجارة وصناعة الكويت إلا بدعة غير مسبوقة، تندرج في سياق نهج الهدر الإنفاقي الذي أفرطت السلطتان التشريعية والتنفيذية في تطبيقاته لتلبية الرغبات الاستهلاكية الانية والمسرفة، على حساب الاحتياجات التنموية والأجيال القادمة، وهو النهج الذي اهتمت الغرفة بترشيده من عام 1985، واصدرت في السنوات الاخيرة مذكرات اربع تفنيدا لحقائقه وتوضيحا لمخاطره، وذلك في ديسمبر 2006، ويونيو 2008، ويناير 2010، وسبتمبر 2011.

ولعل من المفيد أن نعرض بإيجاز شديد اهم التقاط التي اكدتها الغرفة في مذكراتها وهي:

1 - لا تملك الكويت فوائض تزيد على احتياجاتها لتبددها في انفاق عقيم بل تمر المالية العامة للدولة بمرحلة سيولة ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط من جهة، وعن ضعف شديد في معدلات الاستثمار التنموي من جهة أخرى، وبتعبير اخر تحصل الكويت على عوائد نفطية تزيد على حجم انفاقها الجاري الذي وصل الى حدود 75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتعجز عن كفاية حاجتها الحقيقية للانفاق الاستثماري الذي لا يتجاوز 9 في المئة من الناتج المذكور.

2 - في واقع الأمر لا تعاني الكويت قروضا استهلاكية متعثرة، فعدد المواطنين الكويتيين الحاصلين على قروض استهلاكية ومقسطة من البنوك وشركات الاستثمار حتى 1/4/2008، والذين مازالت قروضهم قائمة حتى نهاية عام 2012 لا يتجاوز 67 ألف مواطن، لو ما يعادل 5.6 في المئة فقط من إجمالي عدد المواطنين، ويؤكد بنك الكويت المركزي أن القروض الاستهلاكية والمقسطة تتسم بدرجة عالية من الانتظام، ولا تتجاوز نسبة حالات التعثر في السداد المتخذ بشأنها إجراءات قانونية 1.8 في المئة من إجمالي عدد القروض المعينة ونحو 1.2 في المئة من إجمالي حجم هذه القروض (حوالي 6.5 مليارات د.ك في 30/11/2012).

3 - تنطلق المقترحات المختلفة لإسقاط القروض، بما فيها نسختها الأخيرة «صندوق الأسرة»، من اعتبارات سياسية بحتة، تغفل تماما الأبعاد والانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية والدستورية والمتمثلة بغياب العدالة والمساواة بيتن الفترتين وغيرهما، وبين المقترضين انفسهم، فضلا عن تكريس ثقافة الاتكالية والتهاون وعدم الالتزام، والاستمرار في النهج السياسي والمالي الذي ساهم في حد بعيد في تعميق الاختلالات الهيكلية بالاقتصاد الكويتي، ولهذا كله فإن مقترحات اسقاط القروض لم تطرح في أية دولة نامية أو متقدمة بل بقيت بدعة لم تقدم عليها إلا الكويت.

4 - تعتمد الغرفة أن السبب الأهم وراء الاقتراحات المختلفة لاستخدام السيولة المالية الحالية في تمويل انفاق من هذا القبيل هو غياب الاستراتيجية الاستثمارية التنموية لاستخدام هذه السيولة، وهذا الغياب المقترن بإخفاق متكرر من تنفيذ خطط التنمية وترك الباب مفتوحا امام الاستغلال السياسي لهذه السيولة المرحلية، كما سمح بتناقض واضح بين السياسات المالية والنقدية والاقتصادية.

