حالات الانتحار في مزار شريف... حرّية سامّة لنساء أفغانستان
جمعت نساء مزار شريف بين عالمَي الحريات الغربية والتقاليد المحافظة طوال عقد من الزمن. فيما تستعيد حركة {طالبان} قوتها تزامناً مع انسحاب القوات الغربية الوشيك، تجتاح موجة من حالات الانتحار أكثر مدينة ليبرالية في أفغانستان. {شبيغل} زارت مزار شريف.
قررت فاريبا غول الموت وهي ترتدي البرقع. لبست ثوبها التقليدي الذي لا ترتديه في العادة واتجهت نحو المسجد الأزرق. هناك، في أقدس مكان من مدينة مزار شريف في شمال أفغانستان، ابتلعت الملاثيون، وهو مبيد حشرات. ركضت نحو الساحة حيث كانت مئات الحمائم البيضاء تنتظر الزوار لإطعامها. حين أحاطت بها الطيور، بدأت تشعر بالتوعك.يقول عمها فايز محمد الذي اتصلت به قبل ابتلاع السم: {كانت فاريبا تتمدد على الأرض حين وصلتُ وكان الناس يقفون حولها. كانت تصرخ طلباً للمساعدة}. حمل قريبته ووضعها في سيارة أجرة واصطحبها إلى المستشفى. كانت الرغوة تتسرب من فمها وكانت تفقد وعيها ثم تستفيق بشكل متقطع. بعد مرور ساعة، توفيت فاريبا غول التي تبلغ 21 عاماً. ماتت في اليوم نفسه وفي المستشفى نفسه مثل شقيقتها نبيلة، ابنة السادسة عشر.
وراء هذه المأساة تكمن قصة حب بريئة بحسب الأقارب. كانت الشقيقتان تتقاتلان وقد بالغت نبيلة في رد فعلها: لقد وقعت في الحب. يقول الأقارب إن فاريبا ثارت غضباً واعتبرت سلوك نبيلة {غير لائق} وطالبتها بإنهاء العلاقة. شعرت الشقيقتان بغضب عارم وكانتا تتبادلان الصراخ، فدخلت أمهما إلى الغرفة وصفعت نبيلة. ثم أخذت نبيلة السم من خزانة والدها وابتلعته في غرفتها. بعد بضع ساعات، ابتلعت فاريبا الحبوب نفسها. لقد شعرت بالذنب بحسب عمها.يخيّم خبر انتحار الشقيقتين على المدينة كشبح مظلم. تُعتبر مزار شريف إحدى أكثر المدن هدوءاً وليبرالية في أفغانستان. لكن هل يمكن أن تنذر الحادثة بما ينتظر البلد حين تبدأ القوات الغربية بالانسحاب في المستقبل القريب؟تضمن الإقامة في مزار شريف العيش في مكان آمن نسبياً. لكن تعمد النساء في هذا المكان إلى إيذاء أنفسهن الآن. هذه الحوادث محيّرة طبعاً ولكنها ليست وليدة الصدفة.في مزار شريف أكثر من أي مكان آخر في أفغانستان، تعيش المرأة حالة تمزق بين التقاليد وحريتها المكتسبة حديثاً، وبين توقعات العائلة وطموحاتها الشخصية. تشعر بأنها عالقة في مجتمع محافظ جداً لكنه يقدم في الوقت نفسه ما يكفي من الحرية كي تكتشف المرأة أسلوب حياة غربي ومعاصر. تستطيع الفتيات الذهاب إلى المدرسة، والنساء العمل، ويمكن أن يتصفح الجميع الإنترنت وأن يشاهدوا القنوات التلفزيونية الفضائية. لكن تستمر مشاكل الزواج الإجباري والعنف المنزلي وضوابط كثيرة أخرى بالنسبة إلى عدد كبير من النساء، وهي أمور يصعب تحمّلها. في ظل هذه الظروف، قد يصبح اختيار طريقة وتوقيت الموت شكلاً من أشكال تقرير المصير.عندما سُئل مدير شرطة المدينة عن ظاهرة انتحار النساء، ادعى أن هذه الأمور {تحدث في مقاطعة هرات فقط أو في قرى جبلية نائية}. لكن تشير منظمات حقوق المرأة إلى أن الفقر وغياب التعليم هما العاملان الأساسيان لتعدد حالات الانتحار.لكن يقع منزل عائلة الشقيقتين الراحلتين في إحدى أفضل مناطق البلدة. إنه منزل واسع وحالته جيدة وله حديقة مليئة بالأزهار المتفتّحة. دعتنا والدتهما، مارزيا غول، إلى دخول المنزل وجلست على الأريكة في غرفة المعيشة وقالت: {فاريبا، ابنتي الكبرى، درست الحقوق. أرادت أن تصبح محامية مثل والدها}. كانت ستنهي امتحاناتها الأخيرة بعد سنة. أما نبيلة، الابنة الصغرى، فكان أداؤها جيداً في المدرسة أيضاً وأرادت أن تصبح صحافية.