فرس العائلة
للبريّة أعرافها التي ابتدعها أبناء بسطاء.منّان هو أحد هؤلاء الأبناء، والبرّيّة لم تعد كما كانت من قبل، أو هذا ما يعتقده منّان. فالريح التي تقبض على الغيوم من أذيالها لتأخذها إلى شتّى البقاع جالبة معها المطر، لا تحضر إلا لتعيث خرابًا في مضارب العشيرة، والمطر منقطع أو هو شحيح في أحسن الأحوال. والأغنام جفّت ضروعها، وسبل العيش أصبحت أكثر صعوبة، وعسكر الانكليز لا يغيبون عن العشيرة حتى يظهروا في أفقها من جديد، والنساء صرن يكثرن من الدعاء لربّ العالمين بأن يبعد الشرور. خوفهنّ لم يكن ليمرّ بسهولة، صار يسبّب قلقًا للرجال.
منّان اتّخذ بعد طول تفكير قرارًا بالرحيل، وبالتوجّه غربًا إلى مشارف المدينة. هناك يمكنه أن يحقّق ما تصبو إليه نفسه من رغبات، ويمكن لأبناء عشيرته العثور على فرص شتّى للرزق. ولم يكن قراره سهلاً، فهو ولد في البريّة وعاش طفولته وشبابه فيها، وهو الآن كهل، وله فيها ذكريات.بعض رجال العشيرة لم يرقهم قرار منّان. تهامسوا في ما بينهم واتهموه بأنّه يضحّي بأمن العشيرة من أجل أطماعه الخاصّة. وصل الهمس إلى منّان ولم يأبه له. ولم تشكّ أمّه صبحاء في صدق نواياه. ربّما كانت له تطلّعات، لكنّها لا تصطدم بمصالح العشيرة ولا تنتقص منها. أمّه لها أسباب أخرى. قالت إنّها لا تحبّ مغادرة البرّيّة حيث ولدت وعاشت. فهي ابنة البرّ ولا يمكن تدجينها. وكيف يمكنها هجر المكان الذي يحتضن قبر زوجها والعيش في مكان آخر بعد هذا العمر؟ هي التي لم تزر المدينة إلا عددًا قليلاً من المرّات، ولم تغادر البرّيّة إلا حينما ذهبت إلى بيت الله الحرام لتؤدّي فريضة الحجّ صحبة زوجها. بذل ابنها جهودًا متّصلة لإقناعها بالرحيل، ووعدها بأنْ يأتي بها إلى البرّيّة كلّما رغبت في زيارة قبر أبيه.ظلّت أمّه متمنّعة، وكذلك زوجته مثيلة وعمّه عبد الجبّار وآخرون. لم يكن مرتاحًا لتمنّعهم وهو مختار العشيرة. بعد أشهر من احتلال الانكليز للبلاد أصبح مختارًا، وها قد مرّت خمس عشرة سنة، ولا بدّ له من أن يكون قريبًا من المدينة ومن دوائر حكومة الانتداب. في زمن الأتراك كان والده محمّد هو المختار، وكان الابتعاد عن مراكز الحكّام مطلوبًا آنذاك انصياعًا للحكمة التي تقول: لا تمرّ من قدّام حاكم ولا من ورا بغل. الآن، عليه أن يغادر البرّيّة، لأنّ زمنًا جديدًا ابتدأ منذ أن أصبحت البلاد تحت حكم الإنكليز.مهيرة، زوجة أبيه، وزوجة عمّه بعد موت أبيه، تحمّست للرحيل الذي يقرّبها من القدس. وقعت مهيرة في حبّ المدينة منذ زيارتها الأولى لها. جاءت إليها وهي تركب الفرس خلف زوجها. أخته من أبيه، معزوزة التي كبرت ولم تتزوّج بعد، شجّعته على الرحيل. معزوزة منذ أن أنهت حدادها على حبيبها الذي قتل عند الحدود، لم تظفر بعريس، ولم تكفّ منذ مقتله عن الهديل مثل حمامة. في الليل، يملأ هديلها البيت ويفيض نحو الخارج فيسمعه الجيران، وتكثر جرّاء ذلك تأويلات النساء، فهو نداء يصعد من قلب معزوزة ولا تستطيع التهرّب منه مهما بذلت من محاولات، أو هو حزنها على حبيبها الذي لا يغادر قلبها، أو لعلّه التذكير بضرورة الأخذ بثأر الحبيب القتيل.معزوزة رغبت في هجر البرّيّة لعلّها تنسى هديلها وتستريح. شجّعت أخاها على تنفيذ قراره من غير إبطاء، إلا أنّ أمّه والآخرين أوقعوه في بلبلة، فهو يحبّ البرّيّة مثلهم، وهذا لا يعني البقاء فيها إلى أبد الآبدين.