آخر عشاء للملك فاروق

نشر في 28-07-2013 | 00:02
آخر تحديث 28-07-2013 | 00:02
بعض الجرائم لا يمكن الوصول إلى فاعليها، فتظل عالقة في الهواء، لا القانون استطاع أن يكشفها ولا الشهود توصلوا إلى الفاعلين. على رغم ذلك يبقى الانتقام الإلهي قادراً، دون غيره، على تحقيق القصاص من المجرمين معدومي الضمير، الذين ساعدتهم الظروف في الهروب من فخ القبض عليهم، ناسين أن العدالة الإلهية لا تعرف عبارة «ضد مجهول».
كل شيء كان يجري كالمعتاد داخل هذا المطعم الإيطالي الشهير... الملك فاروق آخر ملوك مصر يجلس إلى مائدته المعروفة إلى جانبه صديقته مغنية الأوبرا المعروفة إيرما ويقدم النادل طعام العشاء للملك في الموعد المحدد المعتاد أيضاً، لكن بعد دقائق يتلوى الملك ويستغيث... ويفارق الحياة.

نشرت وكالات الأنباء الخبر، وتردّد في كثير من عواصم العالم أن الملك فاروق مات مقتولاً، وأن مصر هي التي قتلته. وكان دليل هؤلاء أن النادل الذي قدم طعام العشاء للملك ضابط في المخابرات المصرية... وأنه عاد بعد الحادث مباشرة إلى مصر ورقّي وصار محافظاً للقاهرة... بالطبع نفت مصر ذلك، لكن بقيت شبهات وعلامات استفهام عريضة تحيط بالحادث، وظروفه الغامضة، وضابط المخابرات المصري الذي عمل نادلاً في المطعم نفسه الذي يسهر فيه فاروق ويتناول عشاءه!

السؤال: لماذا ودعت مصر آخر ملوكها بطريقة لائقة جعلته يغادر الإسكندرية مطروداً... لكن مرفوع الرأس... ثم قتلته؟

أصحاب نظرية أن الملك مات مقتولاً لديهم الإجابة التي تبرر تفكير مجلس قيادة ثورة يوليو في التخلص من فاروق... لكن قبل التعرّف إلى أسرار آخر عشاء ملكي الذي تحول إلى مؤامرة... وإلى الأسباب التي قيل إنها وراء قتل مصر لآخر ملوكها... نقدم إجابة موثقة للسؤال الأول وهو:

* هل كان وداع مصر لفاروق يجعله يغادر مصر مرفوع الرأس؟

الإجابة على لسان الأميرلاي جلال علوبة، قائد اليخوت الملكية في العهد الملكي وحتى الأيام الثلاثة الأولى التالية لثورة يوليو، فقد اصطحب الملك فاروق على اليخت المحروسة حتى ميناء نابولي في إيطاليا في رحلة المنفى!... وبالمناسبة استقلّ عبد الناصر والسادات ومبارك هذا اليخت التاريخي في ما بعد.

أسرار الرحلة الملكية

في حوار مسجل مع الزميل الكاتب الصحافي محمد رجب يشرح جلال علوبة الملقب بأمير البحار للمرة الأولى وبأدق التفاصيل أسرار الرحلة الملكية الأخيرة... وينفرد ببعض البرقيات التي تلقاها علوبة أو صدرت عنه من خلال دفتر الصادر والوارد لليخت المحروسة الذي لم يفصح عن أسراره جلال علوبة من قبل.

يقول جلال علوبة إن مجلس قيادة الثورة، بعدما أبلغ الملك بقرار طرده من مصر، أرسل إليه علي ماهر رئيس الوزراء ليسأله سؤالين محددين: ما وسيلة السفر التي يختارها... بحراً... أم جواً... أم براً؟! وما الدولة التي يفضل أن يكون سفره إليها؟ وجاء رد الملك واضحاً... اختار السفر بحراً... وأن تكون الرحلة إلى إيطاليا... ثم اشترط الملك شروطاً أخرى أبلغها بأسلوب مهذب إلى رئيس الوزراء علي ماهر قائلاً له: «... أرجو أن تستأذن الضباط في أن يوافقوا عليها.

قال الملك:

«أرجو أن يقوم الأسطول البحري المصري بحراسة اليخت المحروسة حتى إيطاليا... وأن تصحبني زوجتي ناريمان وابني الأمير أحمد فؤاد وبناتي من الملكة السابقة فريدة... وأن يكون وداعي يليق بملك تنازل عن عرشه باختياره... وتشترك الحكومة في وداعي ممثلة برئيسها... والجيش ممثلاً باللواء محمد نجيب... وأن أتمكن من لقاء السفير الأميركي جيفرسون كافري قبل الرحيل؟!!

