في المأزق النووي... الولايات المتحدة دولة مارقة!

نشر في 14-04-2013 | 00:01
آخر تحديث 14-04-2013 | 00:01
No Image Caption
تبدو طريقة إدارة العلاقات الدولية مليئة بالنفاق، ولا يقتصر هذا النفاق على واقع أن دولاً تملك مئات الأسلحة النووية تسيء معاملة دول تقتني عدداً قليلاً منها أو لم تطورها بعد، بل هو أسوأ من ذلك بأشواط.
 Jonathan Steele من قبيل المصادفة، نلاحظ أن صراعين نوويين يتصدران معاً عناوين الأخبار وأهم الأحداث على الساحة العالمية؛ فقد فرضت حكومات أجنبية عقوبات على كوريا الشمالية وإيران كلتيهما. وعندما رفضت هاتان الدولتان "تصحيح سلوكهما"، تعرضتا "للعزلة" ووضعتا في الزاوية إلى أن تصبحا مستعدتين للاعتذار وتبديل موقفهما. ولكن إن لم تعودا عن خطئهما، فستصبحان عرضة لعقاب جسدي، بما أن القوى الكبرى منحتاهما إنذارات كافية، مشددةً على أن "كل الخيارات مطروحة على الطاولة".

لا شك في أن هذه طريقة غريبة لإدارة العلاقات الدولية، طريقة ما زلنا نتبعها وإن أدت إلى حتفنا. أولاً، تبدو هذه الطريقة مليئة بالنفاق. ولا يقتصر هذا النفاق على واقع أن دولاً تملك مئات الأسلحة النووية تسيء معاملة دول تقتني عدداً قليلاً منها أو لم تطورها بعد، بل هو أسوأ من ذلك بأشواط. فإن اتسم سلوك كوريا الشمالية بالعدائية لأنها تحدثت عن تنفيذ ضربة نووية ضد الولايات المتحدة (تهديد فارغ لأن هذا البلد لا يملك نظاماً يتيح له استخدام الأسلحة النووية القليلة التي يملكها)، فكيف يكون تصرف الولايات المتحدة أقل عدائية عندما تحذر إيران من أنها ستشن هجوماً ضدها إن لم توقف برنامجها النووي؟

ستلجأ هاتان الدولتان إلى القوة في حين أن الحوار لم يُستنفد بعد، فضلًا عن أنهم ستخالفان بذلك القانون الدولي. يبدو هذا الانتهاك جلياً في حال تمكنت كوريا الشمالية من شن هجوم نووي ضد كوريا الجنوبية أو الولايات المتحدة. لكن الأمر عينه ينطبق أيضاً على الهجوم الممكن والمحتمل الذي قد تنفذه الولايات المتحدة ضد إيران. ما من سيناريو مقبول يمكن لمجلس الأمن في ظله أن يسمح للولايات المتحدة، أو حتى إسرائيل، بتنفيذ أي عمل عسكري ضد إيران، حتى لو كانت طهران تنوي التخلي عن موقفها السابق، الذي أكدته بقولها إن تطوير القنبلة عمل غير إسلامي، والسعي لبناء سلاح نووي. إذًا، لمَ تواصل واشنطن تهديداتها غير القانونية؟

لا شك في أن السبب الكامن وراء معظم هذا التوتر الدولي هو عدم استعداد الدول النافذة للإقرار بأننا نعيش في عالم متعدد الأقطاب. فما عادت فكرة الهيمنة، التي تسمى غالباً "القيادة" لتلطيفها، مقبولة. في عهد ما بعد الاستعمار هذا، يضم العالم اليوم عدداً من مراكز السلطة والنفوذ الدولي والقوة الناعمة. ويجب أن نفرح عندما تتحلى دول قديمة أو جديدة، معاً أو بمفردها، بالجرأة والقدرة لتتحدى طموح دولة أخرى ترغب في أن تصبح قوة عظمى. ستجد الدول دومًا قضية مشتركة توحدها أو ستشكل "تحالفات الراغبين" لتواجه مسائل محددة، لكن المصالح تتبدل والأولويات تتغير. لذلك من الضروري أن نتخلص من نظام التحالفات العسكرية والمعسكرات العقائدية والطائفية الشبيهة بما ساد خلال الحرب الباردة.

لنذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ونتخلَّ عن وهم "المجتمع الدولي"، على الأقل بمفهومه الغربي الحالي بصفته "الولايات المتحدة وأصدقاءها". في الإطار ذاته، لنصحح نظرتنا إلى العزلة. فعندما سافر قادة 120 أمة إلى طهران للتصديق على رئاسة إيران لحركة دول عدم الانحياز في شهر أغسطس الماضي، بدا مضحكاً أن يواصل المسؤولون الأميركيون كلامهم عن أن إيران "دولة مارقة".

تعتبر واشنطن ولندن أن على المجتمع الدولي أن يسلح المعارضة في حربها ضد الرئيس السوري بشار الأسد. لكن أكبر ديمقراطية في العالم، الهند، والدولتَين الأكثر ديمقراطية في إفريقيا وأميركا اللاتينية، جنوب إفريقيا والبرازيل، لا تشاطرهما هذه النظرة. فعندما اجتمع قادتها مع قادة روسيا والصين في دوربن الشهر الماضي في إطار اجتماعات قمة مجموعة "بريكس" BRICs، أعلنوا: "نعيد تأكيد معارضتنا لأي أعمال تسليح إضافية لهذا الصراع". كذلك دعوا إلى تسوية سياسية.

لم تنل قمة "البريكس" وقمة دول عدم الانحياز تغطية كافية في الصحف الأميركية، سواء في صفحاتها الإخبارية أو التحليلية. ويشكل هذا جزءاً من آلية تقليدية لكبت الحقيقة يعتمدها صناع الآراء والسياسات الأميركيون. يعتبر رامي خوري، الكاتب اللبناني المتميز الذي تلقى التدريب في الولايات المتحدة، أن هذه التقنية "عملاً إجرامياً محترفاً". فبعد أن أمضى أخيراً شهراً في الولايات المتحدة، لاحظ أن تغطية القضية الإيرانية تستند إلى "افتراضات، ومخاوف، وقلق، واتهامات، وتوقعات قلّما تكون مدعومة بأدلة حقيقية عالية المصداقية". وبما أن تشويه الحقائق هذا يحشد الدعم العام لهجوم عسكري على إيران، يعتبر خوري أن هذه التقنية اليوم مذنبة بقدر ما كانت وسائل الإعلام خلال المرحلة التي سبقت الغزو الأميركي للعراق قبل عقد تقريباً.

لا تبدو أزمتا كوريا الشمالية وإيران المزعومتان خطيرتين كفاية لتستأهلا حتى كلمات التحذير وطرق العقاب العادية. ولا شك في أن الحوار واحترام مواقف الآخرين مسار أفضل. فمن الضروري مناقشة كل الأمور دفعة واحدة بدل التلويح بالحوافز الواحد تلو الآخر.

تكمن المفارقة في أن إيران هي مَن اقترح في محادثات أخيرة مع أعضاء من مجلس الأمن خارطة طريق هدفها واضح: الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم كأي دولة أخرى وقعت على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. بكلمات أخرى، ترتكز المسألة الإيرانية أساساً على الكرامة والسيادة الوطنيتين. إلا أن الولايات المتحدة رفضت أن تتعهد برفع كل العقوبات عن إيران مهما فعلت هذه الأخيرة.

في المسألة الكورية، تُعتبر المقاربة الأفضل شاملةً أيضاً. فمن الضروري السعي للتوصل إلى معاهدة سلام شاملة، وهذه خطوة مهمة أخفقت الأطراف المعنية عن تحقيقها عندما انتهت الحرب قبل 60 سنة. على غرار إيران، تريد كوريا الشمالية معاهدة كدلالة على أن الولايات المتحدة تعترف بها كدولة شرعية. وجرى التوافق على خطوات أساسية تمهد لمعاهدة عام 2007 لتليها خطوات إيجابية عدة. إلا أنها انهارت كلها عندما عاد منطق الشك والعقوبات إلى الحياة تحت تأثير ضغوط السياسات الانتخابية في سيول وواشنطن ووصول قائد جديد يفتقر إلى الخبرة في بيونغ يانغ. لكن الأوان لم يفت بعد للتخلي عن استخدام لغة "الدول المارقة" التي تتوارى خلف ذلك الكيان الواهن الذي يطلق عليه "المجتمع الدولي"... ولنسع إلى المحاولة مجدداً.

back to top