التخدير العام... دخول اللاوعي والخروج منه باحثون يحدّدون أنماط النشاط الدماغي
تُظهر أنماط موجات الدماغ انتقالاً واضحًا إلى حالة شبيهة بالغيبوبة في حالة المرضى الذين يخضعون لتخدير عام. سوزان يونغ من Technology Review تابعت اكتشافات الباحثين في هذا المجال.
حدد الباحثون أنماطًا من النشاط الدماغي ترتبط بفقدان الوعي واستعادته حين يخضع المريض لتخدير عام. قد تساعد هذه الاكتشافات، التي نُشرت أخيرًا في Proceedings of the National Academy of Sciences على شبكة الإنترنت، أطباء التخدير في المستقبل على مراقبة الوعي في حالة مرضاهم.روبرت ثييل طبيب تخدير في كلية الطب في جامعة فرجينيا لم يشارك في هذه الدراسة، يذكر: «صحيح أن هدف التخدير الرئيس جعل المريض يفقد الوعي موقتًا (ويكون غير قادر على التذكّر)، لكن الطبيب لا يُراقب الدماغ مباشرة». بدلاً من ذلك، يراقب المؤشرات غير المباشرة، مثل ضغط الدم، نبض القلب، وردود الفعل، لتحديد عمق التخدير. يضيف ثييل: «من هنا تنشأ حاجة إلى معايير أكثر دقة لمراقبة عمق التخدير».
نشاط كهربائييستخدم بعض المستشفيات والباحثين جهاز تخطيط موجات الدماغ (EEG)، الذي يقيس النشاط الكهربائي في قشرة الدماغ من خلال أقطاب توضع على فروة الرأس. لكن هذه البيانات تحوَّل إلى رقم واحد أو مؤشر واحد يقيّم مدى وعي المريض. يوضح إميري براون، طبيب تخدير في مستشفى ماساتشوستس العام وعالم أعصاب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وباحث بارز في الدراسة: «تكمن المشكلة الكبرى في المؤشرات المعتمدة في أن معتمديها يعتبرون أن كل الناس يصبحون غير واعين عند بلوغ المؤشرات عينها، ويطبقونها على جميع الناس والأدوية كافة. لكن هذا ليس صحيحًا. يختلف التفاعل مع الأدوية باختلاف المرضى، فضلاً عن أن لكل دواء تأثيره الخاص».نتيجة لذلك، عمل براون وباتريك بوردون، طبيب أعصاب من مستشفى ماساتشوستس العام ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وزملاؤهما على تصنيف أنماط تخطيط موجات الدماغ المحددة المرتبطة باللاوعي الناجم عن التخدير. سجّل الفريق أنماط تخطيط موجات الدماغ في حالة عشرة متطوعين أصحاء أعطوهم جرعات أكبر وأصغر من مادة مخدرة شائعة الاستعمال تُدعى بروبوفول. استمع المشاركون إلى إشارات صوتية، مثل اسمهم، وغيرها من مؤثرات سمعية، وطُلب منهم الضغط على زر ردًّا على كل منها. وقد استخدم الباحثون هذه الطريقة كإشارة إلى فقدان الوعي أو استعادته.اكتشف الفريق أنماطًا فريدة من موجات الدماغ في حالة المتطوعين خلال فقدانهم الوعي واستعادته. فقد وسمت تغييرات في العلاقة بين موجات الدماغ المختلفةِ الترددات الانتقال من مرحلة الوعي إلى اللاوعي والعودة إليها. كذلك حدد الفريق نمطًا في موجات دماغ المشاركين ارتبط بحالة اللاوعي الأعمق. وقد تتحوّل هذه الأنماط أو «التواقيع» ذات يوم إلى وسيلة لمراقبة التخدير واللاوعي والتحكم فيهما في حالة المرضى الذين يُعطون البروبوفول، وفق الباحثين. تكمن ميزة الدراسة في إمكان التمييز بين النوم بسبب الأدوية والنوم بسبب إصابة، حسبما يشير ديتريخ غرافنشتاين، طبيب أعصاب من كلية الطب في جامعة فلوريدا. فقد تساعد هذه الدراسة، وفق غرافنشتاين، الباحثين على فهم حالات الدماغ المختلفة، كذلك قد تكون عونًا لهم في غرفة الجراحات.يوضح غرافنشتاين أن أطباء التخدير يحاولون تعديل كمية الأدوية التي تُعطى للمريض استنادًا إلى حاجته لحظة بلحظة. فقبيل الجراحة، يُعطى المريض مخدرًا ما يجعله يشعر بالنعاس والاسترخاء. يذكر غرافنشتاين: «عندما تبدأ الجراحة، تزداد حاجة المريض إلى المخدر بشكل كبير. لكن المشكلة تكمن في أننا لا نعرف ما إذا كان المريض مرتاحًا ونائمًا بفضل القليل من الدواء أو أنه فاقد الوعي. لا شك في أننا لا نريد أن يستفيق المريض ما إن يلمس المشرط جلده». يمكن لأنماط تخطيط موجات الدماغ الواضحة التي تحدد كل حالة أن توجّه أطباء التخدير، مع أن وقت التحليل يجب أن يكون بالغ السرعة كي يتمكن الأطباء من استخدامه خلال الجراحة، وفق غرافنشتاين.تدريب الأطباءيأمل الباحثون أن تُستخدم اكتشافاتهم في الأطر السريرية، ويعملون اليوم على تدريب أطباء التخدير على استخدامها. لكن كريستوف سوبرت، كبير أطباء التخدير في كلية الطب في جامعة فلوريدا، يشير إلى أن الدراسة استخدمت أجهزة لتخطيط موجات الدماغ مزودة بنحو 64 قطبًا. ويضيف أن معظم غرف الجراحات وإجراءات التخدير غير مجهزة اليوم لهذا النوع من المراقبة. يقول سوبرت: «تعتمد مراقبة عمق التخدير على قناة أو اثنتين لتخطيط موجات الدماغ توضعان على الجهة الأمامية من الدماغ، لا لأن هذه المنطقة الأكثر أهمية بالنسبة إلى الوعي واللاوعي، بل لأن هذا الموضع الأسهل لإلصاقهما على الرأس». لذلك يعتبر سوبرت أن تحديد الحد الأدنى من بيانات تخطيط موجات الدماغ، الذي يحتاج إليه الطبيب للحصول على المعلومات الضرورية في شأن عمليات الانتقال، يشكّل خطوة أساسية لجعل هذه البيانات مفيدة سريريًّا.فضلاً عن مساعدة المرضى، قد يساهم هذا النوع من الاكتشافات في تحديد عمليات أساسية في الدماغ، وفق براون الذي يعتبر اختصاصه الطبي أداة لدراسة الأوجه الأساسية للوعي. يضيف: «إذا تمكنّا من توضيح تأثير دواء ما في هذه الدوائر لإنتاج هذه التفاعلات، فسنتمكن عندئذٍ من تأمين معلومات مثبتة لمن يسعون إلى كشف عملية دخول حالة الوعي والخروج منها».