يضيف اللواء علوبة:

«حمل رئيس الحكومة مطالب الملك إلى اللواء محمد نجيب، رئيس مجلس قيادة الثورة الذي وافق على الشروط كافة باستثناء أن تكون القوات البحرية المصرية في وداع فاروق حتى إيطاليا... لكن عاد محمد نجيب ووافق على أن تكون هذه القوات في وداع الملك حتى نهاية المياه الإقليمية المصرية فقط... ووافق الملك... وبعد ساعتين سمحت قيادة الثورة لفاروق بمقابلة السفير الأميركي، وكان اللقاء تحت مراقبة شديدة... لكن الملك لم يطلب من السفير الأميركي سوى أن يكون في حماية أميركا هو وأسرته حتى وصولهم إلى إيطاليا... ووافق السفير!... هكذا كان خروج الملك من مصر بصورة لائقة... وتحققت المعادلة الصعبة في أن يغادر مصر مطروداً... لكن مرفوع الرأس».

* وكيف خرج فاروق من مصر ولم يكن متبقياً على المهلة التي منحها له مجلس قيادة الثورة سوى سويعات قليلة؟

يجيب اللواء جلال علوبة:

** «كان الملك وأسرته في قصر رأس التين في الإسكندرية... ولم يكن مسموحاً ولم يتسع الوقت ليجلب ملابسه وأشياءه الخاصة من قصر المنتزه أو باقي القصور الملكية... كانت عقارب الساعة تزحف بسرعة نحو السادسة وهو الموعد المحدد لتحرك اليخت المحروسة إلى إيطاليا، بعدما وقّع الملك وثيقة التنازل عن عرش مصر! المثير أن فاروق اختار للوداع الأخير ملابس القائد الأعلى للقوات البحرية ذات اللون الأبيض الناصع... ارتدى ملابسه البحرية واختلس نظرة إلى ساعته وهو حزين، فلم يعد باقياً غير دقائق ليودع العرش والشعب والدولة!

نزل الملك ومعه زوجته الملكة ناريمان وابنهما الأمير أحمد فؤاد وبناته من الملكة فريدة، زوجته الأولى، فريال وفوزية وفادية إلى رصيف الميناء في الخامسة و55 دقيقة مساء 26 يوليو 1952... لكن الوفد الممثل للجيش والحكومة في وداع الملك تأخروا عشرين دقيقة، ما أثار ارتباكاً وعلامات استفهام أجاب عنها محمد نجيب في ما بعد، بأن الموكب كان يشق طريقه بصعوبة نحو قصر رأس التين بسبب ازدحام الناس الذين خرجوا ليهتفوا للثورة».

يتابع اللواء جلال علوبة:

«... طبقاً للتقاليد والأعراف يطوي الجنود العلم الملكي من فوق السواري ليسلمه قائد الحرس الملكي إلى رئيس الوزراء علي ماهر باشا الذي يسلّمه بدوره إلى جلالة الملك ليطبع عليه قبلة طويلة... فتدمع عين الملك فهو يعرف أن علم المملكة لن يرتفع مرة أخرى!

 المهم أنه بعد وداع محمد نجيب وضباط مجلس قيادة الثورة للملك يهمس فاروق لمحمد نجيب قائلاً: «... مسؤولياتكم كبيرة... وأوصيك بالجيش..»! بعدها يتراجع اللنش بالضباط الأحرار بينما يتقدم اليخت المحروسة في مياه البحر مبتعداً عن الإسكندرية لحظة بعد لحظة... وظل فاروق واقفاً لا يريد أن تغمض عيناه لحظة واحدة عن معالم الإسكندرية التي ينظر إليها للمرة الأخيرة، وتظاهرت بأنني لا أرى دموع الملك تتساقط كالجمرات الملتهبة فوق خديه في تلك اللحظات التي بدأت فيها ملامح الإسكندرية تتلاشى تدريجاً... فأنا أؤكد للتاريخ أن الملك كان يحب مصر أكثر من حبه للعرش... ولم يكن مغرماً بالسياسة قدر عشقه للشعب المصري الطيب!

وتمضي رحلة الوداع الأخيرة من يوم إلى يوم... كان مجلس قيادة الثورة قد اعتمد عشرة آلاف جنيه للرحلة تنفق منها على الملك وأسرته وحاشيته حتى يصل ميناء نابولي... لكن نفقات الرحلة كلها، كما دونتها في دفتر اليخت المحروسة، لم تتجاوز مئتين واثنين وأربعين جنيهاً، وخمسمئة وخمسة وتسعين قرشاً بالتمام والكمال على رغم كل ما أشيع عن إسراف الملك وبذخه ومصروفاته الباهظة.

