الصيف يمرّ سريعاً والشتاء يطول
كتب هـ. ج. ويلز في The New Accelerator، قصة قصيرة عن دواء يسرّع مستخدمه، محوِّلاً إياه إلى ما يشبه النيزك عندما يحتك بتفاصيل حياته اليومية: {كان لا بد من أن نركض، وإن ركضنا، أعتقد أننا يجب أن نشتعل. من الضروري أن نشتعل}. لمَ تتبدّل نظرتنا إلى الوقت كثيرًا من فصل إلى آخر ومن سنة إلى أخرى؟ بول فورد كتب التالي في مجلة «سلايت».
تعالج مواضيع الخيال العلمي دومًا قلق الإنسان بشأن الوقت: تسريع شخص ما وإبطاء العالم، إرسال رواد فضاء إلى العالم الخارجي وبالكاد يكبرون فيما تمرّ العقود على الكوكب حيث انطلقوا، كما في رواية أورسولا ك. لوغوين المؤثرة Rocannon›s World، التي تشمل أيضًا قطًا عملاقة تطير. أضف إلى ذلك فيلم Looper، الذي يعكس خوفًا عصريًا عميقًا، الخوف من أننا مهما بذلنا من جهد ومهما قاومنا، فسينتهي بنا المطاف إلى المصير عينه الذي واجهه بروس ويلس.ولكن ثمة أيضًا الوقت النفسي اليومي القديم، ذلك الوقت البعيد عن الخيال العالمي الذي يمرّ مع كل يوم يمضي، والذي نفهمه من خلال العمليات المختلفة داخل دماغنا. ويُشكّل الوجه النفسي من هذا الوقت (لا الفيزيائي أو الفلسفي) محور كتاب الصحافية البريطانية كلوديا هاموند المثير للاهتمامTime Warped: Unlocking the Mysteries of Time Perception (الوقت المنقضي: حلّ ألغاز نظرتنا إلى الوقت).
يدور الكتاب حول العمليات الذهنية. فكيف ندرك أن لحظة انقضت؟ تعتقد هاموند أننا نستخدم نظام الدوبامين في الدماغ مع عدد من مكونات الدماغ الأخرى. تكتب: «نكوّن نظرتنا الخاصة إلى الوقت بالاستناد إلى النشاط العصبي في دماغنا، بالإضافة إلى معلومات من عوارض جسمنا النفسية». إذًا، لا يكمن الجواب في النجوم، بل في «المخيخ، العقد القاعدية، الفص الجبهي، والقشرة المعزولة الأمامية».منذ أوليفر ساكس، صار علم النفس الشعبي جزءًا من معالجة الأدمغة المتضررة. وفي سعي هاموند إلى استكشاف الطرق التي يفهم بها العلم نظرتنا إلى الوقت، تحوّل النصف الأول من كتابها إلى فهرس للصدمات التي يتعرض لها الرأس. نتعرف إلى الرجل الذي تعرض لإصابة في الفص الجبهي الأيمن وفَقَدَ القدرة على تقييم مرور الوقت بدقة، مَن يُعتبرون في حالة سباتية ولا يرف لهم جفنٌ، توقعًا لدفق من الهواء سيُنفخ في وجههم (هكذا يكونون قد خسروا كل إحساس بالمستقبل)، مَن أصيبوا بضرر في الدماغ ولا يمكنهم التمييز بين العقود، وهنري موليسون البائس، الذي أُدخلت قشة فضية في دماغه كجزء من علاج نوباته، فتعطّل الحصين جزئيًّا. نتيجة ذلك، أضحى عاجزًا عن تكوين ذكريات جديدة وظلّ يعيش في الماضي حتى وفاته بعد نحو 45 سنة عام 2008. وتشبه قصة هنري قصة رجل آخر سقط عن دراجته النارية وصار عاجزًا عن التفكير في المستقبل.يُعتبر كتاب هاموند جيدًا، إلا أنه منمق. فيتضمن بعض الروايات التي يظهر بكل وضوح ألا دخل لها بالموضوع. على سبيل المثال، تتوقف هاموند فجأة عن سرد رواية رجل يهوى القفز من على الجروف العالية يُدعى تشاك باري. تكتب: {لي ملء الثقة أنك تتساءل عما حدث لتشاك باري، طيار يحب القفز عن المرتفعات، الذي تركناه معلقًا في الهواء وجسمه يتهاوى فيما الوقت يتمدد. أخشى أنك لن تحظى بالجواب الآن، بما أننا مضطرون إلى مناقشة مسائل كثيرة مهمة}. هل هذا صحيح؟