رواسب واحة الصحراء توثّق تاريخاً عظيماً!
بحيرات أونيانجا إحدى عجائب الطبيعة الواقعة في الصحراء الكبرى وقد دامت آلاف السنين وصمدت في وجه التغييرات المناخية الجذرية. اليوم، يحلل عالِم جيولوجيا ألماني رواسب قاع البحيرات لتسليط الضوء على فصل مدهش من التاريخ البشري. {شبيغل} تابعت اكتشافات هذا العالم.
قال ستيفان كروبلن: {ماء... ماء على مد العين والنظر}. كان يشير نحو الجنوب حيث لا نشاهد إلا أمراً واحداً في الأفق: الرمل والرمل ثم الرمل!وصف كروبلن القصب الممتد على طول الساحل والغزلان والزرافات التي تشرب من البحيرة وأفراس النهر والتماسيح التي تقبع في المياه. لكنّ الصحراء الظاهرة أمامه كانت غير مضيافة لدرجة أنها تستطيع أن تكون موطناً لبعض الخنافس الداكنة لا أكثر.
لم يكن كروبلن يتخيل مناظر وهمية. بل إنه كان يعرف ما يعنيه بكلامه. كانت غابات السافانا الخصبة والرطبة تغطي في السابق هذه المنطقة حيث لا تنمو ولو رقعة صغيرة من العشب اليوم.تكمن الأدلة على ذلك تحت أقدام كروبلن. فهو فكك لتوه بعض القطع البيضاء المستخرجة من الطبقة الصخرية السفلى بمطرقته الجيولوجية الخاصة، ثم اختار بيده عشرات الصدفات الصغيرة من أحجار الكلس. يقول بكل رضى: {إنه حلزون المياه العذبة}.سجل عالِم الجيولوجيا المعطيات التي رصدها جهاز تحديد المواقع في مذكرته الميدانية الزرقاء، ثم وضع القطع الصخرية الثلاث في أكياس بلاستيكية ووسمها بعدد الموقع: {دابليو 76}. سيحدد في بلده عمر تلك الصخور، تحديداً في مركز الأبحاث الإفريقية في جامعة كولونيا. تعود الصخور إلى {10 آلاف سنة تقريباً} بحسب تقديراته. إنه على الأقل عمر العيّنات التي حملها إلى دياره بعد زيارته الأخيرة إلى هذه المنطقة من شمال تشاد.يقدم المشهد نحو الشمال فكرة عن الجنة الضائعة التي يتحدث عنها كروبلن. هناك، في حوض أدنى من المنطقة المحيطة بأربعين متراً، تقع بحيرة بمحاذاة مساحة نباتية خضراء. لا شك في أن الكثبان الرملية الضخمة التي تصل إلى الماء على شكل أصابع عملاقة ستدفن الواحة كلها في نهاية المطاف، لكن تتابع أشجار النخيل حتى الآن النمو هناك.بحيرات أونيانجا هي من عجائب الطبيعة حتماً. صمدت هذه الجزر الخضراء غير المألوفة في بحر من الرمال لآلاف السنين. ما من مساحات مشابهة من المياه المفتوحة ضمن نطاق يفوق الـ800 كيلومتر.وما الذي يبرر وجودها أصلاً؟ تتسبب الشمس الحارقة فوق الصحراء الكبرى بتبخر قناة مياه تمتد على أكثر من ستة أمتار سنوياً، بينما تنتج السماء أقل من 5 ملم من الأمطار السنوية. في ظل هذه الظروف، لا عجب في أن يختفي محيط بكامله بعد فترة قصيرة. لكن في أونيانجا، يقوم خزان واسع من المياه الجوفية الأحفورية تحت سطح الأرض بإعادة تخزين الماء المفقودة بسبب ظاهرة التبخر.أرشيف كوكب الأرضفي البداية، أنشأ كروبلن مخيّماً في ذلك المكان لأكثر من 14 سنة. كان يهدف إلى استخراج الرواسب من قعر أكبر البحيرات، بحيرة يوا، وهي رواسب تشكّلت على مر تاريخ البحيرة الذي يمتد على 11 ألف سنة.