درب طاغية... اكتشاف إرث جنكيز خان الضائع

نشر في 08-09-2013 | 00:01
آخر تحديث 08-09-2013 | 00:01
بينما يتسابق الباحثون لتحديد موقع قبر جنكيز خان، تلقي اكتشافات علماء آثار ألمان ومنغوليين الضوء على إنجازات ابنه أوقطاي خان التي لا تقل أهمية. {شبيغل} تابعت التفاصيل.
لم تنتهِ حياته بطريقة بطولية، فقد سقط الحاكم المغولي عن حصانه. لا بد من أن ذراعيه وساقيه فقدت قوتها، وكانت هذه حادثة مؤسفة لم يتعافَ منها جنكيز خان مطلقاً.

بعيد ذلك، رافقت مجموعة من العبيد والمحاربين جثمان الحاكم الملفوف بقطعة من اللباد الأبيض إلى مثواه الأخير. وقد وُضعت قطع من خشب الصندل في القبر لمنع الحشرات من التهام جثمان الخان العظيم.

ولكن أين دفن هؤلاء الرعايا بالتحديد جثمان هذا الطاغية الذي ما زال المنغوليون يكرمونه حتى اليوم؟ خلال القرن الماضي، بحث مغامرون وعلماء آثار عبثاً عن قبر جنكيز خان.

أما اليوم، فتسارع البعثات المتسلحة بأحدث التقنيات إلى البحث عن هذا القبر. لا عجب في أن يدّعي المنغوليون أن قبر بطلهم القومي يقع ضمن حدود دولتهم. لكنّ مؤرخاً روسيّاً يدّعي أنه اكتشف من مصادر قديمة أن هذا الزعيم القبلي دُفن قرب الحدود المنغولية، إنما على الجانب الروسي في جمهورية توفا.

في هذه الأثناء، أرسل باحثون صينيون بعثة إلى سفوح جبال ألتاي، ظنّاً منهم أن جنكيز خان دُفن في هذا المكان بعدما لقي حتفه خلال حملته العسكرية الأخيرة ضد تانغوت في شمال الصين اليوم.

أقمار اصطناعية

لا شك في أن هذا الحاكم المغولي القديم كان سيفرح بمعرفة أن بعد نحو 800 سنة على وفاته، ما زالت حشود علماء الآثار تجوب السهول والصحاري بحثاً عن رفاته. ولا عجب في أن تعتبر عملية البحث هذه بالغة الصعوبة.

تذكر إحدى الأساطير أن أتباع جنكيز خان أُمروا بحزم ألا يتركوا أي دليل قد يشير إلى الموقع الذي دُفن فيه هذا الحاكم بكل تواضع. يُقال إن أتباعه الأمناء زرعوا بستان أشجار فوق قبره، ومن ثم قتل الجنود المغول العبيد الذين حفروا القبر. وبعد عودتهم إلى الوطن، قُتل هؤلاء المحاربون بدورهم على يد رفاق لهم كي لا يتمكن أحد منهم من التفوه بأي دليل.

أطلق ألبرت لين (30 سنة) من جامعة كاليفورنيا بسان دييغو الحملة الأخيرة للبحث عن هذا القبر المغولي. وتُظهر الصور هذا الباحث الأميركي الشاب وهو يركب حصانه في المروج المنغولية المذهلة أو يعمل مرتديّاً ملابس المغامرة.

ولكن رغم ما توحيه هذه الصور، لا ينوي لين استخدام رفش ومعول لنبش رفات هذا البطل المغولي. يعتمد الباحث على صور تُلتقط بواسطة رادار وأقمار اصطناعية عالية الجودة كي يمشّط المنطقة حول جبل بورخان خلدن في سلسلة جبال  خنتي في شمال منغوليا، حيث يعتقد أن جنكيز خان قد دفن.

يُعتبر استخدام هذه التقنية العالية على الأرض خطوة جديدة بالنسبة إلى الباحثين الذين يميلون إلى اللجوء إلى أحدث الابتكارات التكنولوجية. ولكن في هذه الحالة، يستبعد علماء الآثار المخضرمون أن تؤدي الابتكارات الحديثة إلى النتيجة المرجوة.

يذكر هانز-جورج هوتل، الذي يقود أحد أبرز مشاريع التنقيب في منغوليا منذ سنوات عدة: {لا أفهم كيف سيقدّم ذلك أدلة مقنعة. فلا يعني العثور على مقبرة كبيرة ومعقدة في منطقة خنتي أن هذا قبر جنكيز خان}.

ترى كريستينا فرانكن، التي تقوم راهناً ببعض أعمال التنقيب في مدينة كارابالغاسون التي بناها شعب الأيغور القبلي في القرون الوسطى، أن البحث عن القبر أشبه {برحلة بحث ممتع عن كنز كبير}.