في مطلق الأحوال، نجا باري ليخبرنا عن وجهة نظره. فيما كان يندفع نحو الأرض، بدا أن الوقت تباطأ، ما أتاح له اتخاذ قرارات منطقية أنقذت حياته. إذًا، لا يتسارع الوقت خلال الأزمة، بما أن ساعة الإنسان الداخلية التي ترصد الوقت متغيّرة. تبدو هاموند في مناقشتها العقد القاعدية أكثر مرحًا من سردها قصة عن القفز بالمظلة. فلا يستفيد الكتاب ولا القرّاء من اتباع مقتضيات الكتابة العلمية بحذافيرها (“نحتاج إلى قصص تجعل مسائل الدماغ أقرب إلينا نحن البشر العاديين}) أو التمسك المفرط بالشكل. الوقت موضوع ملحّ وقريب من أفكارنا، ولا يحتاج إلى مبالغة في الشرح لنفهمه. وطيف الموت المهيمن كافٍ للترويج للكتاب.أسئلة محيرةعندما تكفّ هاموند عن تشريح الدماغ (نحو الفصل الرابع)، تتسارع وتيرة المناقشة، فتتناول أسئلة كبيرة ومحيرة. يُعتبر فصل {لمَ يتسارع الوقت فيما نتقدّم في السن؟} قيّمًا. تستهله هاموند بحكمة تقليدية، فتكتب: {تمرّ السنة بسرعة أكبر في سن الأربعين لأنها تشكّل 1/40 من حياتك، في حين أنها في سن الثامنة ما زالت تشكّل جزءًا أكبر بكثير}. تعتبر هذه مسألة بسيطة، كما كتب جيمس وليام ذات مرة: {تبدو الأيام والأشهر والسنوات أقصر، في حين أن ذلك لا ينطبق على الساعات. كذلك تبقى الدقائق والثواني على حالها}. يتضح أننا نكوّن {ذكريات مميزة} عن الحياة بين سن الخامسة عشرة والخامسة والعشرين: {العلاقات الأولى، الوظائف الأولى، الرحلة الأولى من دون الأهل، التجربة الأولى في الحياة بعيدًا عن المنزل والوالدين}. ولا شك في أن لهذه الظاهرة النفسية اسمًا مميزًا: {تأثير عثرة ذكريات الماضي}.تتابع هاموند: {حتى إننا نتذكر مشاهد أكثر من الأفلام التي شاهدناها والكتب التي قرأناها في أواخر مراهقتنا ومطلع العشرينيات}. ومن الأسباب التي تجعلنا نشعر أن الوقت يمرّ بسرعة أكبر واقع أننا نملك ذكريات أكثر عن شبابنا، ما قد يبرر سبب خوف كل جيل من الجيل الذي يليه: نكون قد كوّنا ذكرياتنا. نخاف حين نرى أولئك الشباب بذكرياتهم الجديدة وموسيقاهم وأفلامهم وأفكارهم، في حين أن أفكارنا لا تزال تبدو نضرة وخصبة. فيتحوّل شبابهم إلى إهانة ولن يدوم.أذكر أنني شعرت بمدى تقدمي في السن ذات يوم حين قرأت تعليقًا على فيديو لكيشا على موقع YouTube: {هذه نفايات. لا يعرف هؤلاء الأغبياء معنى الموسيقى الجيدة. ماذا حلّ بموسيقى فنانين أمثال ألانيس؟}. إذًا، عمرك من عمر ما تكرهه. تأمل الضجة التي أُثيرت أخيرًا حول شبان الألفية الجديدة (إنهم مجانين! لا ينتبهون لشيء! أو لعلهم ممتازون!) والتي نقلتها مجلة التايم. شاهد الفيديو الذي يعيش فيه محرر هذه المجلة جويل شتاين كأحد هؤلاء الشباب ليوم واحد وراقب ما يحدث عندما تتداخل ذكريات جيلين مختلفين. أو اقرأ شكوى ستيف ألبيني من مجموعة Odd Future. لا شك في أن هذا تداخل أو بالأحرى تصادم بشع. من اليسار إلى اليمينتشير هاموند إلى أن معظم الناس يرون تطور الوقت في المساحة كما لو أنه متجه من اليسار إلى اليمين، إلا إذا كانوا يتكلمون العبرية أو العربية، وهما لغتان تكتبان من اليمين إلى اليسار. فبالنسبة إلى هذه الفئة الأخيرة يتحرك الوقت في الاتجاه المعاكس. ماذا عمن يتكلمون اللغة الصينية، التي تُكتب من أعلى إلى أسفل (مع أنها باتت تُكتب غالبًا من اليسار إلى اليمين على شاشات الكمبيوتر)؟ يكون احتمال أن {يرسموا تقدّم الوقت عموديًّا} أكبر بثماني مرات، مقارنة بمتحدثي الإنكليزية. {تراهم يشيرون في الهواء نحو الأعلى عندما يتحدثون عن المستقبل، ونحو الأسفل عندما يتذكرون الماضي}. كذلك نحاول ربط الوقت بالمساحة، وليس العكس. فلا أحد يقول، وفق هاموند، أن طول الشارع أربع دقائق.لنتوسّع قليلاً في هذه المسألة. ربما {يرى} الإنسان الوقت كمساحة، يرى شبابه كمكان. وعندما يظهر جيل جديد، يهدد نطاق سيطرة الجيل السابق. فيأتي ويستعمر تلك المنطقة من حياة الإنسان التي تُعرف بالشباب. أولئك الصغار! الأقزام! أفسحوا الطريق لفرقة Imagine Dragons الجديدة.لا تعبّر هاموند عن هذه الفكرة بهذه الطريقة، بل تلتزم بالطرق العلمية. إلا أنها لا تخاف الخوض في بعض الغموض. ففهم الإنسان للوقت ليس مسألة بسيطة وواضحة المعالم. كذلك، لا توضح {عثرة ذكريات الماضي} وحدها، وإن كانت ظاهرة حقيقية، سبب تسارع الوقت مع التقدّم في السن. عليك أن تأخذ في الاعتبار أيضًا أننا نحتفظ بذكريات أقل مع التقدم في السن (هذه معضلة العطلة: يبدو أن العطلة تمر سريعًا مع أنها تحتل حيزًا كبيرًا من ذكرياتنا). ولا شك في أن وكيل هاموند منزعج من أنها لم تكتب {عثرة الذكريات الماضية: كيف تساعدنا ذكريات الشباب في توقع المستقبل}. ولكن من الجيد أن نقرأ كتابًا علميًا غير متحفظ.يشكّل التعمّق في نظرتنا إلى المستقبل، تعمّق يستند إلى أبحاث دقيقة، لبّ الكتاب. فقد يكون هدف ذكرياتنا الحقيقي، وفق هاموند، مساعدتنا على توقع المستقبل. تشكّل الذكريات دليلنا إلى اتخاذ القرارات. والأهم من ذلك أن نوع الخيارات التي نقوم بها، وبالتالي الذكريات، تصنفنا ضمن فئات البشر، سواء اخترنا قطعة حلوى الآن أو اثنتين لاحقًا.غدر التوقعاتنعلم أننا لا نستطيع الوثوق بالذكريات، ما يعني، وفق الصحافية البريطانية كلوديا هاموند، أننا لا نستطيع الوثوق بتوقعاتنا للمستقبل. نحن متوجهون إلى البرية للتنزه، نتوقع نزهة لا زحمة السير. ونحن في طريقنا إلى الطبيب لا نتوقع تناول كوب من الماء البارد في غرفة الانتظار الهادئة، بل الخضوع للفحص والإجابة عن كثير من الأسئلة. تذكر هاموند: «نتوقع أفضل الأخبار الجيدة وأسوأ الأخبار السيئة. نتخيّل أننا سنعجز عن التكيّف إذا حلت بنا مصيبة كبيرة وأننا سنفرح كثيرًا إذا صادفنا أمرًا إيجابيًّا، ما قد يبدّل حياتنا. لكننا في الحالتين، نبقى الشخص ذاته الذي نحن عليه اليوم».نتيجة لذلك، نفشل جميعنا في تنظيم أعمالنا ووضع البرامج مسبقًا. نحدّد المهل النهائية بعد أشهر لأننا لا نتوقع أن نكون وقتذاك أكثر انشغالاً مما نحن عليه اليوم. يعتقد الجميع أنهم سيكونون بطريقة ما أفضل حالاً، أكثر تحررًا، وأقل انشغالاً في المستقبل. لكن {هذا التوق المتواصل إلى ذلك المستقبل الهادئ حيث يكون كل شيء منظمًا سيقودك إلى خيبة أمل}. يمنحنا هذا نوعًا من العزاء، وخصوصًا أن السؤال الأهم بشأن الوقت ليس بالتأكيد {كم أتذكر من أغاني الثمانينيات؟} أو {هل ينجو تشاك باري من قفزته؟}، أو حتى {هل تستطيع الكلاب تذكّر حوادث فردية؟} (لا تستطيع ذلك، ما يعني أنها لا تشعر بالندم، وهذا جيد في رأيي). ثمة سؤال واحد مهم عن الوقت، سؤال لا يستطيع الكتاب بالتأكيد الإجابة عنه، إلا أنه يلقي عليه الضوء ويبرزه: {كم يتبقى لي من وقت؟}.