جلال زنكَابادي: الخيام لم يكن صوفياً (2-2)

نشر في 09-01-2013 | 00:02
آخر تحديث 09-01-2013 | 00:02
No Image Caption
جلال زنكَابادي (1951) شاعر، مترجم وباحث عراقي باللغتين العربيّة والكرديّة، ويترجم إليهما عن: الفارسية، الإنكَليزية، الإسبانية والآذرية... وبصفته خيّاملوجيّاً (أي ينتسب الى الخيام) في مشهديّ الثقافتين الكرديّة والعربيّة؛ حاورناه بخصوص هذا المحور.
يبدو أن لديك المزيد ممّا يتعلّق بالخيّام غير مطروح في اللغة العربيّة؛ فهل تناولت هذه المعضلة (مثلاً) في البحث والتحقيق؟

في كتابي «الخيّام مالئ الدّنيا وشاغل المترجمين» بشموليّة وعمق؛ وأعتقد بفلاحي في تفنيد كل حجج السّاعين إلى تجريد الخيّام من شعره، بل آمل بأن يساهم مع كتابي «ديوان عمر الخيّام» وكتابي الماثل للطبع «موسوعة الخيّام» في حلّ «اللغز الخيّامي» وتصحيح الصورة الشوهاء الشائعة للخيّام، وهي صورة «خيّام موهوم» مرسومة بالاستناد إلى رباعيّات دخيلة (خمريّة، كفريّة وخليعة) استند إليها معظم الباحثين وما زالوا لاستنتاج الفلسفة الخيّاميّة، بل ثمّة مَنْ دبّج فتاوى تكفيريّة في حق الخيّام!

وهل تعتقد بحسم المعضلات المتعلّقة بالخيّام في كتابك المذكور وكتبك المقبلة؟

رغم كون كتابي المذكور «بانوراما مضغوطة»، لكنّه لن يكون خاتمة المطاف في عالم الخيّاملوجيّا؛ فبوّابة الاحتمالات تظل مفتوحة على الترجمات والتفاسير والتآويل، بل على ظهور نتاجات خيّاميّة ما زالت مفقودة؛ فثمة رسائل علميّة له لمْ يُعثر عليها إلى حد الآن، وقد تحصل حتى مفاجأة مثل اكتشاف الباحثين محمد افشين وفايي وأرحام مرادي 17 رباعيّة جديدة للخيّام (لم يسبق العثور عليها في أيّ مخطوط أو كتاب سابقاً).

وردت في إجاباتك عبارتا «الرباعيّات الأصيلة» و{الرباعيّات الدخيلة» غير مرّة؛ فما هي المعايير الأدبية التي تعين الباحث على فرزها بعضها عن البعض؟

يتعلّق هذا السؤال بأحد أهم محاور كتبي؛ فمنذ اكتشاف عمر الخيّام شاعراً من الغرب بعد وفاته بنحو 700 سنة، ما برح الخيّام مالئ الدنيا وشاغل المترجمين... فقد تناولته آلاف الكتب والدراسات والمقالات بعشرات اللغات الغربيّة والشرقيّة، لكنّما الكتب التي تناولت معضلة اختلاط رباعيّاته الأصيلة بالدخيلة وفرزها؛ لتحقيق ديوانه وضبطه قليلة جدّاً، وقد دار كتابي «ديوان عمر الخيّام» في هذا الفلك الذي لم يلتفت إليه معظم المترجمين والباحثين في اللغة العربيّة منذ أكثر من قرن.

