هدوء ما قبل العاصفة
يبدو أن انتخابات شهر مايو في باكستان، التي وسمت أول انتقال ديمقراطي للسلطة في البلد، حسّنت الجو العام في كلتا العاصمتين. فتلقى نواز شريف بعيد انتصاره الانتخابي اتصال تهنئة من الرئيس الأميركي باراك أوباما. ومنذ ذلك الحين، أعلنت واشنطن استثمارات جديدة في قطاع الطاقة الباكستاني الكثير التقلبات.
بعد محاولات عدة غير متقنة للبدء من جديد، وصل وزير الخارجية الأميركي جون كيري في 31 يوليو إلى إسلام أباد لعقد اجتماعات مع القادة السياسيين والعسكريين الباكستانيين. صحيح أن هذه الزيارة جاءت في أوقات مضطربة بالنسبة إلى باكستان (عقب عملية فرار كبرى من سجن في ديرة إسماعيل خان أدت إلى هرب نحو 300 سجين، بينهم 25 على الأقل من أعضاء طالبان باكستان ومجموعة عسكر جنقوي المتطرفة) إلا أنها تأتي أيضاً في وقت تُعتبر فيه العلاقات الأميركية-الباكستانية جيدة جدّاً.يبدو أن انتخابات شهر مايو في باكستان، التي وسمت أول انتقال ديمقراطي للسلطة في البلد، حسّنت الجو العام في كلتا العاصمتين. فتلقى نواز شريف بعيد انتصاره الانتخابي اتصال تهنئة من الرئيس الأميركي باراك أوباما. ومنذ ذلك الحين، أعلنت واشنطن استثمارات جديدة في قطاع الطاقة الباكستاني الكثير التقلبات. فردّ شريف بالتعهد بتسهيل انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان وبالتعاون معها في مكافحة الإرهاب.ساد هذا الجو الإيجابي منذ ذلك الحين، ما أتاح إعادة إحياء عدد من مبادرات التعاون السابقة بين واشنطن وإسلام أباد.يبدو الوضع اليوم مختلفاً تماماً عما كان عليه عام 2011، حين أطلق عميل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ريموند ديفيس النار على مدنيين باكستانيين وقتلهم، حين أغارت القوات الأميركية على مجمّع أسامة بن لادن من دون أن تخطر باكستان مسبقاً، وحين قتلت طائرات حلف شمال الأطلسي خطأً 24 جنديّاً باكستانيّاً متمركزين على الحدود الأفغانية-الباكستانية. نتيجة كل هذه التطورات السلبية، كثرت الأعمال الانتقامية والخطابات الغاضبة من كلا الطرفين، فعمدت إسلام أباد إلى إقفال طرق إمداد حلف شمال الأطلسي إلى أفغانستان، ووصف الأميرال مايك مولن، الذي كان آنذاك رئيس هيئة الأركان المشتركة، شبكة حقاني المرتبطة بحركة طالبان بأنها "ذراع حقيقية" للاستخبارات الباكستانية.ظلت العلاقات متوترة خلال عام 2012، حين دعا وزير الدفاع الأميركي حينذاك، ليون بانيتا، صراحةً الهند إلى لعب دور أكبر في أفغانستان، ولا شك أن هذه الرسالة أججت غضب المؤسسة الأمنية الباكستانية، التي ترفض أي نفوذ للهند في أفغانستان.لكن الوضع يختلف اليوم، وخصوصاً أن واشنطن وإسلام أباد لا تحاول إحداهما التفوق على الأخرى في أعمالهما الانتقامية، فضلاً عن أن الخطابات المشحونة تراجعت كثيراً. فبدل أن تنتقد واشنطن باكستان بسبب الخطوات التي ترفض اتخاذها، مثل شن هجوم عسكري على شمال وزيرستان، تثني على ما تقوم به. على سبيل المثال، مدح مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية في شهر مايو باكستان لأنها تبنت تدابير جديدة للحؤول دون استخدام الأسمدة، التي تُنتَج محليّاً، كمتفجرات في أفغانستان. حتى إننا نشهد اليوم تقارباً بين البلدين في مسألة الحرب في أفغانستان، فكلاهما يسعى إلى حمل حركة طالبان الأفغانية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.بالنظر إلى هذه التطورات الأخيرة، هل تسم زيارة كيري إلى باكستان حقبة جديدة من العلاقات الجيدة بين هذين الحليفين المترددين؟ لا تعلقوا آمالاً كبيرة على ذلك. صحيح أن العلاقات الأميركية-الباكستانية تشهد تحسناً ملحوظاً اليوم عما كانت عليه قبل بضع سنوات، إلا أنها لا تزال مضطربة، ومن الممكن أن تنتكس سريعاً. من الأسباب التي قد تزيد التوتر بين البلدين اهتمام إسلام أباد بعقد محادثات سلام مع حركة طالبان باكستان، التي تشن عملية تمرد عنيفة لا ترحم ضد الدولة الباكستانية، عملية تستهدف المدنيين والحكومة والجيش على حد سواء.تخشى واشنطن من أن يؤدي اتفاق سلام بين إسلام أباد وحركة طالبان باكستان إلى استرضاء هذه المنظمة الإرهابية، التي لم تحترم مطلقاً اتفاقات سابقة مماثلة. على سبيل المثال، في مطلع عام 2009، سيطرت حركة طالبان باكستان، بعد عقدها صفقات سلام مع إسلام أباد، على منطقة سوات الخلابة، التي تبعد أقل من مئة كيلومتر عن العاصمة إسلام أباد. فطبقت هذه الحركة شكلاً قاسياً من الشريعة إلى أن استعاد الجيش سيطرته على المنطقة بعد بضعة أشهر. وتخاف واشنطن اليوم من أن تحاول حركة طالبان باكستان، بدل أن تسلّم سلاحها، استغلال وقف إطلاق النار لتعيد تجميع صفوفها وتسعى للسيطرة على مناطق جديدة تتيح لها تشديد حملة اعتداءاتها على آليات إمداد حلف شمال الأطلسي.من الأزمات الأخرى التي يُحتمل أن تعرقل العلاقات الأميركية-الباكستانية حرب الطائرات بدون طيار الأميركية، مع أن الضربات الأميركية تراجعت كثيراً خلال الأشهر الأخيرة. دانت الحكومات الباكستانية السابقة علانية هجمات هذه الطائرات، رغم أنها أيدتها سرّاً، متبعةً بذلك مثال الجيش الذي دعمها بدوره، لكن شريف يبدو متشدداً في هذا المجال، فقد أعلن نهاية سياسة تسهيل هذه الضربات "من الكواليس" وطالب بوضع حدّ لهذا البرنامج في الحال.لا تنوي واشنطن بالتأكيد إنهاء هجمات الطائرات بدون طيار في باكستان قبل أواخر عام 2014، لكن مدى تأثير هذه المسائل في العلاقات الأميركية-الباكستانية في الأسابيع والأشهر التالية سيتوقف على الجيش الباكستان، الذي يُعتبر الحكم النهائي في العلاقات مع الولايات المتحدة. يبدو موقف الجيش من محادثات السلام مع حركة طالبان باكستان والطائرات بدون طيار أقرب إلى واشنطن منه إلى إسلام أباد، فتشير بعض التقارير إلى أن الجيش غير راضٍ عن احتمال التحاور مع متطرفين مسؤولين عن مقتل آلاف الجنود. صحيح أنه لم يستبعد المفاوضات، إلا أن تصريحاته تعكس انزعاجاً كبيراً من احتمال مماثل.إن كان موقف الجيش من هذه المسائل هو حقّاً العامل الأهم، يحدّ هذا الواقع، إذاً، احتمال تجدد التوتر في العلاقات الأميركية-الباكستانية. لكن هذا يضع إدارة أوباما أمام معضلة: تكمن مصالحها في تهميش الجيش الباكستاني الحكومةَ المدنية بحد ذاتها التي تريد واشنطن دعمها. بكلمات أخرى، إذا عاندت الحكومة الباكستانية الجيش، فقد تتأثر المصالح الأمنية الأميركية في أفغانستان سلباً.بغض النظر عما يخبئه المستقبل، تبقى حقيقة مقلقة واحدة راسخة: تواصل المؤسسة الأمنية الباكستانية تمويلها المجموعات المقاتلة التي تهدد الولايات المتحدة وتهاجمها، وإلى أن تعقد السلام مع الهند (خطوة تبدو مستحيلة في المستقبل القريب)، لن تتوقف الدولة الباكستانية عن تأمين الملجأ لطالبان أفغانستان، شبكة حقاني، عسكر طيبة، وغيرها من المجموعات التي تسعى للحد من نفوذ الهند في أفغانستان، ولا شك أن هذا يشكّل تهديدًا مباشرًا للجنود الأميركيين.إذًا، من المتوقع أن تقتصر زيارة كيري على المصافحات والابتسامات المتبادلة، وقد نسمع إعلانات عن مشاريع مساعدة اقتصادية أميركية جديدة، عن التعاون بشأن أفغانستان ومكافحة الإرهاب، وعن جداول زمنية لإعادة إطلاق الحوار الاستراتيجية ومحادثات معاهدة الاستثمار الثنائية.لكن مظاهر الود هذه تخفي وراءها مشاكل واضطرابات، وبدل أن نعتبر زيارة كيري لباكستان مقدمة لفترة طويلة من العلاقات الجيدة، يجب أن ننظر إليها على أنها استراحة وجيزة من التوتر الذي شاب العلاقات في السنوات الأخيرة، ذلك التوتر الذي يمكن أن يعاود الظهور بسرعة في الأشهر المقبلة.