حرب أردوغان على إرث أتاتورك
زعزعت التظاهرات صورة الاستقرار التي رسمها أردوغان، وعلى هذا الاستقرار والتقدّم أسس رئيس الوزراء صورته، وهكذا فقدت قبضة أردوغان جزءاً من قوتها، ما يعني أن معركة التصورات ستتواصل.
اخترق رجل التظاهرات والتظاهرات المضادة الحاشدة التي اجتاحت تركيا طوال أسابيع، ووقف بهدوء وصمت وراح يحدق بصورة على جدار، وما هي إلا لحظات حتى وقف إلى جانبه بصمت أيضاً عدد من مواطنيه القلقين على حريتهم لا في منتزه جيزي فحسب، بل في الميادين والمنتزهات المختلفة في تركيا. شكّل هذا الرجل رمزاً قوياً في حرب الرموز الدائرة، وقد يُصنَّف الرجل في الشرق الأوسط ذات يوم إلى جانب رجل واقف آخر، والرجل الذي وقف أمام الدبابات في ساحة "السلام السماوي" تيانانمين. وعلينا أن ننتظر لنرى ما إذا كانت جهوده هذه ستذهب أيضاً هباءً.تشكل التظاهرات في منتزه جيزي في إسطنبول جولة أخرى في معركة رسم مستقبل تركيا، فبين الصامتين يقف مَن يسعون للعودة إلى مسار الاعتدال العلماني الذي رسمه مؤسس الدولة التركية الحديثة كمال أتاتورك. لا يواجه هؤلاء الدبابات، بل جرافات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وعلى النطاق الضيّق، يخطط رئيس الوزراء هذا لجرف آخر ساحة خضراء في إسطنبول (تشبيه بلاغي معبّر آخر) كي يعيد بناء ثكنات عثمانية. أما على النطاق الواسع، فيأمل أردوغان جرف الإرث العصري لأتاتورك وتعديل الدستور التركي لينشئ منصباً رئاسياً أكثر نفوذاً حتى مما تمتع به أتاتورك نفسه وليعيد بعد ذلك أمجاد تركيا العثمانية والخلافة التي جمعت في الماضي العالم السنّي بأكمله.
لا تُعتبر أهداف عثمانية أردوغان الجديدة محور تأملات الحشد المرتابة، بل هي من ابتكار أردوغان نفسه، فلا يتردد رئيس الوزراء وأعضاء حزب العدالة والتنمية، الذي يرأسه، في إثارتها كلما تسنت لهم الفرصة. فقد اعتاد أردوغان الادعاء أن كلماته ستُسمع من سراييفو إلى دمشق فشمال إفريقيا، وكل هذه أراضٍ كانت تابعة سابقاً للسلطنة العثمانية. منذ أن تسلم أردوغان السلطة قبل عشر سنوات، عمل بدأب على التخلص من سياسات أتاتورك العثمانية من خلال خطوات مثل، السماح مجدداً للنساء بارتداء الحجاب ومنع بيع الكحول، لكنه عارض أيضاً الحقوق الديمقراطية: سجن الصحافيين، وعرقل عمل وسائل الإعلام الحرة، وقوّض الجهاز القضائي المستقل، ولاحق المشتبه فيه قضائياً من دون أن يوجه لهم تهمة محددة أحياناً، وكل ذلك ليحدّ من سلطة القيادة العسكرية المدنية وخصومه السياسيين.في هذا المجال أيضاً يُشكّل منتزه جيزي رمزاً، فقد استغل أردوغان بادئ الأمر سلطة الدولة ليأمر بهدم المنتزه. ثم انتهك أمر المحكمة بالتوقف، فهاجم وهو ممتلئ غضباً المتظاهرين بقوة أكبر. في "حادثة الحادي والثلاثين من مارس" التي تشكّل جزءاً من الانقلاب المضاد عام 1909، حارب الجنود العثمانيون من الثكنات، التي يتوق أردوغان إلى إعادة بنائها (لتضم مركزاً تجارياً)، للإطاحة بالمصلحين المؤيدين للدستور، الذي وضعته حركة "تركيا الفتاة" الشهيرة، ولإعادة صلاحيات السلطان والخلاف.بالإصرار على إعادة بناء هذه الثكنات، يكرّم أردوغان مَن قاوموا العلمانية والحركة الموالية للغرب التي أسست الدولة التركية المعاصرة، فأتاتورك هو مَن دمّر هذه الثكنات وأنشأ مكانها المنتزه قبل نحو 70 سنة كإشارة إلى تبني تركيا الحداثة والعلمانية. إذن، يريد أردوغان حرفياً أن يقوّض ما بناه أتاتورك، فأردوغان يعز كل ما كرهه أتاتورك. يدّعي حلفاء أردوغان أن المتظاهرين يتآمرون مع أعداء تركيا في الخارج وغيرهم من القوى الشريرة كي يخربوا المكانة العالية التي تُعتبر حقاً إقليمياً مكتسباً لتركيا. لذلك رعى أردوغان تظاهرة مضادة ليرد على الحشود في منتزه جيزي. أين؟ في ساحة كازليسيسم خارج الأسوار القديمة للقسطنطينية، الموقع الذي شنّ منه السلطان محمد الفاتح في القرن الخامس عشر هجومه على القسطنطينية وطرد آخر معالم التأثير الغربي من تركيا.لا تحاول جرافات أردوغان إعادة رسم معالم منتزه جيزي فحسب، بل وجه دولة أتاتورك التركية أيضاً، فقد افتتح أردوغان أخيراً العمل على جسر ضخم جديد يعبر مضيق البوسفور أطلق عليه اسم السلطان العثماني سليم الأول، الذي يُعرف في الغرب بسليم العابس. وكما يعلم كل الأولاد الأتراك في المدارس، أعطت انتصارات سليم عام 1517 السلاطين العثمانيين لقب خليفة. وقد حمل الحكام العثمانيون هذا اللقب طوال 400 سنة إلى أن ألغاه أتاتورك.