حمى الذهب الرقمية ازدهار عملة بتكوين ومخاطرها الكثيرة
خلال أزمة اليورو، يعلّق المستثمرون الجريئون آمالهم على عملة الإنترنت، بتكوين (Bitcoin). فقد جعل ازدهار هذه العملة الافتراضية البعض فاحشي الثراء. لكن المصارف المركزية تنظر إليها بعين الريبة، وخصوصًا أن هذه العملة ليست محصنة البتة ضد الانهيار. «شبيغل» تحدثت عن هذه القضية.
احتفل نوع مختلف من المضاربين أخيرًا بطفرة غير متوقعة في حانة Room 77 في برلين. فقد اجتمع عدد من مهووسي الإنترنت والناشطين، وهم يرتدون القمصان القطنية والأحذية الرياضية، في هذه الحانة في حي كروزبرغ، التي تقدّم عروضًا موسيقية حية وبرغر يحمل الاسم {فيدل كاسترو}. ودفعوا فاتورتهم من مصدر ثروتهم الحديثة: البتكوين (Bitcoin)، عملة بديلة تُستعمل على شبكة الإنترنت.يخبر مالك الحانة يورغ بلاتزر: «يأتي شخص واحد على الأقل إلى الحانة كل يوم تقريبًا ويسدد فاتورته بعملة البتكوين». وفي هذه الحانة يعقد داعمو هذه العملة الافتراضية اجتماعهم الشهري. وفي أحد الأيام، بعد أن بلغت قيمة البتكوين ذروةً لم يسبق لها مثيل، مسجلةً 150 دولارًا (115 يوروًا)، «لم يستطع كثيرون منهم التوقف عن الابتسام فيما كانوا يسددون فواتيرهم، لأنهم تذكروا كم ضئيلة كانت قيمة عملتهم قبل سنة»، وفق بلاتزر.
حتى اليوم، اعتُبرت هذه العملة، التي ابتُكرت عام 2009، تجربةً لطيفة يقوم بها قراصنة الإنترنت وعدد من الليبراليين وأنصار الفوضوية. كانت قيمة البتكوين السنة الماضية متدنيةً ومستقرةً على نحو 5 يورو. لكنّ البعض تحوّلوا اليوم فجأةً إلى أثرياء، ومنهم ريك فلاكفينج، مؤسس حزب القراصنة السويدي. يقول: {استثمرت أصولي كلّها في البتكوين. وأعمل اليوم على تحويل نصفها إلى عملات أخرى. لم يسبق أن ملكت هذا المقدار الكبير من المال}.لفتت هذه الزيادة في قيمة البتكوين (تساوي اليوم أكثر من 190 يوروًا) وسط أزمة اليورو انتباه منظمات المراقبة المالية ومسؤولي أجهزة تطبيق القانون. فأجرى البنك المركزي الأوروبي تحقيقًا حول البتكوين وغيرها من العملات الافتراضية السابقة، التي لا تخضع لأي ضوابط، في شهر أكتوبر الماضي. فأشار تقريره النهائي إلى أن هذه العملات لا تشكل أي تهديد على استقرار الأسعار في الوقت الراهن، مع أنها قد تتحول إلى {تحدٍّ} للسلطات الحكومية.يوضح المسؤولون في وزارة المالية الألمانية أنّهم يراقبون عن كثب تطوّر هذه العملات. ويذكّر متحدّث باسم هذه الوزارة أنّ البتكوين لا تهدد احتكار الدولة للمال في الوقت الراهن. لكنه يضيف مؤكدًا أن {أعمال إنشاء عملات خاصة} يتناقض مع تحكم الحكومة في إمداد المال. نتيجة لذلك، رأت وزارة المالية في الولايات المتحدة ضرورة اتخاذ خطوات حازمة. فقررت نحو منتصف شهر مارس الماضي إخضاع البتكوين إلى التنظيمات الأميركية التي تفرضها على تبييض الأموال.