نهضت مارزيا وتوجهت نحو الخزانة وأمسكت صورة موضوعة في إطار زجاجي. في الصورة تظهر فتاة صغيرة مبتسمة ولها جدائل ونمش على وجهها. قالت أمها: {كانت لطيفة جداً ومتعاونة}. ثم خفت صوتها بسبب تأثرها.مكان عنوانه اليأسانتحار الشقيقتين أمر مقلق لأنهما كانتا تعيشان حياة ميسورة في هذا البلد الغارق في المعاناة منذ فترة طويلة. كانتا تشاهدان أفلام بوليوود وتملكان هواتف خلوية وتستطيعان تصفح الإنترنت. بالإضافة إلى ارتداء الجينز ووضع الماكياج، كانتا تلبسان الحجاب لكن ليس البرقع. لم تكونا مجبرتين على الاختباء من العالم.كما أنهما عاشتا في مدينة لا تُجبِر الميسورين على الانزواء وراء جدران الإسمنت. يسيطر حاكم نافذ على الحياة في هذا الجزء من أفغانستان، وهو يتمم واجباته بفاعلية قصوى لدرجة أن السكان لا يشعرون عموماً بالخوف من الموت نتيجة هجوم مفخخ. يُسمح لعمّال الإغاثة الأجانب بالتنقل بكل حرية. وبالكاد يرى الزوار أي أسلحة في الشوارع. بل إنهم يشاهدون النساء في الأسواق وهن يجرّبن الأحذية ويضعن كحل {كاجل} التقليدي ويغطين جزءاً من شعرهن بحجاب.نظرياً، تُعتبر مدينة مزار شريف مكاناً يبث الأمل. لكن بالنسبة إلى قسم الطب الباطني في المستشفى المحلي على الأقل، المدينة مكان عنوانه اليأس.قال الطبيب خالد باشارمال فيما كان يُخرج مفكّرته: {أيام الجمعة هي الأسوأ. ثماني محاولات انتحار في يوم واحد}. راح يقرأ أسماء أحدث المريضات: ريحانة، رويا، شكرية، تيرينا، رحيمة. تشمل اللائحة أيضاً اسم شابين.يقول باشارمال: {إنها كارثة حقيقية. منذ شهر مارس الفائت، شهدنا أكثر من 200 حالة}. كانت الشقيقتان فاريبا ونبيلة غول من بين مرضاه أيضاً. كان باشارمال يتعرق تحت ردائه الأبيض وبدت عليه معالم الإرهاق. لقد حل الظهر وكان مجبراً على العمل لنوبة جديدة تدوم حتى ساعات الليل.ما من إحصاءات رسمية عن عدد الحالات ولا أحد يستطيع التأكيد على الأرقام. لكن يُقال إن أفغانستان أحد البلدان القليلة في العالم حيث تنتحر النساء أكثر من الرجال. استنتجت دراسة حديثة أن خمس نساء من أصل 100 ألف ينتحرن كل سنة. لكن يُفترض أن يكون الرقم الحقيقي أعلى بكثير، لا سيما في المناطق الريفية البعيدة عن المدن الكبرى. يُقال إن أكثر من 1.8 مليون امرأة في أفغانستان (تشمل حوالى 31 مليون نسمة) مصابات بالاكتئاب.صرخة استغاثةكل من يزور قسم الطب الباطني في مزار شريف لا يحتاج إلى أي إحصاءات. نجد هناك غرفة فيها جدران فارغة من دون أي معدات طبية. تتوافر ثمانية أسرّة فقط. دخلت مريضة جديدة كانت قد حاولت الانتحار بدورها. وضعتها الممرضات على أحد الأسرّة الفارغة. أُزيل حجاب الفتاة فظهر وجهها الجميل. لكن كانت عيناها جامدتين على نحو غريب. أدخلت إحدى الممرضات أنبوباً في أنف الفتاة فتدفق سائل مالح في جسمها. حين أُعيد ضخه من معدة الفتاة نحو عبوة بلاستيكية، كان السائل شديد السواد. فقال باشارمال: {إنها حبوب منوّمة}.تستلقي رويا على سرير آخر، وهي شابة نحيلة نجت من الموت في الليلة السابقة. ادعت عائلتها أنها تبلغ 24 سنة حين دخلت إلى المستشفى، لكن يظن باشارمال أن رويا هي أقرب إلى 18 سنة. بالكاد لديها القوة للتكلم، لكنها قالت بصوت خافت إنها حقنت عروقها بِسمّ الفئران وهي تشير إلى الجزء الداخلي من ذراعها اليسرى.