تلك الرواسب بمثابة أرشيف فريد من نوعه عن تاريخ الأرض، فهي تشمل أدلة عن أبرز التغييرات المناخية المبهرة والغريبة في كوكب الأرض منذ نهاية العصر الجليدي الأخير. يروي الوحل في قعر البحيرة قصة المساحة النباتية في أكبر صحراء في العالم قبل أن تجف بعد آلاف السنين.لا شك في أن القيام بهذا النوع من الأبحاث في وسط الصحراء الكبرى مغامرة تتطلب قدرة تحمّل هائلة. اختبر كروبلن جميع أنواع المشقات هناك (سرقة جواز سفره، عدوى البلهارسيا الخطيرة، عواصف رملية دامت أسابيع)، لكنّ شيئاً لم يردع ذلك العالِم. حتى عندما حضر السكان المحليون إلى مخيّمه وهددوه لأنهم ظنوا أن نشاطات التنقيب تسيء إلى البحيرة، نجح في تهدئتهم.كل يوم، كان يصعد مع فريقه في مركب ويتوجه نحو العوامة التي أنشأها في وسط بحيرة يوا. في وقت سابق، خفّض أعضاء الفريق مستوى أسطوانة فولاذية ووجّهوها نحو قعر البحيرة، على عمق 25 متراً. اليوم، يغرسونها على مسافة أعمق في القعر عبر استعمال قوة عضلاتهم حصراً.لا وجود لأي سقف لأجل الاحتماء من الشمس الحارقة. كان أحد الرجال يضرب الأسطوانة بين 30 و40 مرة بمطرقة تزن 30 كيلوغراماً قبل أن يسلّمها إلى الرجل التالي وهو يتصبب عرقاً. لا يستطيعون العمل طبعاً إذا كانت الرياح التي تهب من ليبيا في أنحاء الصحراء المسطحة تنفخ الرمال الناعمة في عيونهم.بعد ذلك، نقلوا الأنبوب على عمق 16 متراً داخل الرواسب قبل أن يبلغوا أرض الصحراء التي كانت قائمة في العصر الجليدي. اخترق علماء الجيولوجيا البحيرة ووصلوا مباشرةً إلى قعرها الأصلي.بعد تقطيع الرواسب إلى أجزاء من متر وحمايتها وتجفيفها بقفاز زجاجي، أخرج العلماء {جائزتهم} من البلد. فسافروا في مركبة {تويوتا لاند كروزر} وقطعوا مساحات صحراوية تمتد على مسافة 1200 كلم نحو العاصمة نجامينا. ثم تم إرسال نتائج التنقيب إلى كولونيا عبر الشحن الجوي.تمكّن العلماء هناك من تحليل طبقات الرواسب الشبيهة بالطين واحدة تلو الأخرى. كانت طبقات الوحل متراكبة واحدة فوق الأخرى مثل حلقات الشجر، بمعدل ميليمتر في السنة. حتى في الصحراء، ثمة اختلافات كافية بين المواسم، ما يسهّل التمييز بينها داخل الرواسب.كشف تاريخ الطبقاتتولى ثلاثة موظفين مهمة مضنية تقضي باحتساب الطبقات، فاحتسبوا في نهاية المطاف 10940 طبقة، وكانت كل واحدة تمثل سنة. حتى احتساب الكربون المشع لا يكون بهذه الدقة. كان قد توقف استعمال تلك الطريقة منذ 50 سنة.الأهم من ذلك أن علماء الجيولوجيا بدأوا يحللون الطبقات الفردية. من خلال استعمال منظار الطيف والأشعة السينية وأشعة الليزر والمجهر الإلكتروني الماسح، حاولوا استخراج الأسرار من نتائج التنقيب. فقاسوا أحجام الجزيئات، وحللوا تركيبة المواد الكيماوية وحجم القابلية المغناطيسية، ووضعوا أجزاء رفيعة من عيناتهم، بسماكة 25 ميكرومتراً (أقل من ألف في الإنش)، تحت المجهر.