مراقبة عن كثبلا عجب في أن الحكومات تنظر بعين الريبة إلى المال الرقمي. فقد ابتُكر في المقام الأول لكسر احتكار المصارف المركزية. أراد مخترعها، الذي يُعرف باسمه المستعار فحسب، ساتوشي ناكاموتو، جعلها وسيلة دفع مباشرة ومجهولة على شبكة الإنترنت تجعل الوسطاء (أمثال PayPal) وشركات بطاقات الائتمان غير ضرورية. بدأ أخيرًا عدد متزايد من الباعة المشهورين يقبلون البتكوين ويستخدمونها كوسيلة لتسديد الفواتير. ضم الحفل في برلين صانع الأفلام آرون كونيغ، الذي يدفع لخبراء التحريك (animation) في الهند بالبتكوين. لكن هذه العملة تلقى أيضًا الرواج بين مجرمي الإنترنت.لا تتوافر البتكوين في ماكينات الصرف الآلي. وكي تتمكن من دخول سوق هذه العملة، عليك أن تُنزل برامج مجانية وتنشئ حسابًا بدون الحاجة إلى أن تحدد هويتك. يستطيع المستخدمون أن يستعملوا الدولار أو اليورو لشراء أولى البتكوينات لهذا الحساب، أو حافظة النقود الرقمية، في أسواق مثل Mt. Gox، أو يمكنهم {التنقيب} بأنفسهم عن العملة باستعمال كمبيوترات خاصة تُدعى {منصات التنقيب}.تتنافس هذه الكمبيوترات، التي تتمتع ببطاقات رسوميات فائقة السرعة، في مسابقات حوسبة عالمية لها حل واحد فحسب. فيحصل الفائزون في كل جولة على مجموعة جديدة من البتكوين. صُمم هذا النظام ليجعل التنقيب عن البتكوين أكثر صعوبة، بما أن إمداد المال محدّد، ويبلغ ذروته قرابة الحادي والعشرين مليون بتكوين، وهذا أحد مبادئ {الإمداد المحدود}، الذي يشبه إلى حد ما فكرة أن كمية الذهب في العالم محددة في حين أن العملة الورقية قد تُطبع بكميات غير محدودة. في الماضي، كان بإمكان المبتدئين الذين يملكون كمبيوترات عادية الفوز في التنقيب. لكنّ المحترفين يهيمنون اليوم على هذا الحقل.خطر القراصنةبما أنّ الازدهار الراهن بدأ خلال الأزمة القبرصية، اعتقد كثيرون أنّ القبارصة والإسبان القلقين يلجأون إلى البتكوين بصفتها عملةً آمنة محصّنة ضدّ التضخم. لكن جون ماتونيس من منظمة البتكوين، التي تعتبر نفسها مجموعة تضم عددًا من مؤيدي العملة البديلة، يخالفهم الرأي. يذكر: {ما زالت معظم التحويلات تأتي من مناطق ميسورة، مثل الولايات المتحدة وأوروبا الشمالية. لذلك لا دخل لما نشهده اليوم بفقاعة قبرص}.يرى غاتيس إغليتيس، الذي أسّس أول صندوق تحوط للبتكوين مع شركة Exante الاستثمارية في مالطا، تزايد طلب المستثمرين الكبار على هذه العملة. ويشدد على أنّ كل المستثمرين يدركون تمامًا المخاطر. يقول: {أخبرنا عملاءنا: إما تكدسون ثروة أو تخسرون كل شيء}.تكمن المفارقة في أنّ عدم استقرار نظام البتكوين تجلى بوضوح في أنجح أسابيعها حتى اليوم. فخلال ذروة البتكوين هذه، تعرضت معظم مواقع صرف البتكوين وتزويد الحسابات، مثل Mt. Gox وInstawallet، فجأةً لهجمات إلكترونية. وسبق أن تراجعت قيمة هذه العملة كثيرًا عام 2011، بعد أن سرق القراصنة عددًا من المحفظات الرقمية.علاوة على ذلك، يشكّل الكمبيوتر الشخصي بحد ذاته خطرًا. يخبر المبرمِج ستيفان توماس: {خسرت في الماضي 7 آلاف بتكوين لأنني نسيت أن أعدّ نسخة احتياطية من بياناتي}. وهكذا ضاع هذا المال الافتراضي. ولو لم يفقد توماس هذا المبلغ لكان كسب ثروة حقيقية الأسبوع الماضي.