كانت رويا قد خططت لموتها بشكل دقيق. قصدت في البداية طبيبها العام وحصلت على وصفة طبية لدواء يخفّض ضغط الدم مع إبرة، ثم اشترت سم الفئران. اعترفت بأنها كانت يائسة وأرادت الموت.دخلت والدة رويا الغرفة مع شقيقها. قال الأخير: {لقد عاشت حياة سعيدة. ما من مشاكل}. فأومأت رويا برأسها. يبدو أنها لا تجرؤ على معارضته.في الطابق السفلي تقبع زارغانا، قريبة رويا وتبلغ 28 عاماً. كانت قد ابتلعت حبوباً منوّمة ومبيدات حشرات، وبدأ السم الآن يهاجم أعضاءها الداخلية. لقد نُقلت سريعاً إلى غرفة الطوارئ التي تتقاسمها مع امرأتين أخرتين. كانت إحداهما عارية وكان جسمها مغطى بالكدمات. وكانت الأخرى صغيرة السن وجسمها ملطخ بالدم وقد دخلت في غيبوبة. هل كانت النساء ضحية حادث ما؟ عنف منزلي؟ لا تقدم الممرضات أي أجوبة قاطعة.تابعت زارغانا الصراخ طوال الليل: {لا أحد يصغي إلي!}. حين وجدت الآن من يسمع قصتها، راحت تدفع الشرشف وطرف ثوبها بيدين مرتعشتين، ثم أشارت إلى عنقها وكتفيها. كانت بشرتها مليئة بالندوب والبقع البيضاء. اعترفت زارغانا بأنها حاولت قتل نفسها مرتين. كادت تنجح في المرة الأولى، فقد أخذت البنزين من مولّد كهربائي في الحمّام وسكبته على نفسها وأشعلت عود الثقاب وراحت تحترق كشعلة بشرية. ثم فكرت بأولادها وأصبح الألم حاداً جداً، ما دفعها إلى البحث عن بطانية كانت معلّقة مع الغسيل في فناء المنزل. فنجحت في إخماد النار. بعد ذلك، بات سهلاً أن نرى عظامها الشفافة تحت جلد ظهرها.حصل ذلك قبل ستة أشهر. تلقت زارغانا العلاج في كابول حيث أجرى لها الأطباء عمليات لزراعة الجلد. دفع والدها التكاليف، وهو موظف حكومي ميسور.أوضح د. باشارمال: {لا تريد كثيرات الموت فعلياً، بل إنهن يبحثن عن مخرج معين. يرغبن في أن يصبحن قدوات للآخرين}. لكن في حالة واحدة من أصل عشرة، تنتهي صرخة الاستغاثة هذه بالموت.داخل دوامة لامتناهيةيقودنا البحث عن أدلة قد تفسر ما دفع زارغانا إلى محاولة الانتحار إلى شارع مغبر في ضواحي البلدة. خرجت الآن من المستشفى وعادت إلى منزلها. من المستبعد أن تتعافى من الألم الحاد الذي لا يفارقها، فقد سبب لها السم أضراراً كثيرة في المعدة والكليتين.تجيد زارغانا القراءة والكتابة، حتى إنها تتكلم بعض الإنكليزية. طوال سنوات، كانت تعمل في منظمة محلية لحقوق الإنسان. في البداية، تطوعت لتعليم النساء الريفيات في القرى وشرح حقوقهن، ثم أصبحت موظفة لها راتب خاص. ساهمت تلك الأموال في إعالة عائلتها وكانت تكسب أكثر من زوجها. تقول زارغانا قبل أن تجهش بالبكاء: {كنت امرأة ناجحة جداً}. لكنّ ذلك النجاح هو نصف قصتها الحقيقية. حين كانت في الثالثة عشرة فقط، حصل زوجها المستقبلي على وعد بالزواج منها، كما يحصل مع عدد كبير من نساء أفغانستان. تُجبَر 60% إلى 80% من مجمل نساء أفغانستان على الزواج حتى الآن بحسب تقديرات منظمة مستقلة لحقوق الإنسان، ولا يتجاوز عمر 15% من العرائس السادسة عشرة.كان عريس زارغانا هو ابن زوجة أبيها: {سُمح لي بمتابعة الدراسة لأنني ناضلتُ للقيام بذلك}. في أحد الأيام، اختفى زوجها وتركها وحدها مع أولادهما السبعة. في السنتين الأخيرتين، لم يظهر إلا في مناسبات متقطعة. خسرت زارغانا وظيفتها ومصدر دخلها. أرادت الطلاق لكن منعها والدها.