كان كلّما أَلحّوا عليه بالبقاء فيها يغادر مضارب العشيرة ويتّجه نحو الخلاء الفسيح على صهوة فرسه. تركض الفرس في السهل وصولاً إلى سفح الجبل، والسماء مجلّلة بغيوم بيضاء حيث لا مطر، والقحط يأكل وجه الأرض. ينزل عن فرسه ويقودها على مهل، ثم يجلس فوق صخرة مطلّة على المضارب وعلى الجبال البعيدة وعلى المدى الممتدّ نحو الغرب، ولا تغيب عن باله الأيّام التي قضاها هنا وجعلت لحياته مذاقًا لا ينساه.في أيّام الصيف القائظة، كان ينصبُ بيتًا من شعر الماعز في الطرف القصيّ من بيوت العشيرة، تهرّ من حوله كلابه وتنبح نباحًا متقطّعًا، يجثم قطيع الماعز الذي يملكه في الحظيرة المحاطة بسلسلة حجريّة، تنبعث منه أصوات تتراوح بين طقطقة أسنان الماعز وهي تمضغ ما تجترّ من طعام، وبين ثغاء بعض الجديان أو تناطحها العابث الودود، أو «بعبعة» تيس هائج يحاول عنزة متمنّعة. ولا يندر أن تهبط على طرف الحظيرة في المساء بومة، تطلق نعيبها المشؤوم، يركض نحوها، يطردها، ويستعيذ بالله من خبر مؤلم أو مأساة.بعد أن تنشر العتمة رداءها الخفيف على البريّة تحت قمر متلألئ في السماء، يخفّ الضجيج وتضطرم نفس منّان بمشاعر شتّى، ويبدو مستعدًّا لأيّ عراك. يتفحّص بعينيه الحادّتين أطراف السهول الساكنة في جلال الليل، تحسّبًا من ذئب غادر أو من سارق، فلا يرى أو يحسّ ما يكدّر صفوه، تطلّ عليه الهموم، يتذكّر هجمة الجراد التي ما زال ضررها ماثلاً للعيان. ويتذكّر ما قاله الضابط التركي لوالده الشيخ محمّد حينما داهم مضارب العشيرة بحثًا عن الشباب لإرسالهم إلى الحرب التي ابتدأت قبل عام. غادر الشباب المضارب في اللحظة المناسبة واختفوا في الجبل. اختفى منّان أيضًا في الجبل. وقال الضابط إنّ أخوّة الدين تفرض على كلّ رعايا السلطنة أن يهبّوا للجهاد. قال: هذه المرّة أنتم مطالبون بالدفاع عن القدس.لم يستجب الشيخ لهذا الكلام. صحيح أنّه يحبّ القدس، إلا أنّ كلام الضابط لم يهزّ مشاعره، ففي مداهمات سابقة لمضارب العشيرة اقتاد الأتراك أربعة من إخوته واثنين من أبنائه مع آخرين إلى حروب السلطنة. وكانت النتيجة فادحة: قتل ابناه وثلاثة من إخوته، والرابع تمرّد على أوامر ضابطه التركيّ فأودع السجن، وتمكّن من الفرار بعد أن واجه الموت غير مرّة. ظلّ يتغذّى بالحشائش والجنادب والسحالي وهو تائه في الدروب البعيدة، إلى أن قُيّضت له العودة، فلم تكد زوجته تعرفه، وحينما عرفته احتضنته أمام الرجال، في مشهد ظلّت صبحاء، أمّ منّان، تتحدّث عنه طويلاً للأبناء وللأحفاد كلّما حانت ساعة سمر. لم يستجب الشيخ، ولم يرفّ له جفن، وهو يستمع إلى كلام الضابط. قال له: كفاية علينا أولادنا وإخوتنا اللي انقتلوا في الحرب.قال الضابط: يعني لن تدافعوا عن القدس!لم يجبه الشيخ. أخذ الضابط التركي يتفرّس في وجوه أبناء العشيرة الكهول الواقفين أمامه، ولم يكن فيهم واحد في سنّ الجنديّة. في ما مضى كان بوسعه أن يكون أكثر تشدّدًا معهم. الآن، لم يعد هذا ممكنًا خوفًا من تمرّدهم، بعد الخسائر التي تكبّدوها في حروب السلطنة، وبعد أن ضعفت قبضة السلطنة على العشائر التي تجد لها ملاذًا في الجبال الوعرة وفي الأماكن النائية. ظلّ الضابط ملتزمًا جانب الحذر. ابتسم ابتسامة صفراء، حدّق في وجه الشيخ وسأله: أنت مختار العشيرة؟