الحسناء والتمثال الأثري

نشر في 02-08-2013 | 00:01
آخر تحديث 02-08-2013 | 00:01
بعض الجرائم لا يمكن الوصول إلى فاعليها، فتظل عالقة في الهواء، لا القانون استطاع أن يكشفها ولا الشهود توصلوا إلى الفاعلين. على الرغم من ذلك يبقى الانتقام الإلهي قادراً، دون غيره، على تحقيق القصاص من المجرمين معدومي الضمير، الذين ساعدتهم الظروف في الهروب من فخ القبض عليهم، ناسين أن العدالة الإلهية لا تعرف عبارة «ضد مجهول».
هل يؤدي الحلم بالثراء الفاحش وامتلاك الشقق والمجوهرات إلى الهلاك؟ هذا ما تجيب عنه قصة وعد، امرأة تركت زوجها وابنها في سبيل المال، فذهبت برجليها إلى الجحيم وانقلب الثراء إلى تعذيب وتنكيل واختفاء غامض لم تتوصل الشرطة والمباحث إلى معرفة مصيرها.

استدعت المباحث مهندس الإلكترونيات من دون أن يعرف سبب الاستدعاء... ومن دون مقدمات سأله الضابط بعيون تملأها الريبة:

* هل أنت زوج السيدة وعد؟!

** الآن لست زوجها... وإنما هي مطلقتي منذ سنوات!

* لكن علاقتما لم تنقطع؟!

** هي أم طفلي الذي تركته لي... ومن الطبيعي أن تطلب رؤيته بين حين وآخر... عادة، لا ألتقي بها عندما تأتي لزيارة ابنها لأني أغادر البيت وأترك الطفل مع شقيقتي الأصغر مني سناً... ولا أعود إلا بعد انصرافها!

* لكنك في الأسبوع الماضي منعتها من رؤية طفلكما... وهددتها هاتفياً إذا لم تسمع نصيحتك وتبتعد عن حياتك وحياة طفلك!

** حدث ذلك فعلاً... لكن هل يمكن أن أعرف سبب استدعائي واستجوابي في أمور بالغة الخصوصية؟!

* لا تتعجَّل سوف تعرف كل شيء ولن يهينك أحد إذا كنت صريحاً معنا وواضحاً ولم تحاول الإنكار!

** هل اتهمتني بتهديدها؟

* الموضوع أكبر مما تتخيله وأرجوك عدم المراوغة! سأتركك بعض الوقت في حجرة مجاورة لعل وعسى تفكر جيداً وتريحنا وتريح نفسك بالاعتراف الذي ربما يخفف من عقابك أمام العدالة!

نادى ضابط المباحث المخبرين ليصطحبوا المهندس فادي إلى غرفة مجاورة... خرج فادي محاطاً بالمخبرين. جلس تحت الحراسة في حجرة خاصة وهو يضرب أخماساً في أسداس. لا يجد إجابة واحدة لأسئلة محيّرة تجول وتصول في خاطره... هل هو مقبوض عليه؟ ولماذا؟ هل لمجرد أن تتهمه طليقته السيدة وعد بتهديده لها يستحق أن يعامل هكذا كمجرم؟ وأين وعد في هذه اللحظة؟ هل وصلت دائرة علاقتها الخطيرة إلى حد التأثير على ضباط المباحث؟

بينما كان المهندس فادي يفكر بعمق وحزن لمح من إحدى زوايا الباب شبه المفتوح وشبه المغلق رجل الأعمال عثمان بك الزوج الثاني لوعد يدخل مكتب رئيس المباحث وهو في غاية الارتباك... لعبت الظنون برأس فادي، هل تنتقم وعد من زوجيها السابقين؟ وإذا كان هو متهماً بالسب والقذف والتهديد فأي اتهام وجهته وعد إلى زوجها الثاني؟

جو خانق ومريب وغريب... يمضي الوقت ببطء شديد حتى فوجئ فادي بضابط آخر يدخل الحجرة ويخليها من الحراس ثم ينفرد بفادي الذي يخرج عن هدوئه وصمته لينفجر في وجه الضابط:

* سيادتك أنا موجود هنا ليه؟ وبهذا الشكل المهين؟ وهل يستحق بلاغ من طليقتي بتهديدي لها أن تعاملوني كمجرم؟

** أولاً ليس ثمة بلاغ تهديد... وواضح أنك تتظاهر بعدم معرفة ما حدث. طليقتك إما مقتولة أو مخطوفة والاحتمال الأول هو المرجح!