على مرتفع عالٍ في الجانب الآسيوي من اسطنبول، قبالة أوروبا، يعمل أردوغان راهناً على تشييد المسجد الأكبر في العالم. سيتربع هذا المسجد على مكان عالٍ يُرى من أي مكان في إسطنبول، وسيشبه المساجد العظيمة الشهيرة التي بناها السلاطين العثمانيون، أو بالأحرى سيتخطاها عظمة. لم يُبنَ مسجد مماثل منذ أنهى أتاتورك الخلافة، وهكذا تكون الساحة، والجسر، والمسجد، والنشيد رفضاً لإرث أتاتورك، فهي تُعلي الخلافة فوق الجمهورية ورؤية أردوغان فوق رؤية أتاتورك. لا عجب، إذن، أن تكون الصورة على الجدار التي وقف المتظاهرون في منتزه جيزي لتأملها بصمت صورة أتاتورك، فقد حمل المعتدلون في أنحاء تركيا المختلفة صور أتاتورك. كان المحتجون في التظاهرات الصاخبة السابقة يرددون نشيد الجمهورية غير الرسمي، "مسيرة السنوات العشر"، مكرّمين العقد الأول من حكم أتاتورك. في تسعينيات القرن الماضي، عندما وصل أول حزب إسلامي، سلف حزب العدالة والتنمية التابع لأردوغان، إلى السلطة، ردد الأتراك المعتدلون هذا النشيد أيضاً. حتى إنهم أعدوا نسخاً شعبية معدّلة منها ورقصوا على أنغامها، وكان هدفهم من ذلك الحدّ من رؤية الإسلام السياسي المحافظة، التي هددت مسار تركيا العصري. تكرّم إحدى عبارات هذا النشيد الشباب في تركيا ("15 مليون رجل قوي") وأتاتورك ("قائدنا ورئيسنا الذي يكن له الجميع الاحترام حول العالم").يدرك المتظاهرون في منتزه جيزي أن أردوغان، مع انتهاء العقد الأول من عهده، حقق الكثير من الإنجازات أيضاً. فما زال الشخصية الأبرز في السياسة التركية، ولكن بخلاف أتاتورك الذي كانت نهاية العقد الأول من عهد تعد بالمزيد من الإنجازات، يواجه أردوغان اليوم تحديات أكبر من أي وقت مضى.بات أردوغان اليوم كثير التقلبات، فيحمّل مجموعات احتكارية لـ"معدلات الفائدة" الشريرة، مسؤولية تباطؤ الاقتصاد التركي الذي كان قويّاً ومتيناً. كذلك قوّض انتهاكه حكم القانون صورته في الخارج. قبل سنة، صنّف تقرير صادر عن مجلس العلاقات الخارجية تركيا من الدول الأكثر ديمقراطية، ولو عرف المجلس آنذاك ما ستؤول إليه الأمور لتفادى بالتأكيد تصنيفاً مماثلاً. علاوة على ذلك، اتبعت سياسته الخارجية في مسلكاً محدداً لتعود وتسلك مساراً آخر، فأخفقا كلاهما. جوبهت محاولاته التقرب من إيران بالتعنت، كذلك لاقت محاولاته التدخل في سورية الفشل، ويعتقد أتراك كثر أن أردوغان، بمهاجمته التظاهرات السلمية في عاصمة بلاده، يبدد أي ثقل أخلاقي قد تحمله حججه بشأن الأسد.لكن الأهم بالنسبة إلى أردوغان أن آماله بإنشاء رئاسة تركية نافذة جديدة والفوز بها ما عادت مضمونة، فقد سعى أردوغان إلى استمالة أكراد تركيا (مجموعة تصويت مهمة) وتشكيل ائتلاف كبير. إلا أن رغبته هذه ماتت على الأرجح في منتزه جيزي، بما أن الأكراد كانوا من بين المتظاهرين، فضلاً عن أن القيادة الكردية انتقدت لجوء أردوغان إلى القوة. كذلك هزّت هذه التظاهرات الدعم الأكبر الذي تتمتع به حكومته: حركة غولان التي تملك عدداً كبيراً من المقاعد البرلمانية وتعلّق آمالها على النمو والاستقرار المتواصلين.ما من إشارات إلى أن أردوغان قد يبدّل مساره، لا بل يتمسك بموقفه بعناد، وإذا جاء ردّ فعله كما هو متوقع، وحذا حذو مَن سبقه من السياسيين، معززاً قاعدته، فلا شك أنه سيزداد ميلاً إلى المصالح الإسلامية والعثمانية الجديدة.زعزعت التظاهرات صورة الاستقرار التي رسمها أردوغان. وعلى هذا الاستقرار والتقدّم أسس رئيس الوزراء هذا صورته، وهكذا فقدت قبضة أردوغان جزءاً من قوتها، ما يعني أن معركة الصور ستتواصل. ونظراً إلى مكانة تركيا البارزة، نجاحها الماضي، ومسارها العلماني السابق، قد تكون هذه اليوم المعركة الأهم (وإن كانت الأقل بروزاً) للفوز بروح الإسلام السياسي المعاصر. لا يزال نشيد مسيرة الجيش العثماني اليوم يصدح عالياً فوق نشيد أنصار أتاتورك، "مسيرة السنوات العشر". وعلينا أن ننتظر لنرى أياً من النشيدين سينتصر في النهاية.* فرادكن باحث بارز في معهد هودسون. ليبي، نائب رئيس هذا المعهد.