لكنّ أهم مصدر للمعلومات هو غبار الطلع العالق في الرواسب لأنه يعكس التغييرات المناخية بنسبة أدق من أي شيء آخر. على سبيل المثال، حين تراكم غبار طلع الأعشاب في قعر البحيرة في البداية، كان الأمر يعني وجود سهول تمتد على طول الساحل. تشير أبواغ السرخس إلى أن الأنهار تم تفريغها في البحيرة، من جبال تبيتسي المجاورة على الأرجح. على صعيد آخر، يُعتبر غبار الطلع الصادر من شجر الميرمية مؤشراً إلى انتشار صحراء في المنطقة خلال تلك الفترة.يستطيع كروبلن أيضاً أن يحدد الأحداث الفردية في أرشيفه المناخي خلال العصر الجليدي. تخلّف الهزات الأرضية وحرائق الغابات، لا سيما العواصف الترابية العنيفة، آثاراً لافتة في رواسب البحيرة.يتابع كروبلن جمع آخر تفاصيل عمله. حين ينتهي من هذه المرحلة، يخطط مع زملائه لنشر ثمار أعمالهم المضنية في مجلة Nature. ينتظر خبراء المناخ حول العالم تلك النتائج منذ الآن. يقول مارتن كلاوسن من «معهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية» في هامبورغ، وهو أحد أهم الخبراء في مجال محاكاة مناخ الصحراء الكبرى: «بفضل نتائج التنقيب الذي قام به ستيفان، سنتمكن من رصد طريقة تحوّل نظام الرياح الموسمية في الصحراء».بدأ كروبلن يفكر منذ الآن بخطوته المقبلة. بالنسبة إليه، تُعتبر نتائج التنقيب في بحيرة يوا أكثر من مجرد أحداث عن المناخ السائد في تلك المنطقة. تراه مقتنعاً بأن تحليل الرواسب سيقدم أيضاً لمحة عن فصل كامل من التاريخ البشري. في مكانٍ تطغى عليه الآن أكبر صحراء في العالم، كان المستوطنون البشر يسيطرون على غابات السافانا في الماضي.حتى نهاية العصر الجليدي، منذ 11 ألف سنة تقريباً، يوضح كروبلن أن الصحراء الكبرى كانت تتألف من الحدود الشمالية للمناطق التي أنشأها الإنسان العاقل. كانت تلك الأرض غير مضيافة للبشر كي يجتازوها.لكن حين ذابت الأنهار الجليدية في أوروبا، تغير نظام الرياح الموسمية في شمال إفريقيا وتوجهت غيوم المطر نحو الداخل من خليج غينيا. فيما تابعت غابات السافانا في شرق إفريقيا توسّعها شمالاً، انفتح مسار جديد أمام الإنسان العاقل كي يسافر إلى أراض بعيدة.تشير مختلف آثار المستوطنات إلى أن الإنسان استفاد من هذه الفرصة، فأصبحت الصحراء الكبرى مركزاً للتطور الثقافي حيث نشأت صناعة الخزف في مرحلة مبكرة جداً، وروّض البدو الماشية والماعز، ووثّق البشر حياتهم اليومية ضمن مشاهد مذهلة مرسومة على جدران المنحدرات.حين تراجعت الرياح الموسمية الضرورية لاستمرار الحياة بوتيرة بطيئة منذ 5 آلاف سنة تقريباً، عادت الصحراء لتظهر تدريجاً. ذبل العشب وجفّت الأنهار واختفت قطعان الحيوانات، فأصبح صمود البشر هناك صعباً. انتقل جزء من سكان الصحراء الكبرى نحو الجنوب، باتجاه منطقة الساحل الأكثر خصوبة، بينما استقرت البقية على طول نهر النيل. يعتبر كروبلن أن هذه الهجرة من الصحراء هي التي فتحت المجال أمام نشوء الحضارة المتقدمة في مصر القديمة.