 لقد شمل هذا المبلغ مأكولات لجميع الموجودين على اليخت، وخبزاً، وفاكهة، وخضراوات وأسماكاً وشاياً وبناً وعصير برتقال وسجائر وأدوية ومبلغ ستة وسبعين جنيهاً منحة لأفراد القيادة في اليخت. وكانت حاشية الملك تتكون من: يعقوب نظير وعابدين سليمان وشاكر آدم ورستم عبد الحميد، وهم خدم جنسيتهم ألمانية... إدوار كافاتس خادم إيطالي، جوزيف جارو وبيترو دبلافالي، وهما حلاقان إيطاليان... والآنسات سيمون باكوريه، وآن مايتز، وفيوليت جرو، وهن مربيات سويسريات.. وروجير بيكارد وهي مربية فرنسية».

 

الملك يهدد

يقول اللواء علوبة من واقع دفتر الوارد والصادر باليخت المحروسة:

«... وصلتني برقية من اللواء محمد نجيب، يأمر فيها بإنزال الملك وزوجته وابنه وبناته فقط في ميناء نابولي... والعودة بالحاشية إلى مصر! كان الأمر صادراً من اللواء نجيب القائد العام للقوات المسلحة... لكن أفراد الحاشية جهشوا بالبكاء تحت أقدام الملك لأن عودتهم إلى مصر تعني اعتقالهم وتقديمهم للمحاكمات والتنكيل بهم... فرقّ قلب الملك لهم... وطلب مني أن أرد ببرقية يهدد فاروق من خلالها بأنه سيضطر للجوء إلى البوليس الإيطالي إذا أصر الضباط على إعادة الحاشية!

والغريب أن التهديد أنتج أثره، فقد جاء رد اللواء نجيب بأنه عرض الأمر على مجلس الوزراء فوافق على بقاء الحاشية مع الملك! وكانت البرقية الثانية تحمل أمراً بتجريد الملكة ناريمان من مجوهراتها وإعادتها إلى مصر – أي المجوهرات – لكن غلبتني الناحية الإنسانية ولم أستطع أن أطلب من الملكة خلع مجوهراتها وهي في هذه الحالة... وقدمت حلاً لهذه الأزمة بإغلاق جهاز اللاسلكي متحملاً العواقب أيا كانت عند رجوعي إلى مصر... لكني بعدما عدت وسلمت باقي العشرة آلاف جنيه إلى مجلس قيادة الثورة لم يسألوني عن مجوهرات الملكة!! آخر ما أريد قوله هو أن اليخت المحروسة هو نفس اليخت الذي غادر به جد الملك فاروق الخديو إسماعيل مصر بعد عزله عن الحكم».

دموع في روما

وصل فاروق وأسرته إلى إيطاليا... بلد المنفى... فماذا حدث هناك؟ ولماذا كان الملك كثير البكاء؟! وهل مات مقتولاً بالفعل؟! لا شك في أن الفترة الأولى للملك في إيطاليا شهدت أحزانه الشديدة على المجد الذي ضاع... والإشاعات التي انطلقت ضده في صحافة مصر من أنه كان زير نساء ومدمناً ومشجعاً على الفساد...

على رغم هذه الأحزان كان يعيش حياة أسرية مستقلة ومستقرة... ويبدو أن الضباط الذين قاموا بالثورة استكثروا عليه هذه الحياة الهادئة، فبدأوا يحرضون أصيلة هانم لتضغط على ابنتها ناريمان لتطلب الطلاق وتعود إلى مصر تاركة فاروق ليعيش وحيداً؟ وبالفعل نفذت أم الملكة تعليمات محمد نجيب وطلبت ناريمان الطلاق ونشرت الصحف المصرية الخبر في مساحات بارزة.

تألم فاروق... وزاد ألمه عندما فوجئ بوصول أصيلة هانم إلى إيطاليا وتطالب ابنتها بالعودة معها إلى مصر... ويفشل فاروق في إقناع زوجته بألا تكون سيفاً يحاربه به أعداؤه... لكنها تصر على الطلاق واعدة بأنها عندما تسافر إلى سويسرا ستراجع نفسها في القرار الذي اتخذته... فلم يجد الملك مفراً...