* أقسم بأنني لا أعرف شيئاً مما تقول!

** يمكنك أن تدافع عن نفسك أمام النيابة، نحن يقتصر دورنا على ضبط المشتبه بهم!

* وهل أنا ضمن دائرة المشتبه بهم... لا علاقة لي بزوجتي السابقة، منذ أسبوع كامل لم أرها ولم أسمع صوتها!

صمت الضابط ولم يعلق بأكثر من أن وكيل النيابة في الطريق، وهو الذي سيجري التحقيق ويصدر القرارات!

اختطاف وعد

الواقعة كانت خطيرة... وتحاط بالحادث علامات استفهام منذ تلقت الشرطة بلاغاً من جيران الشقة رقم 9 في الطابق الرابع في العقار رقم 6 في أحد شوارع حي العصافرة في الإسكندرية.

 قال البلاغ إن الجيران سمعوا صوت استغاثة صادراً من صاحبة الشقة رقم 9 فأسرعوا إلى فتح الأبواب وفوجئوا بثلاثة من الملثمين يحملون أسلحة آلية ويأمرونهم بغلق الأبواب؟ ووسط هذا الرعب والهلع نظر بعض الجيران من العيون السحرية بأبواب شققهم المغلقة، فشاهدوا الملثمين يجذبون صاحبة الشقة من شعرها بعد تكميم فمها بالبلاستر ويدفعونها دفعاً إلى الشارع! وبعدما أدخلوها إلى سيارة جيب انطلقت السيارة بسرعة جنونية حتى اختفت من الحي في لحظات!

وصلت الشرطة وفوجئت بباب الشقة رقم 9 مفتوحاً ومحتويات الشقة مبعثرة بشكل عشوائي، وفوق الأرض بقع من الدم تم أخذ عينة منها مع رفع البصمات! كذلك تم التحفظ على خصلة شعر حريمي، من الواضح أنها تخصّ المجني عليها أثناء جذبها من شعرها بأيدي الملثمين! لم تختلف أقوال فوزية، جارة المجني عليها في الشقة الملاصقة، عن باقي أقوال الجيران... قالت:

* لا أعرف عنها أكثر من أن اسمها وعد، رغم أنها تسكن في هذه الشقة منذ ثلاثة أشهر... كانت امرأة غريبة تتعمد عدم الاختلاط بجيرانها أو حتى الظهور في إحدى النوافذ أو الشرفات، ولم تتعامل قط مع بواب العمارة، إنما كانت تخرج ليلاً لتشتري احتياجاتها بملابس تخفي جسدها ووشاح أبيض يختبئ داخله شعرها الفاحم الطويل بينما تداري نظارات سميكة معظم وجهها.

وقال بواب العمارة:

* فوجئت بالملثمين لحظة إغلاقي باب العمارة بالجنزير، أشهروا السلاح الآلي في وجهي وسحبني أحدهم إلى السيارة الجيب بعدما حذرني من أي مقاومة... كان المشهد مرعباً وخلال دقائق نزلوا بالسيدة وعد وأدخلوها السيارة... كانوا يلكمونها في وجهها بشدة... وبسرعة ألقوا بي خارج السيارة التي لم تكن تحمل لوحات معدنية!

* كل ما أعرفه عن الست وعد أنها استأجرت الشقة بعقد إيجار القانون الجديد لمدة أربعة أشهر فقط... وعرفت من صاحب العمارة أنها سوف تخلي الشقة الشهر المقبل.. عموماً كانت “الست” سخية وكريمة معي إلى أبعد الحدود... لكن لاحظت أنها قلقة للغاية وتهرب من عيون أي شخص ينظر إليها... وهذه أمور لم تكن تعنيني لأن البيوت أسرار!.

