تقرير اقتصادي : إبداع تعليمي في دول عديمة الموارد... إنه الاستثمار في الإنسان

نشر في 27-12-2012 | 00:02
آخر تحديث 27-12-2012 | 00:02
No Image Caption
• سنغافورة وهونغ كونغ وتايوان... والكويت أسوأ من بوتسوانا وهندوراس!
• تكلفة الطالب الكويتي في التعليم العام ضعف نظيره في الخاص... فماذا عن المخرجات؟!

رغم الميزانية الضخمة التي تنفقها الكويت على التعليم مدعومة بإيرادات نفط متنامية وفوائض مالية متراكمة، فإن سوء الإدارة في التعليم الحكومي ماثل للعيان ولا يحتاج حتى إلى دراسات لإثبات وجوده.
حقق طلاب من ثلاث دول آسيوية شبه معدومة الموارد الطبيعية، كالنفط أو الغاز، مراتب الصدارة عالمياً من حيث مستوى ذكاء الأطفال.

وحسب المركز الأميركي لإحصاءات التعليم المنشور قبل أسبوعين فإن سنغافورة وهونغ كونغ وتايوان تربعت، على التوالي، على رأس قائمة الدول الأفضل في مستوى ذكاء الأطفال في تخصصات العلوم والرياضيات والقراءة والكتابة، متجاوزة دولاً عريقة في مجال التعليم كالولايات المتحدة وإنكلترا وعدداً من الدول الاسكندنافية، وبالطبع خلت قائمة الصدارة المعلنة لأفضل 10 دول من أي دولة عربية.

ولم يعلن المركز الأميركي معلومات أكثر من ذكره الدول العشر، والتي شملت أيضاً، في الترتيب من الرابع الى العاشر، كلاً من فلندا وروسيا والولايات المتحدة وايرلندا الشمالية وإنكلترا والدنمارك وهولندا، إلا أن نتائج الاختبارات الدولية لقياس مستوى ذكاء الطلاب عالميا (تيمز وبيرلز) اظهرت ان الكويت احتلت مراكز متدنية جداً عالمياً، إذ حلت في الترتيب الـ48 عالميا من أصل 50 دولة مشاركة في اختبار "تيمز" لمادة الرياضيات متفوقة فقط على المغرب واليمن، كما حلت في المرتبة الـ46 في القراءة من أصل 49 دولة مشاركة، مع العلم أن دولتي بوتسوانا وهندوراس اللتين تصنفان من افقر دول العالم حققتا مراتب اعلى من الكويت!

الأسوأ عالمياً

وحسب الاختبار، جاء أسوأ أداء في القراءة في المغرب وسلطنة عمان وقطر، وكان اليمن والمغرب والكويت الأسوأ في الرياضيات بينما احتل اليمن والمغرب وتونس المراكز الأخيرة في العلوم.

ورغم الميزانية الضخمة التي تنفقها الكويت على التعليم، مدعومة بإيرادات نفط متنامية وفوائض مالية متراكمة، فإن سوء الإدارة في التعليم الحكومي ماثل للعيان ولا يحتاج حتى إلى دراسات لإثبات وجوده، فما أنفق على التعليم العام بالكويت هذا العام (بخلاف التعليم العالي) وصل إلى 1.7 مليار دينار، بما يناهز 7.7 % من اجمالي الميزانية العامة للدولة، بل ان كلفة الطالب في التعليم الحكومي تعادل ضعف كلفة نظيره في التعليم الخاص، اذ يكلف الطالب لدى الحكومة 3682 ديناراً سنويا، بينما يكلف الطالب في التعليم الخاص ذويه نحو 1800 دينار.

استثمار في الفرد

وبالمقارنة بين التعليم وبناء الإنسان يتضح لنا حجم الخلل في المناهج وطرق التدريس وإدارة التعليم وفلسفته، فدول عديمة الموارد كسنغافورة واليابان في مقدمة دول العالم، لأنها استثمرت الأموال في الفرد بشكل علمي ومدروس، وفي حين نجد الكويت تنفق 8.6% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة على التعليم، نرى سنغافورة تنفق 3.2% فقط من ناتجها الإجمالي، كما تنفق اليابان 4% وأميركا 5%، وإسرائيل 7%، وكوريا الجنوبية 7.1%، وفي فرنسا 6.1%، وبريطانيا 5.9%، وألمانيا 5.3%.

ورغم الإنفاق القوي على التعليم في الكويت، فإن الرواتب والأجور تلْتهم 65 إلى 75 % من ميزانية وزارة التربية، وتخصص النسبة الباقية للاحتياجات التعليمية الأخرى مثل الأجهزة والسلع والصيانة والخدمات وغيرها، اي ان الإنفاق على تطوير المعلم وتقييم المناهج والبحوث، وهذا الأصل في تطوير التعليم، لا يحظى إلا بالفتات، وهنا يبرز جانب مهم من الخلل في توظيف الأموال في جوانب استهلاكية لا ترتبط بأصل التعليم والغرض منه.

تغيير وتطوير

وتشير الدراسات المرتبطة بالاختبارات الدولية لقياس مستوى ذكاء الطلاب (تيمز وبيرلز) الى ان الدول الشرق الآسيوية حققت قفزات نوعية في التعليم خلال 10 سنوات ماضية، بسبب وجود التزام مجتمعي قوي بتطوير التعليم الابتدائي رغم أن بعض هذه الدول لم يكن لديها اصلا نظم تعليم واضحة في بداية الثمانينيات، إلا انها استطاعت ان تحقق معجزة عندما نجحت في تغيير فلسفة التعليم من التلقين الى نظام تعليمي متطور يرتبط بسوق عمل حر ويحرض على الابداع وكسر المألوف.

الحديث عن الموارد الطبيعية وارتباطها بالتعليم والاقتصاديات المتقدمة يبين ان التطور والابداع لا يرتبطان فقط بالاموال بل بجودة الادارة، فهذه الدول المتصدرة للائحة الذكاء عالميا، لم يكن امامها خيار للتطور إلا ان تستثمر في الانسان وجعله حجر زاوية اساسياً في فلسفة التطور، وهو بالضبط ما نجحت فيه خلال فترة وجيزة، لذا يشير العالم كله اليوم الى اقتصاديات شرق آسيا التقليدية كاليابان والصين او الواعدة كسنغافورة وهونغ كونغ وحتى ماليزيا كاقتصاديات ستلعب دورا محوريا في الاقتصاد العالمي، رغم كونها عديمة الموارد، وذلك لأنها، فقط، عرفت كيف تجعل التعليم استثمارا في اصول فائقة الجودة تتمثل في البشر.

فلسفة التنمية

في الكويت خطة التنمية تتحدث عن المشاريع والإنشاءات لا عن التعليم وتغيير فلسفته التلقينية لربطه بسوق العمل، رغم ان الشعب الكويتي نصفه دون سن الــ21 عاما، مما يعني ان المستقبل كله لمن هم في المراحل التعليمية لا لغيرهم، وبالتالي فإن اي حديث عن التنمية، لا يكون صغار السن اساسه من حيث التعليم اولاً وما يرتبط بتغيير نمط التوظيف التقليدي الى فلسفة سوق العمل ثانيا، لن يكون مجدياً، لأن المليارات التي تبني المستشفيات والمدن لا قيمة تنموية لها ما لم ترتبط بتطوير البشر، لذلك فالحديث عن دولة غنية مالياً بنظام تعليمي متخلف يظهر لنا مكمن الخلل الأساسي في الدولة وهو الإدارة.

back to top