نهاية زير النساء على شاطئ اسكندرية!

نشر في 03-08-2013 | 00:02
آخر تحديث 03-08-2013 | 00:02
بعض الجرائم لا يمكن الوصول إلى فاعليها، فتظل عالقة في الهواء، لا القانون استطاع أن يكشفها ولا الشهود توصلوا إلى الفاعلين. على الرغم من ذلك يبقى الانتقام الإلهي قادراً، دون غيره، على تحقيق القصاص من المجرمين معدومي الضمير، الذين ساعدتهم الظروف في الهروب من فخ القبض عليهم، ناسين أن العدالة الإلهية لا تعرف عبارة «ضد مجهول».
وقف بائع الصحف مذهولاً أمام شقة المهندس نبيل... دماء بعضها متجلط تحت باب الشقة المفتوح... وبعضها الآخر يبدو ظاهراً خلف الباب. ارتعد بائع الصحف الصغير وتراجع إلى الخلف بينما ظلت عيناه تبحثان عن بقية المشهد وراء الباب... إنه النصف الأسفل من جسد نبيل ملطخ، أيضاً، بالدم وممدد بلا حراك!

أطلق الصغير ساقيه للريح ونزل ثلاثة طوابق في ثوان معدودة... صرخ في البواب يحكي له ما شاهده. صعد البواب بالمصعد إلى حيث الشقة المنكوبة، ووقف يضرب كفاً بكف بعدما دفع الباب مسافة قصيرة ليظهر المشهد أكثر وضوحاً. المهندس نبيل مقتول، جاحظ العينين، ما زال سكين القاتل في قلبه بينما تظهر طعنات أخرى في الوجه والرقبة وخلفية الرأس!

وصلت الشرطة وأجرت النيابة المعاينة. الشقة كما هي من دون آثار للعنف... المداخل والمخارج سليمة... كل شيء في مكانه... في الخزانة خمسة آلاف جنيه وثلاثة آلاف دولار ودفتر شيكات على البنك الأهلي وخواتم ذهبية وساعة يد محلاة بالألماس... الأشياء جميعها سليمة لم تمتد إليها يد عابثة أو يد باحثة!

ليس ثمة ما يدل على أن الجريمة تمت بدافع السرقة... الجثة ومكانها يشيران إلى معلومات مهمة سوف تساعد فريق البحث. في الجثة أكثر من تسع طعنات نافذة في أماكن متفرقة وبعضها يكفي لإزهاق الروح في الحال... وهذا يدل على أن الجريمة تمت بدافع الانتقام... أما مكان الجثة فيدل على أن الجاني غير معروف للقتيل لأن المجني عليه لم يدعه للدخول، والواضح أن الجاني عاجله بالطعنات بعدما فتح له الباب، وهرب فور ارتكاب الجريمة من دون أن يتقدم خطوة واحدة داخل الشقة! أما التقرير الطبي المبدئي فأكد أن الحادث وقع قبل تسع ساعات على الأقل!

كانت مهمة فريق البحث صعبة وشاقة... فالمجني عليه من القاهرة وحضر إلى شقته في شاطئ المعمورة بالإسكندرية لتمضية إجازته الصيفية التي تمتد ثلاثة أشهر يقطعها الجمعة والسبت للسفر إلى القاهرة والاطمئنان إلى سير العمل في مصنع الرخام الذي يمتلكه بمصر القديمة. كما أن معظم السكان في العمارات القريبة أو البعيدة لا يعرفون بعضهم بعضاً... وعلى المباحث أن تستبعد دافع السرقة من واقع المعاينة!

أدلى البواب بمعلومات غاية في الأهمية... قال إن المهندس نبيل لم يكن يختلط بجيرانه ولا يزوره أصدقاء ولا يغادر شقته إلا نادراً... لكنه اعتاد استقبال نساء من كل لون وشكل! سأله مفتش المباحث:

أي واحدة منهن زارته بالأمس؟!

ولا واحدة.

وهل تمر ليالٍ من دون أن تتردد عليه أي امرأة؟!

أحياناً... حينما يكون مريضاً!

الجريمة وقعت في المساء.. من الذي صعد العمارة ليلاً؟!

عاد السكان إلى العمارة من البحر مع غروب الشمس... لكن سيارة غريبة توقفت أمام باب العمارة بينما كنت أتناول العشاء مع زوجتي، فخرجت على الفور لاستطلاع الأمر بعدما لاحظت شخصاً يدخل من باب العمارة... كان هو صاحب السيارة ويمضي بثقة نحو المصعد... أوقفته وسألته عن وجهته فدفعني إلى الخلف ونهرني وشتمني فظننت أنه ضابط. دخل المصعد ومن خلال اللوحة الكهربائية عرفت أنه توقف في الطابق الرابع. بصراحة قررت أن أقدم فيه شكوى إلى مديرية الأمن لأنه كان واضحاً أن السيارة تابعة للشرطة!