- نعم. قال في استعلاء كمن يقرأ نصًّا مكتوبًا في ورقة: بهذا تحكم أنت وأبناء العشيرة على أنفسكم بأنّه لا قيمة لكم، وستظلّون جنكلة مثلما أنتم الآن.ظلّ الشيخ صامتًا، ما جعل الضابط التركي موقنًا من أنّه لم يعد ثَمّة كلام يمكن أن يقال. استاء منّان حينما عرف أنّ القدس كانت محور الكلام. نقلت له كلَّ ما قيل والدتُه صبحاء التي كانت تصغي إلى كلام الضابط وهي واقفة عند مدخل البيت. ردّد منّان الكلام مرّات عدّة كما لو أنّه يعذّب نفسه على وقع الكلام: نظلّ جنكلة، بدوًا رحّلاً لا قيمة لنا! وقالت له أمّه إنّ الضابط ضغط على بطن حصانه بحركة غاضبة من ساقيه، وصاح في الشيخ محمّد ومن معه: تفرّقوا من أمامي يا جنكلة، تفرّقوا.ابتعدوا مفسحين في الطريق للضابط وللعسكر الذين مرقوا فوق خيولهم مسرعين. ثارت خلفهم سحابة من غبار انعقدت فوق البيوت وحظائر الأغنام. ظلّ الرجال يرقبون الخيول المتراكضة عبر السهل، وحينما انقشعت سحابة الغبار، عادوا إلى النظر في وجوه بعضهم بعضًا. أطرق الشيخ محمّد برأسه نحو الأرض، ثم توجّه إلى المضافة وتبعه الآخرون.جلسوا وتأمّل الشيخ ما جرى وشعر بامتعاض. فقد ألحق الضابط إهانة به وبعشيرته. وحين عاد منّان وبقيّة الشباب إلى المضارب قيل كلام كثير. تحمّس منّان وعدد من أبناء العشيرة لفعل سريع، فهم لم يحتملوا الإهانة. حاول الشيخ تخفيف العبء عن نفسه، دخل في مماحكات مع مَنْ حوله. قال لابنه منّان: كنت جيت من الجبل وتكلّمت مع الضابط.- لو جيت وتكلّمت ما خلصت من زعلك.صمت الشيخ لحظة، حدّق في وجوه مَنْ حوله، وراح يبحث عن تبريرات وقال: لا تنغرّوا بكلام الضابط عن القدس، اسألوني أنا عن الأتراك.استمرّ الحوار ولم يتراجع الشيخ محمّد عن موقفه. وحينما وجد منّان أنّ مواصلة الكلام لن تفضي إلى نتيجة، رغب في مناكفة أبيه وقال: صدق مَنْ قال إن جدّنا أبو لهب (قالها أحد الخصوم مندّدًا بعشيرة العبد اللات، متّهمًا إيّاها بالكفر، وظلّ رجال العشيرة ويتناقلون هذا الكلام على سبيل المزاح).ابتسم الشيخ رغم ما يعتريه من ألم.بحث بين الجالسين عن أخيه عامر الذي هرب من سجن الأتراك، فلم يره. لاذ بالصمت ولم يعد يصغي إلى ما يدور في المضافة من كلام. ولم يتمكّن منّان من تدارك غلطة أبيه، حاول تداركها في الأسابيع التالية، وحينما انتبه الشيخ محمّد إلى ما ينوي ابنه والآخرون الإقدام عليه، منعهم من مغادرة مضارب العشيرة، فانصرف منّان على مضض إلى النظر في شؤونه الخاصّة، وكان عليه أن يخفّف من قلق فاطمة التي أنجبت طفلها بعد سبعة أشهر من الزواج.فاطمة كانت خائفة من الفضيحة، وعلى العكس منها كان زوجها منّان، ابتهج أثناء عودته من المرعى والنساء يباركن له بالمولود. فاستقبال العائلة لمولود ذكر يعزّز مكانتها، ويخفّف من وقع الإهانة التي لم يستطع هو ووالده نسيانها.ترك القطيع يمضي نحو الحظيرة، ومضى إلى بيت والده. وجده جالسًا في المضافة على فرشة من الصوف، ومن حوله عدد من رجال العشيرة. جلس وهو يتلقّى التبريكات. تنحنح الشيخ محمّد، وسأل: ما اسم المولود يا منّان؟قال من غير تردّد: محمّد.أحنى الشيخ رأسه وقد أثقلته النشوة.اندلعت في فضاء البريّة الزغاريد، وغنّت النساء لمحمد الجدّ ولمحمّد الحفيد.