تضاربت الأقوال في تحديد عدد رباعيّات الخيّام وضبط صيغ أكثر الرباعيّات الأصيلة ونسبتها إليه، في حين توصّل بضعة محققين متبحّرين إيرانيين إلى أن ديوان الخيّام الأصيل لا يتعدّى «74 رباعية وبضع مقطوعات شعرية بالعربية والفارسية» على حدّ  القطع واليقين، ويمكن في أقصى الأحوال إضافة نحو ضعفيّ عدد الرباعيّات الأصيلة على سبيل الاحتمال، لا اليقين، في حين نسّبت إلى الخيّام أكثر من ألف رباعيّة منحولة، حتى بلغ عددها نحو (1300) بل صرّح الباحث محمد ياحقي بأنّ عدد الرباعيّات المنسوبة إلى الخيّام يبلغ أكثر من عشرة آلاف رباعيّة!: «ولكنّنا لا نستطيع أن ننسب إليه جزماَ حتى عشرها» بل «ليس ثمّة مَنْ يجرؤ على القسَم بمقدّساته أنّ هذه الرباعيّة أو تلك هي لعمر الخيّام يقيناً!». ويؤكّد آربري هذا الرأي بتعبير آخر؛ ألا وهو تعذر اليقين القاطع بتنسيب أيّ رباعيّة إلى الخيّام، رغم أنّه يعتقد أنّ الخيّام قد خلّف ما لا يقلّ عن 750رباعيّة، بل قال نيكلسون ما فحواه: لو عاد الخيّام نفسه إلى الحياة؛ لاحتار وعجز عن فرز رباعيّاته الأصيلة عن الركام الهائل للرباعيّات الدخيلة!

ثمة المزيد من الرباعيّات «الدخيلة» بحسن النيّة أو سوء الطويّة، ويجب ألاّ يغيب عن البال أنّ جميع مخطوطات رباعيّات الخيّام الأصليّة وأغلب المصادر المخطوطة من تذكرات وسفائن وكشاكيل شعريّة «قد أصبحت في خبر كان» عند تعرّض إيران، خصوصاً نيسابور للغزو والإحراق على أيدي المغول... وتناقلت الألسنة رباعيّات الخيّام حتى دخلها التحوير والتبديل... وتعاقب عليها النُّسّاخ؛ فغيّروا الكثير من معالمها. ودسّوا فيها من شعر غيره، وأثبتوا له من القول ما برئ منه لسانه، كما أشار أحمد رامي. وشخَّص صادق هدايت تضارب مضامين الرباعيّات: « لو عاش امرؤٌ قرناً، وما انفكَّ يغيّر آراءه ومعتقداته مرّتين يومياً؛ لما استطاع أن يعبّر عن كلّ هذه الآراء المتباينة»، وعليه فإن إدراك الخلفيّة (السياسيّة والأدبيّة والدينيّة) لعصر الخيّام وما يليه، والاستناد إلى المصادر والمراجع في عصره والقريبة منه ودراسة مؤلفاته وشعره العربي، ثمّ جرد دواوين الشعراء المعاصرين له والعصور اللاحقة؛ سيعيننا على وضع معيار أساسيّ لتشخيص وتحديد عدد الرباعيّات الأصيلة للخيّام وطبيعة خطابه الشعري الذي تجلّى للخيّاملوجيين المتبحّرين بكونه في غاية الصراحة والفصاحة، إلاّ ما ندر. بل إن تمحيص رباعيّات الخيّام الأصيلة ومقطوعاته الشعريّة العربيّة والفارسيّة يُجَـلّـي ويثبت أن الخيّام ليس أبا نؤاس ولا عمر بن أبي ربيعة، بل ولا حتى المعرّي. أجلْ، ليس الخيّام بشاعر غزل ونشيب ولا غرام  ولا إباحة، ولا مجون ولا داعية لللامبالاة وإدمان الخمر والمخدّرات. ولقد ثبت لحد الآن بطلان نسبة مئات الرباعيّات إليه. وهنا سأوجز معايير الفرز: كل رباعيّة «كفريّة» أو «إباحيّة» أو «خمريّة عاديّة بلا مضمون فلسفي عميق» أو «غراميّة = غزليّة» أو «صوفيّة» أو «دينيّة مناجاتيّة» أو «مستهترة أخلاقيّاً» أو «مزوّقة، مبهرجة بديعيّاً» أو «رديئة شعريّاً لخلل وزني أو في القافية» أو «هابطة المستوى مضمونيّاً» أو كل رباعيّة لا تتناغم مع سيرة الخيّام «بألقابه الجليلة التي أضفاها عليه معاصروه» وأشعاره العربيّة وقطعاته الفارسيّة ومضامين رسائله الفلسفية وبعض ما جاء في رسائله العلميّة، وكل رباعيّة تختلف بشعريّتها عن شعريّة الخيّام التي شخصتها سالفاً، وكل رباعيّة وردت في مصادر متأخرة بعد طربخانة/ 1462، بالإضافة إلى كل رباعيّة توصّل الخيّاملوجيّون الثقاة  إلى معرفة صاحبها... كلّ رباعيّة تنطبق عليها أيّ وصفة من الأوصاف أعلاه؛ فهي ليست للخيّام.