هل التقطت رقم السيارة؟

نعم!

ومن يسكن في الطابق الرابع حيث نزل هذا الشخص؟

ممثلة إعلانات. لا أعرف عنها أكثر من اسمها. استأجرت الشقة من أسبوع واحد!

وهل زارها هذا الشخص من قبل؟

لم أره في حياتي. وأقول الحق... كان وقت الفتاة كله خارج الشقة من السابعة صباحاً حتى السابعة مساء. لا أحد يزورها ولا تخرج بعد عودتها!

هل ثمة ساكن آخر في الدور الرابع؟

لا... الدور عبارة عن شقة واحدة.

هل ثمة علاقة بين ممثلة الإعلانات والقتيل؟

ما افتكرش... لأنه لم يرها منذ استأجرت شقتها!

جاءت التحريات المكثفة بمفاجأة مثيرة. السيارة التي أعطى البواب رقمها وحضر بها الزائر الغريب، من سيارات الشرطة بالفعل... لكن قُدم بلاغ بسرقتها منذ ثلاثة أسابيع... وكل ما فعله الجاني أنه استبدل لوحاتها المعدنية وغيّر من أرقامها. بالتالي لا يمكن أن يكون الزائر الغريب ضابط شرطة. إلا أن السؤال المهم يبقى قائماً عن علاقة هذا الشخص بالساكنة التي تقطن الدور الرابع، وصعد إليها في وقت مواكب لوقت ارتكاب الجريمة... وعلى الفور يأمر وكيل النيابة باستدعاء ممثلة الإعلانات الشابة!

كانت تتأهب لمغادرة العمارة... لكنها لم تتردد في تلبية طلب النيابة على رغم حالة الرعب التي سيطرت عليها! سألها المحقق:

اسمك الحقيقي في البطاقة الشخصية؟

محاسن... عمري 25 عاماً... لكنهم غيروا اسمي إلى دلال بعد اختياري للعمل ممثلة إعلانات!

لماذا زارك سارق سيارة الشرطة ليلة الحادث؟

لا أعرفه ولا علاقة لي بأي رجل. جئت إلى لإسكندرية مع فريق عمل لتصوير إعلانات يظهر البحر في خلفيتها. وكان العمل يبدأ من الصباح حتى الغروب، عندما أعود أغلق شقتي حتى صباح اليوم التالي!

لكن هذا الشخص صعد إلى حيث شقتك؟

نعم. طرق بابي... ظننت أنه البواب ففتحت له. دفعني إلى الخلف وكمم فمي كي لا أصرخ. هددني لو فتحت فمي أو حاولت الصراخ. سألني عن شخص اسمه نبيل فأومأت برأسي بإشارة تعني أنه لا يسكن هذه الشقة. شل حركتي وشكك بكلامي وساقني أمامه في أرجاء الشقة. وبعدما تأكد من عدم وجود الرجل الذي يسأل عنه اعتذر وسألني وهو يحذرني من الكذب عن “نبيل”... أخبرته أنني سمعت البواب يتحدث بالصدفة عن شخص اسمه نبيل في الطابق الثالث. ويبدو أنه صدقني فإذا به يعاود الاعتذار بلطف ووداعة مع تحذير مهذب بأن أبتعد عن دائرة الدم وأغلق لساني داخل فمي!

تحفظت النيابة على ممثلة الإعلانات على رغم انهيارها وهي تؤكد براءتها... وكان ضباط انتقلوا إلى مصنع المجني عليه في القاهرة، بحثاً عن إجابة لسؤال محير... أين هاتف القتيل؟ المثير أن المباحث، أثناء المعاينة الأولى والثانية، لم تعثر على أي موبايل داخل الشقة فكيف يتفق هذا، ولم يتقدم الجاني خطوة واحدة داخل المنزل، ولم يترك أثراً حتى على السكين الذي ارتكب به الجريمة... ولم يحمل أية بصمات!

 أضافت أقوال العاملين في المصنع تعقيداً جديداً إلى اللغز... قالوا إن المهندس القتيل لم يكن هاتفه يفارقه! ومع هذا اتفقوا على أن نبيل كان شخصية مضطربة وربما مريضة، فهو زير نساء باعتراف كل من يعرفه... لكنه لا يطيق بقاء أي أمرأة معه أكثر من يوم واحد! كان يسعده أن تسقط الضحية في شباكه وبعد أن يمتص رحيقها يطلب منها أن تنسى اسمه وعنوانه... وقبل أن تنصرف يمنحها من المال والهدايا أكثر مما تتوقع!