صندوق الانتخابات

إننا في غرفة تجارة وصناعة الكويت نعرف يقينا ومسبقا ان بياننا هذا لن يكون له أثر فاعل في مواقف من يملكون اليوم وضع واقرار النسخة الجديدة من مقترح اسقاط القروض، إذ لا يوجد لحوارنا معهم لغة مشتركة، ومن المتعذر أن نصل الى وجهة نظر تتطابق فيها الحسابات المعلنة للمصلحة الراهنة والمستقبلية مع الحسابات غير الخافية للسياسيين وتطلعاتهم الى صندوق الانتخابات، ومكافأة المواقف وبسداد الاستحقاقات، ودليلنا على ذلك ان كل ما ذكرناه عن ابعاد وانعكاسات مقترحات إسقاط القروض يتفق الى حد بعيد مع دراسات ومذكرات وبيانات أعلنتها جهات وشخصيات رسمية واهلية متخصصة، في طليعتها على سبيل المثال لا الحصر خطة التنمية وبرامج الحكومة ذاتها، بنك الكويت المركزي، البنك الدولي، المستشارون الاقتصاديون لمجلس الأمة والحكومة، تقرير بلير، وتقرير ماكنزي وهيئات وجمعيات المجتمع المدني ذات الصلة، وتوصيات عشرات المؤتمرات والندوات المتخصصة، ومع ذلك اقتضت المصالح السياسية التغافل عن آراء كل هذه الجهات.

وأكد البيان: بل نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فنزعم أن «صندوق الأسرة» المقترح يسير في الاتجاه المعاكس للمبادرة السامية التي أطلقها صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد، حين شكل «اللجنة الاستشارية لبحث التطورات الاقتصادية»، ووجهها -يوم افتتح اعمالها في سبتمبر 2011، نحو أهداف ثلاثة: الاستغلال الأمثل للفوائض المالية، ومعالجة مظاهر الهدر الاستهلاكي غير المسؤول، والافراد في الإنفاق الجاري غير المنتج، وتهيئة المناخ المناسب لكي ينهض القطاع الخاص بمسؤولياته التنموية، وهي توجيهات انعكست فعلا بكل قوة وصراحة في تقرير اللجنة المذكورة وتوصياتها.

ما تهدف إليه الغرفة من بيانها هذا، هو التذكير بما سبق أن أوضحته -مع جهات وشخصيات كثيرة ومتخصصة- حول حقيقة ما يسمى «بالفوائض المالية»، ووقع ما يسمى بـ«القروض الاستهلاكية المتعثرة».

وأشار البيان: ما تهدف اليه الغرفة من بيانها هذا، هو التذكير بما لم تترك مناسبة -منذ عام 1985 حتى الآن- دون الدعوة اليه «ليكي تبقى تكاليف الرفاه الاجتماعي في إطار قدرة الدولة ومواردها، وفي حدود حاجة المواطنين ومعاييرها، ولكي يبقى دعم المال العام لمستحقيه دون غيرهم، ولكي لا يؤدي التوسع في مفهوم الرفاه الاجتماعي وفي تكاليف الدعم الحكومي الى مزيد من الخلل الاقتصادي والتواكل الاجتماعي، والى تكرار الاعتداء على المال العام وعلى مستقبل الاجيال القادمة».

وما تهدف إليه الغرفة من بيانها هذا، هو الإعراب عن اعتقادها أن ترجع الحكومة عن موقفها الرافض لإسقاط القروض أو فوائدها وموافقتها على اقرار صندوق الأسرة ان يضع حدا للهدر السياسي للمال العام، ولن يغلق الباب أمام مثل هذه المطالبات بل ان العكس هو الصحيح على الأرجح، فالاستجابة لطلب إسقاط القروض أو فوائدها سيفتح أبوابا مماثلة جديدة وعديدة، ولعل في سلسلة البدلات والاستثناءات والكوادر ما يقدم لنا مثالا ودرسا.

رياح التغيير

وما تهدف إليه الغرفة من بيانها هذا، أخيرا، هو التنبيه مرة أخرى إلى أن الكويت دولة يتطلب استقرارها الاقتصادي توسيع قاعدتها الانتاجية وتخفيض درجة انكشافها الخطير، ويتطلب استقرارها الاجتماعي توفير ما لا يقل عن عشرين ألف فرصة عمل حقيقي سنويا وعلى مدى العقدين القادمين على الأقل. وبالتالي، فإن إهدار فرصة السيولة المالية الحالية سيؤدي حتماً إلى نقص خطير في مناعة الكويت الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

وإذا كنا لسنا بحاجة إلى التذكير بنتائج عدم استقرار أسعار النفط، فإن من واجبنا التنبيه إلى أننا نعيش عصر انفجار علمي يحمل كل يوم تقنيات واكتشافات جديدة. وان من واجبنا التحذير بأننا نعيش في قلب منطقة تتناب الأجواء لديها رياح التغيير ويتفاعل تحت رمالها وميض نذير.

back to top