معلومات شاملة

أعاد وكيل النيابة المعاينة بنفسه، فعثر أسفل مرتبة السرير على جوازي سفر داخل كيس من البلاستيك، أحدهما عليه صورة السيدة وعد مع بيانات مختلفة وملحق بالجواز صورة طفل وبياناته؟ وكان الجواز الآخر يحمل اسم {بسنت} وكامل البيانات الخاصة بهذه السيدة!

كان وكيل النيابة الذي يحقق في الحادث يعمل بطريقة خاصة ومميزة عن باقي زملائه، فهو يصر على جمع معلومات شاملة قبل أن يوجه اتهاماً إلى أحد المشتبه بهم... ربما لهذا السبب فحص جوازي السفر بمنتهى الدقة ومنتهى السرعة... وبالفعل جاء تقرير مصلحة الجوازات بمفاجأة... الجواز الخاص بوعد مزور بالكامل ما عدا صورتها وصورة الطفل الذي ثبت أنه ابنها من المهندس فادي ولكنها انتحلت له اسماً آخر... أما الجواز الآخر فكان سليماً ولهذا أمر وكيل النيابة باستدعاء صاحبته بسنت على وجه السرعة... وفي الوقت الذي انطلق فيه فريق من الضباط إلى منزل بسنت استدعى وكيل النيابة المهندس فادي وتعمد أن يهدئ من روعه قبل أن يبدأ التحقيق معه:

* أولاً أرجو أن تطمئن لأنني شخصياً وحتى هذه اللحظة لا أميل إلى توجيه الاتهام إليك، لكني أبحث عن كل التفاصيل في حياة مطلقتك، فأرجو أن تساعدني... كيف تزوجتها؟ ولماذا طلقتها؟ ولماذا هددتها قبل أسبوع في رسالة على الموبايل بأنك ستقتلها إذا لم تبتعد عن طفلك وأختك؟

** تزوجتها عن حب متبادل... لم يكن يعيبها سوى الطموح الكاذب... لكن هذا العيب لم يكن ظاهراً بوضوح، لطالما حلمت بشقة تمليك... وسيارة ومدارس أجنبية لأولادنا... كانت تضعف أمام محلات المجوهرات وتعشق حكايات الثراء والأثرياء... كنت أنصحها بالصبر وأن الأماني لا تتحقق دفعة واحدة... وكانت للحق تقدر أحوالنا المادية المتوسطة حتى قرأت إعلاناً في إحدى الصحف عن وظيفة سكرتيرة تجيد اللغة الإنكليزية وأعمال السكرتارية...

أفقدها الإعلان توازنها على رغم أنني اشترطت عليها قبل الزواج بأنها لن تعمل بليسانس اللغة الإنكليزية لأني أؤمن بأن بيت المرأة هو الذي يصونها... كانت سعيدة للغاية بالشرط الذي يفرض أن تكون المرشحة للوظيفة حسنة المظهر، فهي جميلة، وأنيقة، وجذابة، وهذا ما كان يدفعني إلى الغيرة الشديدة عليها... وعلى رغم ما حدث بيننا من شجار وخلافات أصرت وعد على التقدم إلى المسابقة... والغريب أنها نجحت من بين عشرات المتقدمات، ومن دون أن تكون لها خبرة سابقة في أعمال السكرتارية...

كان طفلنا الصغير نقطة ضعفي ومصدر صبري عليها حتى فاض بي الكيل... شممت رائحة علاقة بينها وبين صاحب شركة الاستيراد والتصدير!... ولا دخان من دون نار... رفضت أن أكون رجلاً منزوع السيادة في حياة زوجتي التي بدأت رحلة تمرّدها بالمال الذي يجري في يديها، وزينتها المبالغ فيها في فترات عملها والحفلات التي كان صاحب الشركة يصطحبها معه فيها. خيرتها بين العمل والطلاق فاختارت الانفصال ولم تهتم بوجود طفلها في رعايتي... كان واضحاً أنها تريد أن تتحرر من كل شيء بعدما تمردت على كل شيء! طلقتها... ولم يمض عام حتى علمت بخبر زواجها من صاحب الشركة... صدقت توقعاتي وحمدت الله أني تبرأت منها مبكراً...