غادرت ناريمان مع والدتها إيطاليا إلى سويسرا... وحاول فاروق الاتصال بها هاتفياً، لكنها تعمدت ألا ترد عليه!! فنشر إعلاناً مدفوع الأجر في الصحف السويسرية على شكل نداء واستجداء لناريمان لتعود إليه... ويذكرها الملك بأن لهما ابناً لهذا هو حريص عليها ويوافق على عودتها إليه من دون شروط مسبقة... ويرجوها أن تسامحه لأنه لم يودعها في مطار روما حينما سافرت مع والدتها لأنه خاف أن يفقد أعصابه ويفلت لسانه بألفاظ تغضب والدتها منه.

لم تعبأ ناريمان بالبيان المنشور في صحف أوروبا والذي مزق قلب الأوروبيين... وعادت إلى مصر.. فانصرف فاروق إلى السهر في الملاهي وتمضية الوقت مع الفنانات والراقصات الإيطاليات... وعندما سألته الصحافة الإيطالية عن هذه الحياة التي يعيشها بشكل عبثي وسهره في الملاهي... قال:

 

* لا يلمني أحد... كيف أسهر في بيتي وصورها في كل مكان بالبيت؟ أنا أهرب من ناريمان وذكرياتي معها بهذه الحياة!

توطدت في تلك الفترة علاقة الملك بمغنية الأوبرا الإيطالية المغمورة إيرما كانوزا التي وجدت في علاقتها بفاروق فرصة ذهبية للشهرة بسرعة الصاروخ!... لكن بعدما أصبح يستقبل إيرما في بيته الإيطالي اضطرت بناته الأميرات من زوجته الأولى الملكة فريدة إلى ترك البيت والسفر إلى سويسرا.

وجاءت الليلة الموعودة في 18 مارس 1965... كانت الساعة الواحدة والنصف صباحاً عندما طلب الملك عشاءه من نادل مطعم « إيل دي فرانس» كعادته كل ليلة... وعلى رغم ما قيل إن المغنية إيرما كانت بصحبته على مائدة العشاء، فإن التحقيقات أثبتت، بعد ذلك، أن التي كانت معه امرأة أخرى مبهرة الجمال عرّفتها إليه صديقته إيرما ظهر اليوم نفسه، وطلبت أن يدعوها فاروق إلى العشاء تدشيناً لعلاقته بها... وبالفعل كانت برفقته مساء ذلك اليوم!

تناول الملك عشاءه ثم قدم له النادل كوب عصير جوافة... بعده تلوى الملك واستغاث بالحاضرين من شدة الألم فنقلوه إلى كنبة في المطعم... بينما اختفت السيدة الشقراء تماماً والتي كان عمر علاقتها بفاروق لا يتجاوز ساعات منذ التقت به في بيت إيرما.

نقلت الإسعاف فاروق إلى المستشفى... لكنه فارق الحياة وسط دهشة كبرى بسبب ما تردد عن موته بالسم، لا سيما أنه لم يتم تشريح الجثة.

طلبت أسرة الملك دفنه في مقابر الأسرة في مسجد الرفاعي في القاهرة... لكن عبد الناصر اشترط أن يُدفن في جامع إبراهيم باشا... وفي عهد الرئيس السادات نُقلت رفات فاروق إلى مسجد الرفاعي، وقد تم ذلك ليلاً... وفي موعد الجنازة فُصل التيار الكهربائي عن المنطقة بأكملها.

المهم أن صحف العالم ظلت تحقق في حادث وفاة ملك مصر السابق... وأثيرت قصة إبراهيم بغدادي، ضابط المخابرات المصري الذي تبين أنه كان يعمل نادلاً في المطعم نفسه الذي مات فيه فاروق... وعاد إلى مصر بعد وفاة الملك ليترك جهاز المخابرات ويترقى إلى منصب محافظ المنوفية... ثم يُعيّن محافظاً للقاهرة.

وعلى رغم مواجهة الكاتب الصحافي محمود فوزي لإبراهيم بغدادي باتهامه بقتل فاروق، إلا أن إبراهيم بغدادي لم يستطع تبرير عمله كنادل وهو ضابط المخابرات المعروف، لكنه نفى قتله لفاروق، واستند إلى التقرير الطبي الذي يؤكد أن وفاة الملك كانت بالسكتة القلبية بعد تناول وجبة دسمة تزيد عن حاجة فيل...

وما زال موت الملك لغزاً محيراً لغاية الآن... ويبقى السؤال: لماذا تقتله مراكز القوى؟! الإجابة يرددها أصحاب نظرية المؤامرة بأن إرهاصات الحرب بين مصر وإسرائيل قبل نكسة 1967 جعلت القيادة المصرية تخشى عودة الملك إلى عرشه، خصوصاً أن شعبيته في مصر بدأت ترتفع.

 ويظل التاريخ صامتاً بلا إجابات عن فاروق ونهايته الغامضة.

back to top