أضاف العاملون أن امرأة واحدة عششت في قلبه وجرى حبها في دمه وسيطرت على أفكاره... اسمها سميرة وكانت تعمل في المصنع. وحينما علم زوجها بعلاقتها بالمهندس نبيل طلقها طلقة بائنة على رغم أنه كان عاطلاً وغير قادر على العمل بسبب إصابته في حادث وكانت سميرة هي التي تنفق على البيت... ولأن الشقة كانت باسمها طردته منها!

سأل مفتش المباحث العاملين إن كان أحدهم قد رأى طليق سميرة ويمكنه أن يحدد أوصافه. رد أحدهم بأنه شاهد فكري طليق سميرة مرة واحدة، وحدد أوصافه التي انطبقت مع أوصاف الزائر الغريب في عمارة المعمورة. تنفس الضابط الصعداء... وقبل أن يغادروا القاهرة ذهبوا إلى سميرة التي اعترفت بعلاقتها العميقة مع صاحب المصنع، لكنها أقسمت بأن تلك العلاقة انتهت تماماً بعدما خرب نبيل بيتها وفضحها ثم رفض الزواج منها. سألها مفتش المباحث:

هل قابلت نبيل في شقة المعمورة؟!

نعم... لكن مع نهاية الصيف الماضي قررت ألا أسافر إلى الإسكندرية حتى أموت... آخر زيارة لنبيل كانت في 22 أغسطس الماضي، ويومها تأكدت أنه لن يتزوجني فعدت إلى القاهرة نادمة على كل لحظة قضيتها معه!

هل يعرف طليقك شقة المعمورة؟

نعم... كان يراقبني قبل الطلاق وذات يوم أنقذني القدر منه حينما وصل إلى أول الشارع الذي تقع فيه العمارة، رأيته من نافذة الشقة فأسرع نبيل وأخرجني منها واختبأت فوق سطوح العمارة... علمت في ما بعد أنه بعدما استقبله نبيل ادعى طليقي أنه أراد زيارته حينما شاهد سيارته أسفل العمارة!.. وقبل أن تنتهي الزيارة هربت من العمارة وعدت إلى القاهرة في سيارة أجرة... المهم عاد طليقي فوجدني في البيت... لكن شكوكه ظلت تطاردني حتى انفصلت عنه!

هل كان يغار عليك؟!

بجنون... وبعد الطلاق ظللت خائفة من انتقامه!

هل كان يهددك؟!

قال لي يوم الطلاق إنه سيجعلني أدفع ثمن خيانتي له في الوقت المناسب!

أين هو الآن؟!

معلوماتي أنه يقيم مع شقيقه الذي ينفق عليه!

وصلت المباحث إلى فكري. فوجئ بها... وفوجئت هي بأنه يتحرك بساق صناعية... لم يذكر أحد هذه المعلومة... كل ما قالوه إنه أصيب في حادث تسبب في عدم قدرته على العمل! على رغم ذهول الرجل اصطحبه الضابط إلى مسرح الحادث فاعترف بأنه جاء إلى هذا المكان قبل إصابته في الحادث. وكان وقتها يراقب طليقته، لكنه لم يزر هذا المكان مرة أخرى!

بواب العمارة قضى على آخر أمل للمباحث. أكد أن فكري لم يكن أبداً صاحب سيارة الشرطة المسروقة. ربما يكون قريب الشبه منه... لكنه ليس هو!

وقال الأطباء الذين تولوا الكشف على فكري إن عجز ساقه يمنعه من قيادة سيارة أو حتى دراجة أو السير بشكل طبيعي... وعلى الفور جاء قرار النائب العام بالإفراج عنه! وكان قرار آخر صدر بالإفراج عن ممثلة الإعلانات بعدما قضت ليلة عصيبة في حجز النساء بمديرية الأمن.

وكان القرار الأخير بعد خمسة وأربعين يوماً من الحادث فشلت المباحث خلالها في الوصول إلى الجاني قاتل نبيل، فأمرت بحفظ التحقيق بعدما أكدت التحريات ألا خصومة بين نبيل والمتعاملين مع مصنع الرخام... ولا عداء بينه وبين تجار أو زبائن!

المؤكد أن امرأة كانت وراء الحادث، لكن من هي وزائرات شقة المعمورة لا يمكن حصرهن أو تحديد شخصياتهن؟ الغريب أن الوحيدة التي لم تكن تعرف ما يدور داخل هذا الوكر كانت ممثلة الإعلانات التي بكت ليلة بطولها بتهمة ظالمة حتى تورمت عيناها! والمؤكد، أيضاً، هدية السماء لفكري، فقد تحولت شكوكه إلى حقائق وشهدت الأوراق الرسمية على خيانة طليقته له بما حملته الأوراق من اعترافات على لسان سميرة!

back to top