هل يمكن إنقاذ العملة البرازيلية؟

نشر في 07-09-2013 | 00:01
آخر تحديث 07-09-2013 | 00:01
No Image Caption
أصبح ألكسندر تومبيني محافظ البنك المركزي البرازيلي، بكل تأكيد جزءاً من مشكلة البلاد... ففي ضوء تفويض تومبيني وسياساته استمر البنك في خفض معدلات الفائدة من أجل تحفيز الاقتصاد، حتى في الوقت الذي تظهر فيه حكومة الرئيسة ديلما روسيف إهمالها لمبادئ النظام المالي.
 Raul Gallegos  في هذه الأيام، يكاد المرء يشعر بالأسف لوضع رئيس البنك المركزي في البرازيل، ألكسندر تومبيني، وهو الرجل المكلف توجيه السياسة النقدية في سادس أكبر اقتصاد في العالم.

كان مجلس الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي) الأميركي قد ألمح إلى عزمه أخيراً على خفض سياسته المتعلقة بالتيسير الكمي، وهي خطوة تعني نهاية الأموال السهلة التي ساعدت اقتصاد البرازيل طوال سنوات. كما أن ذلك أسهم في توجيه ضربة أولية إلى قطاع العقار في البرازيل الذي هبط في الأسبوع قبل الماضي إلى أدنى مستوى له في أربع سنوات ونصف السنة. وحسب بيانات "بلومبرغ" فقد انخفضت العملة البرازيلية بنسبة 11 في المئة مقابل الدولار الأميركي خلال الأشهر الثلاثة الماضية. وفي غضون ذلك، رفع البنك المركزي البرازيلي معدلات الإقراض بنسبة 50 نقطة أساس، وذلك في إشارة إلى أنه يخطط من أجل إبقاء معدل التضخم دون 6.5 في المئة -وهو الحد الحكومي الأعلى في المدى المستهدف- رغم صعوبات معدل الصرف.

وهكذا فإن ألكسندر تومبيني رئيس المركزي البرازيلي قد يكون اتخذ القرار الذكي عندما أغفل ندوة مجلس الاحتياط الفدرالي الأميركي في وايومنغ التي عقدت في الأسبوع الماضي، وأطلق في 22 أغسطس "خطة تدخل" قيمتها 60 مليار دولار، واستخدم مبادلة عملات وقروض من أجل الحد من الهبوط. ومن خلال استخدام المشتقات تمكن البنك المركزي البرازيلي من تفادي الخسارة الفورية للاحتياطي للدفاع عن العملة المحلية.

وقد قفزت العملة المحلية البرازيلية "الريال" إلى أعلى مستواها منذ نحو عامين بعد إعلان المركزي البرازيلي. وقد ثمن القرار مارتين ريدرادو، محافظ بنك الأرجنتين السابق الذي أُبعد في 2010 بواسطة الرئيسة الأرجنتينية كريستينا فرنادنديز دي كيرشنر، ذات الميول اليسارية. وقال ريدرادو في تغريدة له على حسابه في تويتر "لقد عرضت لنا البرازيل كيف يتعين على السياسة الاقتصادية أن تعمل على استقرار الدولار في أوقات الاضطرابات، مستندين في ذلك إلى احتياطيات أجنبية تصل إلى نحو 60 مليار دولار لتحقيق ذلك".

من جهة أخرى، قالت صحيفة "فولها دي سان باولو" في افتتاحية لها في 24 أغسطس تحت عنوان "مهدئ الصرف"، إن تلك الخطوة تسهم في تهدئة الاحتجاجات وتخفيف المخاوف من نقص الرقابة على معدلات الصرف التي يمكن أن تبدد بقدر أكبر ثقة العناصر الاقتصادية.

ولم يصدر بعد الحكم بشأن مدى نجاح هذه الخطة في الأجل الطويل. وبعد أن تصبح خطوات مجلس الاحتياط الفدرالي الأميركي أكثر وضوحاً ربما يستمر المزيد من المستثمرين في سحب أموالهم إلى خارج الأسواق الناشئة. وقد ناقشت صحيفة "إيستادو دي سان باولو" البرازيلية هذه الشكوك في افتتاحية لها في 25 أغسطس الماضي قائلة "مع تجاوز الاحتياطيات الأجنبية 370 مليار دولار، فإن البنك المركزي يستطيع استخدام جزء من تلك الأموال من أجل معالجة حالة عدم الاستقرار. غير أن البنك اتبع مقاربة حكيمة، إذ يصعب القول ما إذا كانت اتخاذ إجراءات بديلة- إحراق بعض الدولارات في الأسواق- ستكون فعالة بقدر أكبر".