إذاً ليس الخيّام زنديقاً ماجناً مثلما صوّره لنا معظم الكتاب والمترجمين وشوّهوا حقيقته؛ فهل هو متصوّف؟

 أبرز من حسبوا الخيّام صوفيّاً: عبد القادر أهري، نيكولا الفرنسي، عباس كيوان قزويني، سيّد حسين نصر، عبد الرزاق كانبوري، عمر علي شاه وعبد الباقي كَولبينارلي الذي يراه متأرجحاً بين الفلسفة والتصوّف، وثمة مريدون كثيرون في الشرق لـ «الخيّام الصوفي!» وحتى في المغرب، ولنا في مهرجان «فاس» الموسيقي أسطع دليل؛ حيث حظي الخيّام باحتفاء باذخ (يونيو2011) تحت شعار «تجلّيّات الكون» وطبعاً ثمة من لا يحسبون الخيّام صوفيّاً: القِفطي وفروغي وآخرون. وفي رأيي ليس الخيّام صوفيّاً، رغم تأثره بالتصوّف فكراً وسلوكاً إلى حدّ ملحوظ، إنما هو معتدل بوصفه إنساناً، ومؤمن بوصفه فيلسوفاً مشائيّاً مقتفيّاً خطى ابن سينا.

 

هل ستفلح  باستقصاءاتك الشاملة والمعمّقة أن تقدّم جديداً ما على صعيد الخيّاملوجيا؟

 

أجل... بالمساهمة في حلّ «اللغز الخيّامي» وفرز الرباعيّات الخيّاميّة الأصيلة عن الدخيلة؛ لضبط ديوانه الحقيقي، وتصحيح الكثير من الأغلاط المارّة حتى على خيّاملوجيين إيرانيين كبار، واكتشاف تأثر عدد من الشعراء الإيرانيين القدامى والمعاصرين بالرباعيّات، «لم ينتبه إليهم حتى كبار الخيّاملوجيين الإيرانيين من قبل»: عبدالرحمن جامي، هلالي جغتائي، أمير علي شيرنوائي، الشيخ بهاء الدين العاملي، فرُّخي يزدي، نيما يوشيج، فريدون مشيري، علي جعفري وإيرج زبردست. كذلك إنجاز «موسوعة الخيّام» للمرّة الأولى في اللغة العربيّة، بل في لغة أخرى (غير الفارسيّة) بالإضافة إلى ترجمة رباعيّات الخيّام الأصيلة وشبه الأصيلة وقصيدتين وقطعة فارسيّة إلى اللغتين العربيّة والكرديّة، علماً بأني ترجمت أيضاً أشعاره العربيّة إلى الكرديّة، في حين لم يترجمها حتى الخيّاملوجيّون الإيرانيّون إلى الفارسيّة!

وما الذي يميّز ترجمتك لرباعيّات الخيام عن الترجمات السابقة؟

للأسف الشديد، غالبية مترجمي رباعيّات الخيّام في العالم مثلهم مثل «حطّابي الليل»، فقد خلطوا بين الأصيل والدخيل في ترجماتهم، حتى المترجمون من مستوى: أحمد رامي، النجفي، عبدالحق فاضل، وصالح الجعفري! بل لم تسلم ترجمة أيّ منهم من أخطاء في نقل المعاني والأسلوب، ومردّ بعضها ليس إلى الجهل بالفارسيّة، وإنما الهوس في إنجاز شعر منظوم (قريض). أمّا أنا فقد أوليت الاهتمام بترجيح أولويّة نقل المعنى على الانصياع لجمال المبنى؛ لذا اضطررت إلى ابتكار طريقة «النثم = نظم + نثر مسجوع»، ولكوني شاعراً باللغتين الكرديّة والعربيّة ومترجماً للشعر إليهما عن بضع لغات زائداً نزعتي الموسوعيّة؛ أزعم أن صنيعي الترجمي يتميّز عن غالبية الترجمات العربيّة والكرديّة السابقة إلى حد مشهود:

اقتصر معظم المترجمين على ترجمة الرباعيّات من دون التطرّق إلى سيرة الخيّام وأعماله الكاملة وعصره، وقد تلافيت هذا القصور، ليس بمقدّمة أو تقديم، بل بأكثر من كتابين بالكرديّة والعربيّة.

