التقدم والحداثة... من الشبح إلى الطاعون

نشر في 12-05-2013 | 00:02
آخر تحديث 12-05-2013 | 00:02
No Image Caption
{أشباح غويا} ليس فيلم سيرة سينمائية عن الفنان الإسباني العنيف والسوداوي فرانسيسكو غويا، على عكس ما يبدو في العنوان، لكنها أشباح وثقها الفنان في لوحاته لتجسد أحداث عصر ملتبس ودموي، ليتسع النص كمرافعة أو محاكمة معلنة لمحكمة التفتيش وعصر استثنائي، كان يراد له أن يكون تدشيناً لأنوار انقلبت إلى عتمة، وأنسنة تحمل بذور موتها.
جثة {لورينزو} على عربة مهترئة يحوم حولها عدد من الأطفال، فيما كانت {اينياس} نصف المجنونة والتي اغتصبها عضو محكمة التفتيش والمتنور لاحقاً لورينزو في سجنها الذي قبعت فيه سنوات طويلة، تمسك بيده، تلثمها وتقبلها، وتبتسم ببلاهة. أما الفنان فكان يلحق بكل هذا الركب من دون أن يتمكن من الإصغاء إلى النشيد الجنائزي للجوقة المرحة... الجثة والأطفال والفنان والحمقاء نصف العاهرة... موكب يخط طريقه إلى الأمام عدا طفل شاذ يمشي محدقاً إلى الخلف، مختتماً بذلك آخر مشهد من {أشباح غويا} حيث يمكن تلمس نهاية، أرداها المخرج التشيكي فورمان، نهاية مفتوحة.

يتسم غويا الأصم برؤية خارقة استطاعت أن تستشف في وعد التحرير النابليوني عبودية وطغياناً أشد فتكا، تجليه الفتاة {اينياس} التي كانت تشكل على امتداد التجربة الفنية موديلاً ساحراً وشاهد إدانة في آن، إدانة لعهود الكنيسة، كما لعهد التنوير وحقوق الإنسان والمواطن، كأن الفنان أراد أن يعلن من خلال أشباحه عن موت وشيك للحداثة الإنسية... لإنسان {يتقدم} ولكن إلى الخلف... لخطاب متلون يحجب وحشيته... لكائن شبحي فينيقي يتعالى على الزمن ويتسلل إلى الأقنعة كلها، في مرونة كاملة للشبح المنتصر. وفي لعبة الانتصارات والمحاكمات المتبادلة بين التنوير ومحكمة التفتيش يبدو التاريخ كما لو كان يمشي على الجثث، التاريخ معركة طاحنة مباغتة مستهترة، {لا تتقدم الأزمنة إلا دوساً على الجموع وسحقاً لها}، كما يقول سيوران الذي لا يرى في المستقبل إلا هستيريا كونية.

تاريخ دموي

في لوحات غويا تصوير لتاريخ دموي، لا يعلن عن استمراريته إلا في الخطيئة، في السقوط الحتمي والمواكب لمسيرة التحضر، تاريخ مخترق بثيمة المأتم والجنائز، الجميع يقتل الجميع، الكل يقمع الكل، الوجوه تتبدل لكن العلاقة السلطوية واحدة، التاريخ صيرورة وتحول، لكنه تحول الطفل، قائد الجوقة، الذي لا يحفل بمآلات المسير، لا ينظر إلى الأمام، ولا يكترث بالمخبوء في الحاضر والمستقبل، إنه يتقدم وحسب.

تحد من هذا الاتساع الدلالي للمشهد الختامي بداية تأخذ شكل فضيحة، حيث يبدأ الفيلم باجتماع يناقش فيه رجال المحكمة الإساءة التي ستلحقهم بصورة فضائحية نتيجة لأعمال الفنان {غويا}، لكن الانفضاح أو الشعور بالعار ليس ناجماً عن هرطقة مباشرة أو هتك لقيم دينية، غويا لا يكن شعوراً عدائياً للكنيسة، بل على العكس، الفضيحة ناجمة عن كشف التواشج بين أطراف اللعبة، ثمة تبادل أدوار، ثمة مسرحية داخل مسرحية يتعين على الفنان أن يزيح عنها الستار.