حين تتحدث زارغانا، تبدأ أحياناً بالارتجاف لدرجة أن أسنانها تصطكّ. كانت ابنتها الصغرى التي لا تتجاوز السنتين تجلس في إحدى الزوايا. لقد تلاشت صرخات زارغانا المستغيثة من دون أن يسمعها أحد. يتابع جسمها المتفكك جرها إلى دوامة لامتناهية من الدمار الذاتي والاكتئاب. يبدو أنها فقدت كل أمل بحياة سعيدة.سرعان ما تأجل اللقاء معها فجأةً حين ظهر بعض الرجال على بوابة الحديقة، فطلبوا من الصحافيين المغادرة لأن شيئاً لا يستحق المشاهدة هناك.تابوتانوقفت مارزيا غول، والدة الشقيقتين، في حديقتها وقالت: «هنا وجدت نبيلة. قبّلت يدي وقالت إنها آسفة». في المستشفى، كانت نبيلة تصرخ من الألم وتؤكد أنها نادمة على كل شيء. جاء الأقارب لزيارتها. كان والدها ووالدتها يجلسان إلى جانبها ويمسكان يديها ويبكيان. بعد ساعتين، ماتت نبيلة. فانهار والدها وأعطاه الطبيب مهدئاً.أُعيدت جثة نبيلة إلى منزل أهلها في تابوت خشبي. كانت عائلتها ترثيها وتصلي وتنشد الترانيم. بعد فترة قصيرة، لاحظت الأم أن فاريبا غادرت المنزل وهي ترتدي البرقع: {ظننتُ أنها أرادت الخروج لإبلاغ الآخرين بما حصل}.لكن قصدت فاريبا المسجد الأزرق. لم تعد إلى المنزل في تلك الليلة، فاتصلت أمها ببعض الأقارب. فأخبروها بأن فاريبا في المستشفى وأن وضعها جيد.أمضت مارزيا الليلة بقرب تابوب ابنتها وهي تبكي وتقبّل الخشب. في الصباح، قصدت المستشفى. فأخبروها هناك بأن فاريبا {أصبحت في منزلها}. عندما عادت مارزيا إلى المنزل، وجدت تابوتين خشبيين جنباً إلى جنب.كبح مسار التقدمبالنسبة إلى عدد كبير من نساء أفغانستان، وإلى بعض الرجال أيضاً، يبدو أن التناقضات العميقة هي التي تستنزف رغبتهم في الحياة. تصر النزعة المحافِظة في المجتمع على التحكم بكل شيء، وصولاً إلى أدق التفاصيل الحميمة. لكن اكتشفت الطبقة الوسطى في المدن طرقاً مغايرة للعيش.برزت مالالاي جويا، الناشطة والسياسية السابقة التي تطالب بملاحقة أمراء الحرب ورؤساء عصابات المخدرات. وبرزت أيضاً إيلاها سورور، المغنية التي ظهرت في البرنامج التلفزيوني {نجم أفغانستان}، وهي تتابع إنتاج الأغاني على رغم التهديدات بقتلها. وثمة ختول محمد زاي، القائدة العسكرية الوحيدة في الجيش الأفغاني. يمثلن جميعاً الحلم المستحيل على ما يبدو: الحرية ومقاومة التقاليد.حين غزت القوات الغربية أفغانستان في عام 2001 وأنهت حكم {طالبان}، بدأت الظروف تتحسن بالنسبة إلى نساء أفغانستان. على سبيل المثال، تمكنت الفتيات من العودة إلى المدارس وأصبح الرجال والنساء متساوين في نظر القانون. لكن تزداد المؤشرات الآن على احتمال كبح مسار ذلك التقدم.خلال السنة الماضية، ارتفع عدد النساء اللواتي تعرّضن للاعتقال والسجن بسبب ارتكاب {جرائم أخلاقية} بنسبة قياسية. في شهر مايو الفائت، قرر البرلمان في كابول عدم تمرير تشريع يجرّم العنف ضد النساء. بل يفكر النواب الآن بإقرار تعديل يمنع الأقارب من الإدلاء بشهادتهم في المحاكم، ما يصعّب إصدار الأحكام في قضايا العنف المنزلي. كذلك، تراجعت الكوتا النسائية في مجالس المحافظات حديثاً من 25% إلى 20%.على صعيد آخر، بدأت {طالبان} تستعيد جزءاً من قوتها العسكرية والسياسية. يشعر خبراء حقوق الإنسان بالقلق من أن يبدي الغرب، فضلاً عن حكومة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، استعدادهما للتضحية بحقوق المرأة بهدف التوصل إلى تسوية مع الإسلاميين.إذا حصل ذلك، لن يبقى الانتحار المزدوج للشقيقتين غول في مزار شريف استثناءً على القاعدة.