- اقتصرت على ترجمة الرباعيّات الخيّاميّة الأصيلة وشبه الخيّاميّة (التي يُحتَمل أن يكون بعضها للخيّام) وقد حصرت أرقام الرباعيّات الأصيلة داخل القوسين (  ) وتركت أرقام شبه الخيّاميّة بلا أقواس.

- التزمت بالنقل الدقيق للمعاني والأسلوب، مع عدم التضحية بالشعريّة قدر الإمكان.

- ثبّت المتون الفارسيّة للرباعيّات مع الترجمتين العربيّة والكرديّة (وهي غير مثبّتة في أغلب الترجمات العربيّة والكرديّة وغيرها..).

- سلسلت الرباعيّات المترجمة (قدر الإمكان) حسب مواضيعها؛ ما يساعد على التلقي الجيّد وفهم الخيّام، على العكس من التسلسل العشوائي المشهود في غالبية الترجمات، بل حتى في معظم طبعات الرباعيّات بالفارسيّة!

- حشّيت كلّ رباعيّة تحشيةً مستفيضة، وضحت فيها ما يلي: مصادر ومظان المتون الفارسيّة للرباعيّات/ الروايات المختلفة للكثير من الرباعيّات؛ فثمة رباعيّات لها روايتان أو ثلاث، ناهيكم بالروايات المختلفة للكثير من المصاريع/ نسبة هذه الرباعيّة أو تلك إلى غير الخيّام، فثمّة الكثير من الرباعيّات تنسب إلى شاعر أو شاعرين أو أكثر/ تأثر وتأثير الخيّّام وهذا يتعلق بالكثير من الرباعيّات/ أسماء الأشخاص والأمكنة الواردة / وتواريخ ولادات ووفيات الأعلام ذوي العلاقة.

 

ما المشاريع الخيّاملوجيّة التي أنجزتها والتي ما زلت تشتغل عليها؟

- باللغة العربيّة: «ديوان الخيّام» (دار الجمل) 2010، ثمّ نقحته وزيّدته فصار كتابين: «لنعرف الخيّام جيّداً- دراسة، و{ديوان الخيّام»، وهو عبارة عن ترجمة نحو 180 رباعيّة بالإضافة إلى قصيدتين وقطعة بالفارسيّة وتسع قطع بالعربيّة، «موسوعة الخيّام...»- جاهزة للنشر منذ 2010، «الخيّام مالئ الدنيا وشاغل المترجمين..»- جميل صدقي الزهاوي، ترجمتاه المنظومة والنثريّة لرباعيّات الخيّام- تحقيق ونقد،» «أفضل الترجمات العربيّة لرباعيّات الخيّام»- نقد، «أبرز الخيّاملوجيين في العالم»- رباعيّات ليست للخيّام (الرباعيّات الدخيلة والمدسوسة).

- باللغة الكرديّة: «رباعيّات الخيّام»، ترجمة عوني- تحقيق، دراسة ونقد، «لنعرف الخيّام جيّداً»- دراسة جلال زنكَابادي، ترجمة حمه كريم عارف، «ديوان الخيّام»، وهو عبارة عن ترجمة نحو 180 رباعيّة بالإضافة إلى قصيدتين وقطعة بالفارسيّة وتسع قطع بالعربيّة، «رباعيّات الخيّام» ترجمة عبدالله كَوران- تحقيق ونقد، «رباعيّات الخيّام»، ترجمة خليل مشختي، تحقيق ونقد، «الترجمات الكرديّة لرباعيّات الخيّام»- نقد.

back to top