{رجل الصحراء} كروبلن رجل جدي ويتمتع بروح المبادرة وطاقته لا تنضب، كذلك يحتفظ بروح الشباب مع أنه يبلغ 61 عاماً. في مقالة بعنوان {رجل الصحراء}، وصفته مجلة Nature بـ{أحد أبرز مستكشفي الصحراء المتفانين في عصرنا}. يعتبره البعض جزءاً من التقاليد التي أنشأها أسلافه من أمثال هاينريش بارت وغوستاف ناشتيغال.كروبلن شخص يؤيد النزعة العالمية الشاملة مثل هؤلاء العالمَين العظيمين من القرن التاسع عشر، وهو مطّلع أيضاً على مختلف المواضيع التي تشمل المستوطنات خلال العصر الحجري، وأهمية الدبابير من الناحية البيئية، وزوايا الكثبان الرملية التي تتخذ شكل منجل.في السودان، استكشف كروبلن وادي هور الجاف الذي كان سابقاً يشمل صحراء واسعة تتصل بنهر النيل. أعاد رسم الطرقات التجارية للعربات منذ أيام الفراعنة، ووثّق التغيير المناخي استناداً إلى طريقة انتشار عشب الإبل في الصحراء.أهم ما في الأمر أن كروبلن يجيد سرد القصص. يبدأ كلامه قائلاً {كنت أستحم حين...} قبل أن يغوص في قصة مشوّقة. قبل فترة قصيرة من مغادرته، يقول إنه تلقى اتصالاً على هاتفه الفضائي من زميل فرنسي له. كان الفرنسي وفريق بحثه قد ضاعوا في أودية ضيقة في منطقة إرديما القاحلة في شمال شرق تشاد، علماً أن أي إنسان لم يطأ يوماً تلك الأرض. لمساعدة الفرنسي الضائع، استعمل كروبلن ملاحظات قديمة على جهاز تحديد المواقع لتوجيهه نحو إحدى الواحات النادرة هناك. يقول كروبلن وهو يشير إلى المنظر الصخري في شمال بحيرات أونيانجا: «يُفترض أن يكون في مكان ما هناك. أتمنى أن يصل إلى وجهته».بدأ كروبلن يروي قصته التالية قائلاً: {الصحراء تجذب نوعاً مميزاً من الناس}. تتعلق القصة بعالِم نبات بارع كان يحاول تغيير مساره لتجنب سطح متصدع في قاع بحيرة جافة فانقلبت مركبته. لكن لم يخرج عالِم النبات من مركبته قبل أن يوثّق الحادث في دفتره الميداني. ثم تحدث عن الفترة التي تعرض فيها لملاحقة من الجنود السودانيين عبر الصحراء طوال أيام، إلى أن وجدوه وطلبوا منه بعض الوقود.ثم بدأ يخوض مناقشة سياسية. يعتبر أن الإشاعات المرتبطة بالإرهابيين الإسلاميين والقصص المرعبة عن دارفور والحرب القائمة في مالي الآن لا تسهّل العمل في هذه المنطقة. لكنه يؤكد على أن المخاطر مبالغ فيها معتبراً أن التجول في بعض أحياء نيويورك مساءً قد يكون أخطر من تمضية أسبوع في الصحراء. لكن كان الخوف كفيلاً بإبعاد بعض زملائه من علماء الجيولوجيا. ما عاد الفرنسيون يأتون بعد أن كانوا كثيرين بحسب قوله. من الصعب أيضاً إيجاد طلاب دكتوراه في ألمانيا يكونون مستعدين لتحمّل مشقات العمل في الصحراء.نحو أونيانجالكن هذه المرة، يبدو أن القرن الواحد والعشرين بدأ يشق طريقه نحو عالم كروبلن. قبل الانطلاق من مرسيليا، التقط مستكشف الصحراء بكل حماسة صورة لجدول الرحلات في المطار. لم يكن يصدّق عينيه: ذكر الجدول أن الرحلة تنطلق في الساعة الثالثة فجراً نحو فايا لارجو.