العلماء يكتشفون أسرار البوم

نشر في 07-02-2013 | 00:01
آخر تحديث 07-02-2013 | 00:01
دوران الرأس كاملاً بلا انقطاع الدم عن الدماغ

توصّل خبراء إعداد الرسوم الطبية والتصوير العصبي في جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة الأميركية إلى اكتشاف الخاصية التي تتيح للبوم، الذي يصطاد ليلا، إدارة رأسه كاملا تقريباً (نحو 270 درجة في كل اتجاه) من دون أن يلحق الضرر بالأوعية الدموية في رأسه وعنقه ومن دون أن يقطع تدفق الدم إلى الدماغ.
استخدم فريق في جامعة جونز هوبكنز برئاسة فابيان دي كوك- ميركادو (خبير في الرسم الطبي يحمل شهادة ماجستير تخرّج أخيراً في قسم «الفن في الطب») للمرة الأولى تصوير الأوعية والتصوير المقطعي والرسوم الطبية لدراسة تركيبة جسم عشرات من طيور البوم، التي تمتاز بعينيها الكبيرتين.

 توصل الفريق إلى أربع عمليات تكيّف حيوية كبرى هدفها الحؤول دون تسبب دوران الرأس بأي إصابة. تتركز هذه الاختلافات في بنية هذا الطير العظمية وشبكة الأوعية الضرورية لتغذية رأسه الكبير. وقد أثنى عدد الأول من فبراير من مجلة «العلوم» على اكتشافات هذا الفريق، بعد فوزه بالجائزة الأولى في فئة الملصقات والرسوم في «التحدي الدولي لتصوّر العلوم والهندسة»، الذي نظمته مؤسسة العلوم الوطنية الأميركية.

فيليب غايود طبيب متخصص في التصوير الإشعاعي العصبي التدخلي وأحد أهم الباحثين في الفريق، يذكر في هذا المجال: «لطالما تساءل خبراء تصوير الدماغ أمثالي، خلال تعاطيهم مع الإصابات البشرية الناجمة عن تعرّض شرايين الدماغ والعنق لصدمة: لمَ لا نرى آلاف طيور البوم ملقاة على أرض الغابة نتيجة تعرضها لسكتة دماغية بسبب حركات رأسها السريعة والكبيرة؟». وأضاف، وهو أيضاً بروفسور مساعد في قسم راسل مورغن للتصوير الإشعاعي في كلية الطب في جامعة جونز هوبكنز: «تُعتبر الشرايين السباتية والفقرية في عنق معظم الكائنات، بما فيها الإنسان والبوم، هشة جداً، فضلا عن أنها قد تصاب بسرعة بتمزقات صغيرة في بطانتها».

من المعروف أن إدارة الإنسان رأسه وعنقه فجأة تؤدي إلى تمدد بطانة الأوعية الدموية وتمزقها، ما يسبب خثرات قد تنفلت وتسبب الوفاة نتيجة انسداد وعاء دموي أو سكتة دماغية. ويعتبر الباحثون هذه الإصابات شائعة، وتنتج غالباً من حادث سيارة قوي أو حتى من رحلة قاسية في القطار الأفعواني في مدينة الملاهي أو بعض حركات المعالجة اليدوية (chiropractic) الخاطئة.

سعى فريق جونز هوبكنز إلى حلّ هذا اللغز. فدرس بنية العظام ونظام الأوعية الدموية المعقّد في رأس وعنق البومة البيضاء والمرقطة والقرناء الكبيرة بعد موتها لأسباب طبيعية. استخدم هؤلاء الباحثون صباغاً ملوناً يُحقَن في الوريد ليحسّنوا تصوير أوعية هذه الطيور الدموية بالأشعة السينية. بعد ذلك، خضعت هذه الطيور لتشريح متقن رُسم ومُسح بطرق تتيح تحليله بدقة.