وتتمثل القضية المركزية هنا في كيفية قياس تلك الفعالية. وإذا كان الهدف النهائي من البرنامج هو توفير شريان حياة للمستثمرين والشركات من خلال ديون بالدولار- مع عودة الأموال إلى الأسواق المتقدمة- فإن ذلك قد يساعد بصورة فعالة البعض من المستثمرين على الخروج من المأزق. وقد شهدت الشركات البرازيلية قفزة في ديونها وصلت إلى 2.9 في المئة خلال شهر يوليو الماضي، وذلك بحسب مكتب التسهيلات والائتمان "سيراسا إكسبيريان". ولكن إذا كان البنك يأمل في استعادة المصداقية بطريقة ما، فإن الخطة ستكون قليلة ومتأخرة، إذ إن المشاركين في السوق يشعرون أساساً أن خطوات البرازيل قد لا تكون كافية.

وقد حاول وزير المالية البرازيلي غيدو مانتيغا إشاعة جو من التقدير والثقة في قوة البنك المركزي، وذلك من خلال توجيه تحذير إلى المستثمرين في مقابلة مع صحيفة "فولها دي سان باولو" نشرت خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، مشيراً إلى أن أولئك الذين يتوقون إلى المضاربة "قد يكسبون، ولكنهم يمكن أن يخسروا أيضاً بسبب تعويم معدلات الصرف. ولذلك فإن من الضروري التصرف بصورة حذرة".

ويقول وزير المالية البرازيلي إن "ضغوط الدولار، في حالتنا، لا تحدث بسبب هروب رأس المال أو فقدان الاحتياطي- كما هو الحال في دول أخرى- والوضع هنا هو تحوط ومضاربة". غير أن ذلك يرسم صورة غير كاملة عن متاعب البرازيل، لأن البنية التحتية الضعيفة، والضرائب المرتفعة، وتدخل الحكومة في الأعمال التجارية والشركات، والإنفاق الحكومي السخي يجعل اقتصاد البرازيل عرضة للمتاعب والتقلبات. وهذه صورة لا تكون مشجعة كثيراً إذا ما قدمت الأسواق المتقدمة للمستثمرين فرصاً لتحسين الثروة في بيئة أقل مجازفة بأموالهم.

وطرح الكاتب رودريغو كونستانتينو ما يفكر فيه العديد من أبناء البرازيل، وذلك في تعليق نشر في مجلة "فيغا" في 21 أغسطس الماضي تحت عنوان "الدولار يرتفع ويصل إلى 2.45 ريال... وتومبيني يلغي الرحلة... والبرازيل أبشع بطة في العالم". ويجادل كونستانتينو في أن "العذر الرسمي الذي تسوقه الحكومة بأن ما يحدث ظاهرة عالمية، يفقد قوته في كل دقيقة... وذلك لأن المشكلة "صنع البرازيل"".

كانت افتتاحية صحيفة "استادو" البرازيلية قبل أيام قد أقرت أن حكومة ديلما روسيف تستطيع تقديم المزيد داخل البلد: "حالة عدم اليقين في ضوء حجم الاقتصاد البرازيلي يمكن أن تكون ذات تأثير ضئيل إلى حد كبير، لو أن الرئيسة قدمت خطة إدارة واضحة للحسابات العامة بدون وضع أي مستحضرات تجميل عليها، وأيضاً لو أنها تعهدت بشكل موثوق فيه بمبادئ المسؤولية المالية".

وقد أصبح ألكسندر تومبيني محافظ البنك المركزي، بكل تأكيد جزءاً من المشكلة أيضاً... ففي ضوء تفويض تومبيني وسياساته استمر البنك في خفض معدلات الفائدة من أجل تحفيز الاقتصاد، حتى في الوقت الذي تظهر فيه حكومة الرئيسة ديلما روسيف إهمالها لمبادئ النظام المالي.

وإذا كانت اضطرابات البرازيل الاقتصادية تعد في كثير من جوانبها نتاجاً لفعل ذاتي، فإن فقدان البنك المركزي البرازيلي لمصداقيته سيكون بدرجة كبيرة من "صنع تومبيني".

*  مراسل موقع "وورلد فيو" في أميركا اللاتينية

back to top