نجحت شركة السفر Point-Afrique في استعمال مطار فرنسي عسكري قديم في الواحة الصغيرة في شمال تشاد لأغراض سياحية. تعرض الآن رحلات في فصل الشتاء وتصطحب المسافرين على متن طائرة {بوينغ 737} إلى أحد أبعد المواقع في العالم. يعبّر كروبلن عن دهشته بالأمر، فهو لم يختبر طوال مسيرته الأكاديمية رحلة من منزله إلى موقع البحث خلال أسبوع.انطلاقاً من فايا، تتطلب الرحلة يوماً في مركبة خاصة بالطرقات الوعرة إلى بحيرات أونيانجا. تمر بصحراء تمتد نحو الأفق، مع كثبان رملية عملاقة تعيق الطريق أحياناً. وتمتد الكثبان الرملية على طول السهل نحو الجنوب الغربي، ويمكن العودة إلى القرون الغابرة مع كل كيلومتر يقطعه المسافرون.وحدها آثار العجلات المليئة بالغبار هي الدليل على مسار الطريق المؤدي إلى المكان، على طول الشريان الأساسي بين ليبيا وتشاد، وتكثر عجلات الشاحنات أيضاً في المحطات الاعتيادية وقد كان الرئيس الليبي السابق معمر القذافي يطلب من جنوده رسمها خلال رحلته إلى تشاد. مثل هانسل وغريتل في الغابة، أراد القذافي رسم أثر الطريق كي يعود إلى دياره.حتى الفترة الأخيرة، كانت الشاحنات المكدّسة تستعمل هذا الممر أيضاً لنقل السلع من ليبيا إلى تشاد والسودان. لكن شهدت التجارة حالة من الجمود منذ سقوط القذافي وتمر الآن أسابيع من دون أن تعبر ولو مركبة في المنطقة.خلال رحلة الاستكشاف، لا يقابل كروبلن الذي يتنقل في ثلاث مركبات خاصة بالطرقات الوعرة، ولو شخصاً على الطريق. يظهر بعض الجِمال الهاربة قبل الوصول إلى الوجهة المنشودة حيث تنتشر أشجار الصمغ وتشير إلى وجود مياه جوفية في تلك المنطقة، ثم يظهر فجأةً حوض أونيانجا المدهش.خلال زيارته الأولى إلى الموقع الأخضر الهادئ في أكثر المناطق جفافاً في العالم، دُهش كروبلن لدرجة أنه ناضل منذ ذلك الحين لحماية هذا الكنز الطبيعي. حقق هدفه في السنة الماضية حين أعلنت منظمة اليونسكو إدراج البحيرات على لائحة مواقع التراث العالمي. يُخرج كروبلن بكل فخر خارطة اليونسكو. على رغم وجود مواقع متعددة في أوروبا، نجد على الخارطة بقعة فقط ضمن المساحات الشاسعة المفتوحة من تشاد: أونيانجا.لكن يبدي كروبلن قلقه ويصعب أن يشعر بالرضى التام. سبق وحدد هدفه التالي: إقناع اليونسكو بإضافة هضبة إيندي، على بُعد أكثر من 200 كلم نحو الجنوب، إلى لائحتها. بالنسبة إلى كروبلن، لا يحتمل تميّز الهضبة أي شك: {هي تتفوق على الوادي الأثري بأشواط. تلك المنطقة مهمة على المستوى الثقافي أيضاً. لا يمكن أن نجد رسومات عن هضاب العصر الحجري كتلك الموجودة في إيندي في أي مكان آخر من العالم}.أحلام بصحراء خضراءالعالم ستيفان كروبلن منبهر بالعلاقة القائمة بين تاريخ المناخ والأرض والجنس البشري. يهتم بمعرفة طريقة تفاعل الناس مع التغيير في الصحراء. هناك، في جفاف الصحراء القاحلة، تُعتبر الشفرات ورؤوس السهام المصنوعة من الكوارتزيت أو آثار المستوطنات التي تتخذ شكل حلقات دليلاً على أن الإنسان العاقل كان موجوداً في جميع أنحاء الصحراء يوماً.