تناقض

توصّل الباحثون إلى أهم اكتشافاتهم بعدما حقنوا الصباغ في شرايين البوم، محاكين تدفق الدم ومديرين الرأس يدويّاً. واصلت الأوعية الدموية في أسفل الرأس تحت عظم الفك تمددها فيما دخلت كمية أكبر من الصباغ الجسم، قبل أن يصب السائل في النهاية في خزانات. يبدو التناقض واضحاً بين ما لاحظوه وبين قدرات جسم الإنسان، حيث تميل الشرايين إلى التقلص ولا تنتفخ خلال تفرّعها».

يوضح الباحثون أن خزانات الدم القابلة للتقلص هذه تخدم كوسيط تبادل، ما يتيح للبوم تجميع الدم لسد حاجات دماغه الكبير وعينيه، فيما يدير رأسه. وتساهم شبكة الأوعية الداعمة هذه، بوصلاتها وقدراتها على التكيّف الكثيرة، في الحد من انقطاع تدفق الدم.

يذكر دي كوك- مركادو، الذي يعمل راهناً خبيراً في التصوير العلمي في معهد هاورد هاغز الطبي: «كشفت دراستنا المعمَّقة لجسم البوم أحد أهم الألغاز الطبية العصبية الوعائية حوّل طرق تكيّفه مع حركات رأسه الدائرية الكبيرة».

علاوة على ذلك، يذكر غايود: «تكشف نتائج دراستنا الجديدة بدقة وسائل التكيّف الداخلي الضرورية لتحمّل حركات الرأس المماثلة ولمَ يُعتبر الإنسان أكثر عرض للإصابات الناجمة عن تقويم العظام خلال المعالجة اليدوية. تُعتبر حركات رأس الإنسان العنيفة بالغة الخطورة لأننا نفتقر إلى ما يتمتع به البوم من خصائص تحمي الأوعية». اكتشف الفريق أول اختلاف في بنية جسم البوم في عنقه، حيث يعبر أحد الشرايين الأساسية المغذية للدماغ عبر ثقوب عظمية في الفقرات. بدا قطر هذه التجاويف الفارغة أكبر بعشر مرات من الشريان الذي يمر بها. يوضح الباحثون أن هذه المساحة الإضافية في الثقبات المُسْتعرِضة، كما تُعرف الفتحات المحيطة بالشريان الفقري، تشكّل مجموعة من الجيوب الهوائية المخففة للصدمات تتيح للشريان التحرك عن إدارة الرأس. وتبيّن أن 12 من فقرات عنق البوم الأربع عشرة تتحلى بهذه الخاصية.

يذكر دي كوك-مركادو: «نُلاحظ أن الشريان الفقري في عنق الإنسان يملأ كاملا هذه التجاويف الفارغة. لكن الوضع يختلف في حالة طيور البوم، لأن بنيتها معدّة خصوصاً لتمنح الشرايين مرونة أكبر وقدرة على الحركة». كذلك اكتشف هذا الفريق أن الشريان الفقري يدخل العنق في موضع أعلى، مقارنة بالطيور الأخرى. فيخترقها عند فقرة العنق الرابعة عشرة، ما يمنح الأوعية المزيد من المساحة والمرونة.

شملت اكتشافات دي كوك-مركادو وغايود الأخرى وجود وصلات وعائية دموية صغيرة بين الشرايين السباتية والفقرية غير مرئية عادةً لدى الإنسان البالغ. تسمح هذه الوصلات بتبادل الدم بين هذه الأوعية الدموية. يقول الباحثون إن هذه الوصلات، التي تُسمى تفاغرات، تؤمن تدفق الدم المستمر إلى الدماغ، حتى لو سُدّ أحد سبله خلال دوران الرأس بقوة.

يخطط هؤلاء الباحثون بعد ذلك لدراسة بنية الصقر لمعرفة ما إذا كانت أنواع الطيور الأخرى تتمتع بقدرة التكيّف ذاتها عند إدارتها رأسها.

موّل هذه الدراسة مستشفى جونز هوبكنز وصندوق Vesalius للتواصل البصري في علوم الصحة. وفضلا عن دي كوك-مركادو وغايود، شارك في هذه الدراسة باحثو جامعة جونز هوبكنز مايكل حبيب (حائزة شهادة دكتوراه)، تيم فلبس (حائز شهادة ماجستير)، وليديا غريغ (حائزة شهادة ماجستير).

back to top