حالة الطوارئ... الورقة الأخيرة للمالكي
إن من أكثر الإنجازات التي كان المالكي ينسبها لنفسه وقواته الأمنية هو الاستتباب الأمني النسبي الذي استطاع أن يحققه في العراق، إلا أننا في الفترة الأخيرة شهدنا تراجعاً قوياً في هذا الملف أعاد إلى العراقيين ذكريات الحرب الطائفية التي كانت قائمة حتى عام 2007.ولا نحتاج الى ذاكرة قوية لمعرفة أن التراجع الأمني هذا بدأ بعد انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة بعدما أفرزت النتائج تراجعاً كبيراً في شعبية المالكي الذي طالما كان يراهن على شعبيته في الفوز بولاية ثالثة لمنصب رئاسة الوزراء. وعلى الرغم من أن مرحلة ما قبل الانتخابات كانت قد شهدت خروج مظاهرات في المدن السنية التي لاتزال مستمرة حتى يومنا هذا، فإن الحكومة استطاعت بشكل أو بآخر الحفاظ على الوضع الأمني في البلد.الغريب في الأمر أن التدهور الأمني هذه المرة ليس بسبب مليشيات معارضة لتوجهات الحكومة العراقية وإنما تتبناها مليشيات تتوازى مع الرؤى السياسية للمالكي وحكومته. وقد برز هذا الأمر في قيام هذه المليشيات بتهجير سكان بعض المدن العراقية اعتماداً على انتماءاتهم الطائفية والسيطرات (المفارز) التي توضع على مرأى ومسمع من القوات الأمنية وتعتقل الناس على الهوية لتأجيج الوضع أكثر والدفع به إلى حافة الهاوية.وآخر سخريات الوضع الأمني في العراق هي عمليات هجوم مبرمجة تشن على بعض السجون التي تضم (كما قيل) قياديين من تنظيم "القاعدة" وغيرها من التنظيمات السنية المتطرفة لغرض تهريبهم كما حصل في سجني "أبو غريب" و"التاجي" وآخرها كان "سجن القائم" في الوقت الذي أفادت التقارير عن وجود 70 ألف عنصر أمني قريب من "سجن أبو غريب"، في عمليات تثير الكثير من الشكوك حيال منفذي هذه الهجمات والغرض منها وتوقيتها الحالي.وأصبح من المعروف أن المجاميع الجهادية السنّية هذه قد أصبحت بقصد أو بدون قصد ألعوبة في أيدي دول وأنظمة تستخدمها كما تشاء لخدمة مصالحها. فكما أطلق نظام بشار الاسد سراح قائد "جبهة النصرة" المدعو (الجيلاني) من السجن لعلمه بأفكاره وتوجهاته وبأنه لن يتوانى عن تشكيل مجاميع جهادية فور إطلاق سراحه (وهذا ما حصل فعلاً وقد أفاد النظام السوري بهذا التوجه أكثر مما أضره)، فكذلك يحاول المالكي السير على نفس الخطى بتسهيل عمليات اقتحام هذه السجون وإخراج قادة مهمين (كما قالت التقارير) من تنظيم "القاعدة" كي يعيدوا تنظيم تشكيلاتهم ويشاركوا في توتير الوضع الأمني في العراق مرة أخرى. فعملية هروب هذا العدد الكبير من المساجين رغم غرابتها فهي لا تقل غرابة عن اختفائهم بسهولة بعد هروبهم، خصوصاً إذا ما علمنا أن التقارير تشير إلى أن عدد الفارين قارب الـ1900 سجين. وعلينا أن نتصور كيف استطاع هذا العدد الكبير الاختباء والفرار من أعين الأجهزة الأمنية بعد هروبهم إن لم تكن قد قدمت إليهم تسهيلات لإخراجهم وهروبهم دون علمهم.إن رجوع الحالة الأمنية مرة أخرى إلى مربع الصفر في العراق تصب فقط في مصلحة المالكي الشخصية للاحتفاظ بمنصبه بعدما تيقن أنه لن يستطيع الفوز بولاية ثالثة حتى لو رشح نفسه لها بعد أن تضعضعت شعبيته التي عكستها نتيجة انتخابات مجالس المحافظات الأخير.إن رجوع تشكيلات "القاعدة" إلى المشهد مرة أخرى وبشكل قوي مع استمرار المظاهرات في المدن السنية وخروج مظاهرات ذات بعد خدمي في المدن الجنوبية مع التوتر الأمني الذي بدأ في التصاعد في العراق، والتفكك الذي تشهده العملية السياسية المنهكة أصلاً، يمكن ان تكون مبررات كافية لإعلان حالة الطوارئ في البلاد وإلغاء الدستور لضمان بقاء المالكي في الحكم مدة أطول.وحسب الدستور العراقي، فإن إعلان حالة الطوارئ يحتاج إلى موافقة من الجهة التشريعية في الحكومة العراقية والتي يمثلها البرلمان، اضافة الى موافقة مجلس الرئاسة، وكلا الطرفين يمكن استحصال موافقتهما لاسيما إذا استطاع المالكي إقناع الجانب الإيراني للضغط على الأحزاب المكونة للتحالف الوطني والذهاب في هذا الاتجاه، فالتحالف الوطني يمتلك عدداً من المقاعد تؤهله لأن يحصل على الأغلبية لأي قرار في البرلمان. والمجلس الرئاسي حالياً يمثله خضير الخزاعي المنتمي للتحالف الوطني، وبذلك فالأمور مهيأة جداً لتمكين المالكي من تمرير قرار كهذا علاوة على إمكان لجوء المالكي لإغراء بعض الأحزاب الأخرى في البرلمان ليضمن إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية بأغلبية مريحة.لقد ارتكب المالكي في سنوات رئاسته لمجلس الوزراء الكثير من الأخطاء سواء ما يتعلق بملفات الفساد أو خرقه المستمر للقوانين والدستور إضافة إلى الاتهامات الموجهة لأجهزته الأمنية في خروقات لحقوق الإنسان، ويعرف المالكي أكثر من غيره أن هناك الكثير من التهم ستلاحقه بمجرد تركه المنصب سواء ما يتعلق بالإرهاب أو ما تقترب من جرائم الإبادة الجماعية، وبما أننا ماضون إلى نهاية ولايته الثانية التي ستكون بعد أشهر قليلة، فإنه سيعمل ما في وسعه لخلط الأوراق والقفز على هذا المصير. ولم يبق أمامه الآن إلا إعلان حالة الطوارئ التي تعتبر حبل النجاة الوحيد له في هذه المرحلة.* كردستان العراق – دهوك