وعلى خشبة المسرح ذاته، يتحول التسلط الكنسي، في لعبة التحولات الخيميائية، إلى شمولية. غويا سيكشف عن نماذج ستخجل منها فظائع نابليون، نماذج تتسلل إلى داخل الروح وتحدث داخلها مجساً للرقابة، رقابة في كل مكان، كما الهواء والشجر والأسلاك الشائكة {الأخ الكبير يراقبك} كما كان يقال لونستون بطل رواية {1984} لجورج أورويل، فاضح الشموليات، ونستون الذي بدأ كارهاً {للأخ الكبير} يجد نفسه متورطاً في حبه بعد سلسلة طويلة من حفلات التعذيب والرقابة والجهوزية الكاملة لسيكولوجية ممتثلة، هو آخر إنسان يمكن أن يدان بجريمة الفكر، هذا الإنسان سينقرض وستنقرض معه كل جرائم الفكر لأن تقدماً حاسماً سيفرض ذلك الأرخبيل الاعتقالي الكبير الذي تمكن ميشيل فوكو من رؤيته وهو يتسلل إلى جسد المدينة: الحضارة التي صنعت الحريات هي ذاتها التي صنعت القيود.

تطبيع الموت

مدينة الاعتقال هي مدينة الموت، ليس ذلك الموت المنفي، ولكنه المستعاد والمجاور للحياة، والذي يندس في تفاصيلها. ثمة محاولة لتطبيع الموت، لجعله حدثاً يومياً معاشاً ومألوفاً، الموت المستعاد هو الموت المبعثر والذي يتخذ شكل التقدم. كانت أوروبا الأنوار في القرن الثامن عشر شاهدة على حدث التدشين في فضاء تمجيد الموت، منذ ذلك الحين والموت يتخذ أشكالاً عدة: موت المقدس الديني الذي سينبعث في صورة معلمنة {لخرافة تجلب سوء الحظ}... موت الإنسان الذي أعلنته البنيوية بتهشيمها لدور الذات {الإنسان} لصالح العلاقة أو المنظومة أو النسق، ثم يتصاعد الموت ليعلن عن فناء الواقع نفسه، الواقع المنزاح دائماً والعصي على كل تحديد مفهومي، وبموت الواقع تبقى الفلسفة لتعري وتهدم سذاجة الرؤية المتفائلة. لقد أنجزت الحضارة الغربية تقدماً تقنياً ومدنية مبتهجة بحرياتها ولكن أيضاً بسجونها، وإذا كانت الحكمة الوحيدة في التاريخ كما يعلن سيوران هي حكمة التفاوت في الخراب وحجم المجزرة بين وطن وآخر، بين العالم المتقدم والعالم الثالث، فسندرك هول المفارقة في الوطن العربي حيث يستورد تقنية الموت دون الحياة والحرية والوجه الضاحك لشبح الحضارة الغربية، لم يجلب العرب من مدينة الأنوار والحداثة إلا الوجه السادي للتقنية. كان العربي بارعاً في ممارسة انتقائيته لتبيئة الأرخبيل الاعتقالي، فإذا كانت الحرية تستدعي القيد، فإن العربي كسر التعالق ليكتف بتقنية السجن في تبيئته الفذة للحداثة. لم يكن التحديث العربي شكلياً وحسب بل كان تكريساً للوجه المرعب، للجثة المحنطة.

نزعة عسكرية

لكن الجثة استحالت إلى وباء مراوغ والجنازة إلى طاعون، الطاعون حالة نموذجية للانضباط، لنزعة عسكرية معممة في كل تفاصيل المدينة، كما تبين تحليلات ميشيل فوكو، الطاعون هو النموذج الذي يساعد المستبد على تخيل كيفية بسط الهيمنة، السيادة، الحضور حتى في غرف النوم، وخلجات الضمير، الطاعون الذي يعكس ويتجاوز في آن آليات فحص النوايا لمحكمة التفتيش الإسبانية، وانتشار الطاعون هو توغل السلطة إلى الذات، إلى الفرد بصفته أثراً وبياضاً لوشمها... في رواية الطاعون لألبير كامو تتجسد السلطة في طاعون يجثم باستمرار... حتى وإن تحقق النصر على الطاعون فلن يكون نصراً نهائياً، قال ألبير كامو على لسان الراوي: {كان يعرف ما كان هذا الجمهور الفرح يجهله... بإمكان المرء أن يقرأ في الكتب أن قصيمة الطاعون لا تموت ولا تختف قط... وأن يوماً قد يأت يوقظ فيه الطاعون جرذانه}.. إنه شبح من أشباح غويا!

* كاتب من السعودية

back to top