الخان الآخر

قد تحمل وجهة النظر هذه القليل من مشاعر الاستياء. يجهل الناس عموماً أن علماء الآثار الألمان والمنغوليين حققوا اكتشافاً مذهلاً على بعد 320 كيلومتراً غرب العاصمة أولان باتور. فقد عثروا، على ما يبدو في هذا الموقع، على بقايا القصر الذي بناه أوقطاي خان وسط السهول.

من المؤسف، في نظر الباحثين، أن قليلين سمعوا سابقاً بأوقطاي خان. لم يكن يُفترض بهذا الحاكم المغمور نسبيّاً أن يخلف أباه على العرش. ويلقي وصوله إلى الحكم الضوء على الظروف المعقدة التي أحاطت بإحدى سلالات الأباطرة الأغرب خلال القرون الوسطى.

بما أن أوقطاي ولد جنكيز خان الثالث، فلم يكن مرشحاً ليخلف أباه. كان هذا الامتياز مخصصاً لابنه البكر جوتشي. بما أن جنكيز كان شديد العنف وعديم الرحمة في تعامله مع خصومه، كان جوتشي سريع الغضب والتأثر كما والده.

تقاتل جوتشي وجاغطاي بعنف بسبب الخلافة، وراحا يتدحرجان على سجادة خيمة الخان العظيم المصنوعة من اللباد. وأخذا يكيلان اللكمات الواحد للآخر، فيما كان والدهما، سيد الحرب العظيم، يرجوهما ليتوقفا.

أدت هذه الحادثة إلى جلوس رجل يُعتبر، وفق مقاييس اليوم الطبية، مدمن كحول، على عرش الإمبراطورية المغولية. ولكن مقارنة بطباع والده الحادة، يُعتبر أوقطاي وديعاً.

مصلح مبدع

يعتبر المؤرخون الابن الأصغر مصلحاً مبدعاً. فقد أدخل العملة الورقية إلى الإمبراطورية وأنشأ نظاماً بريديّاً. لكن أعظم إنجازات أوقطاي يبقى بناء مدينة في السهول يمكنه منها إدارة مملكته القبلية التي يبدو حكمها مستحيلاً.

تعود هذه الفكرة إلى والده جنكيز، لكن هذا الغازي الثري فضّل تمضية لياليه في المسكن التقليدي الذي ألفه، الخيم المغولية. ففي سهول وادي أورخون، عثر علماء الآثار على البقايا الحجرية لمستعمرة قراقورم الشهيرة، التي ذكرها ماركو بولو في رواياته عن أسفاره.

تشير الأدلة كافة إلى أن أوقطاي أراد من البداية تأسيس مدينة جامعة متعددة الحضارات. يوضح عالم الآثار هوتل: {ثمة حي للمسلمين وآخر للصينيين هنا، فضلاً عن معابد بوذية ومساجد، حتى كنيسة مسيحية}.

وبفضل عمليات المسح الجيومغناطيسية، اكتشف الباحثون أن الجزء الشمالي الغربي من المدينة لم يضم أي أبنية دائمة. لذلك افترضوا أن هذا الجزء خدم في البداية كأرض لنصب الخيم، حيث كان سكان المدينة المغول يقيمون خيمهم. ولم يشجّع أوقطاي أهل الخيم على العمل في التجارة أو الحقول (نشاطان ساهما في ولادة مجتمع ناشئ)، بل تحوّل هؤلاء البدو بعد تحضرهم إلى نخبة حاكمة أحاطت بإمبراطور المدينة، أوقطاي.

إرثان مختلفان

لا شك في أن خطة بناء مدينة في مكان مجهول بدت بعيدة المنال. عثر علماء الآثار على بقايا مشاغل منزلية كبيرة على ضفاف نهر أورخون، وقد بنيت كلها بأمر من الخان الحاكم. كذلك نشط العمل في الزراعة وتربية الحيوانات في المراعي الخصبة المحيطة بقراقورم. لكن هذه المبادرات لم تكن كافية لسد حاجات المدينة. نتيجة لذلك، اضطرت النخبة الحاكمة المغولية إلى إحضار نحو 500 عربة طعام تجرّها ثيران من الصين كل يوم لتحول دون انهيار هذا المشروع.

يقر الخبراء اليوم أن أوقطاي كان بالأهمية ذاتها كما والده. فبفضل غزواته الواسعة، أسس جنكيز خان الإمبراطورية المغولية الكبيرة، التي امتدت حتى أوروبا. إلا أن أوقطاي كان أول مَن نجح في ترسيخ هذا الكيان السياسي المعقد بتأسيسه إدارة مركزية. يذكر هوتل: {لولا أوقطاي لما كان لمنغوليا العصرية اليوم أي وجود}.

خاطر أبوه بحياته بركوبه الحصان بتهور خلال غزواته. لكن أوقطاي نمّى نقطة ضعف مختلفة تماماً: فقد عاش حياة الرخاء والترف وبدد بإسراف ثروته. وقبل سنوات من موته عام 1241، كان هذا الحاكم المغولي قد أفلس.

back to top