يقول كروبلن وهو يشير بإصبعه إلى كومة أحجار تظهر من السهل: {تلك التلة كانت مقبرة في العصر الحجري. الأمر المدهش هو حفظ كل شيء كما كان منذ آلاف السنين}.خلال رحلة استكشاف إلى الأرض المهجورة في شرق بحيرات أونيانجا، يظن كروبلن أنه وجد آثاراً لعربة مصرية قديمة. اكتشف تمثالاً حجرياً لرجل يظهر من مسافة بعيدة على هضبة عالية، بما يشبه استعمالات التماثيل على الجبال اليوم كدليل لإرشاد المسافرين. يشتبه كروبلن بأنه وجد أحد المعالم التي كان يقصدها المسافرون إلى الصحراء منذ أيام الفراعنة.تبرز أدلة على أن الرحلات من مصر القديمة كانت تمتد على الأقل إلى الحدود الليبية المصرية الراهنة بحسب قول عالِم الجيولوجيا. منذ بضع سنوات، وُجدت حروف هيروغليفية هناك في جبل عوينات. يظن كروبلن أن التجار كانوا يتوقفون هناك لإعادة التزود بإمدادات المياه قبل متابعة رحلتهم نحو أونيانجا.لتقوية نظريته، يشير إلى المنحدرات المتآكلة التي ترسم معالم المشهد الطبيعي على ضفاف بحيرات أونيانجا. على مدى آلاف السنين، رسمت الرياح الدائمة شكل بنية الأهرام.يظن كروبلن أن التشابه بين هذا الشكل وشكل البنى المشيّدة على ضفاف النيل ليس مجرد صدفة. يطرح نظرية مفادها أن التصحر التدريجي دفع الشعب المصري إلى الخروج من موطنه الأصلي الذي أصبح يُعرف الآن باسم الصحراء الكبرى. يعتبر أن أشكال مقابر الفراعنة التي يمكن رؤيتها من مسافة بعيدة شائعة تحديداً في المنطقة التي كانت في أحد الأيام موطناً للمصريين.أمل بالتغيّر المناخيهل يمكن تجديد الماضي يوماً؟ هل ستستعيد الصحراء خضارها مجدداً؟حتى ستيفان كروبلن يعلم أنه يغوص في عالم التكهنات حين يجيب عن هذه الأسئلة. لكنه يعمل على جمع الأدلة.كان هطول الأمطار النادر في السودان الجافة في عام 1988 كفيلاً بإيقاظ شكوكه للمرة الأولى. إذا كان الجميع يتكلمون عن التغيير المناخي، فما الذي يمنع تغيّر الرياح الموسمية في إفريقيا أيضاً؟ قد يساهم الاحتباس الحراري في إرجاع المكان إلى حالته السابقة قبل العصر الجليدي.منذ عاصفة الأمطار في السودان، بدأ كروبلن يسجل جميع المؤشرات على تغير المناخ خلال رحلاته بحثاً عن أجوبة على أسئلة مثل: أين ينمو عشب الإبل بوفرة مقارنةً بالسنوات السابقة؟ ما مدى إنتاجية الواحات القليلة؟ وماذا يقول رعاة الماشية ومزارعو النخيل؟لا شك في أن هذه المعطيات كلها تبقى هشة ولا تستحق التدقيق العلمي. لكن يبدو كروبلن مقتنعاً بأن الأدلة تتزايد. حتى إنه يؤكد على اقتناعه بوجود أدلة حقيقية على ذلك التغيير الآن وأن الصحراء تزداد خضاراً.يشعر عالِم الجيولوجيا بأن نظريته صحيحة بفضل الأنباء الأخيرة الصادرة من واحة فايا. في الصيف الماضي، أخبره السكان بأنهم دُهشوا بهطول الأمطار فجأةً، فجُرفت الأكواخ وغرق الناس. لم يحصل هذا الأمر سابقاً بحسب قولهم.