 ربما حققت ما تريد من سيارة فارهة ومجوهرات وشقة تمليك... لكنها تذكرت طفلنا أخيراً... وعلى رغم ذلك لم أحرمها من رؤيته... فإن الكارثة الكبرى كانت في تعاطف أختي معها... استطاعت أن تجند أختي لسببين: الأول أن تكيد لي وتجعل أختي نسخة منها! والثاني أن تضمن رؤية ابني وقتما تشاء عن طريق أختي!

الأسبوع الماضي، فوجئت بها تزور أختي في غير الموعد المحدد... وعلمت من أختي أن وعد تحرضها على العمل معها في الشركة، ففقدت أعصابي وطردتها وهددتها بالقتل إذا رأيتها في بيت أختي مرة أخرى... هذه كل حكايتها معي... لكن من أين لي بالمال الذي أنفقه على عصابة الملثمين ليخطفوها؟ أقسم أنه كان مجرد تهديد ولا علاقة لي بهذه المتمردة.

الطلاق الثاني

عثمان بك صاحب الشركة أقرّ أنه طلق وعد منذ أسابيع وأضاف:

* كان الطلاق بمثابة رد اعتبار لشرفي بعدما ملأتني الشكوك تجاه هذه السيدة التي أقامت صداقة وجسوراً مع رجال الأعمال الذين أعرفهم، حتى لم أعد قادراً على التمييز بينهم، وأيهم هو الذي تخونني معه... مثل هذه الحشرة الجميلة يضحي الإنسان بطردها من دون أن يلوث سمعته أو يعرّض نفسه لعقوبة القتل أو الخطف؟...

مفاجأة

كانت بسنت المفاجأة الكبرى في تحقيقات النيابة. انهارت وهي تقف أمام المحقق وتطلب حمايتها قبل أن يصل إليها الملثمون. سألها المحقق عن سر خوفها فقالت:

* كنت الصديقة الوحيدة لوعد. علاقتنا تمتد إلى زمن بعيد منذ أيام الطفولة والجيرة في أحد الأحياء الشعبية. كانت تطمئن إلي وتخصني بكل أسرارها. نعم لم تحب في حياتها سوى زوجها الأول فادي، لكن هذا الحب تبخّر بالمال والمجوهرات والهدايا التي وضعها عثمان بك تحت قدميها لتطلق زوجها ويمتلكها وحده. لكن وعد استمرأت اللعبة وعرفت من أين تؤكل الكتف... صارحتني في الفترة الأخيرة بأنها سوف تنتقل إلى عالم المليونيرات قريباً، ووعدتني بأن ينالني من الحب جانب وأن أسافر معها ونعيش كسيدتي أعمال في دولة لم تحددها لي... عرفت منها، أيضاً، أنها استخرجت جواز سفر مزوراً لأنها سوف تصطحب طفلها معنا. سألتها: لماذا هذا كله؟. رفضت الإفصاح عن التفاصيل... ومع ضغطي عليها صارحتني بأنها تمتلك كنزاً تخبئه في بيت أسرتها القديم... وكان أصحاب هذا الكنز كلفوها بنقله إلى أحد المشترين إلا أنها أخفته عن الجميع. كانت تحدثني من رقم هاتف لم تحدثني منه سابقاًً. طلبت مني الاستعداد للسفر، وفي الوقت المناسب سوف تخبرني بالموعد والعنوان الذي سألتقي بها فيه، لأن سفرنا إلى الخارج سيكون من مطار الإسكندرية. لكن يبدو أن أصحاب الكنز توصلوا إلى مكانها قبل أن تنفذ خطتها.

* ما هو محتوى هذا الكنز؟!

** ما فهمته أنه تمثال أثري من الذهب الخالص... وأنها من خلال علاقاتها المتشعبة تعرفت إلى تجار الآثار الذين وثقوا بها وكلفوها بهذه المهمة مقابل مبلغ كبير... لكنها طمعت بالتمثال!

المفاجأة الأخيرة كانت في بيت أسرة وعد القديم في حي شبرا... وصلت الشرطة إلى الحارة التي يقع فيها هذا البيت... فسمع الضباط العجب العجاب.

قال الجيران إن ملثمين صعدوا بأسلحة آلية إلى الشقة القديمة لأسرة وعد وحطموا بابها ونزلوا بحقيبة لا يعرف أحد محتوياتها... ثم لاذوا بالفرار بعدما رعبوا المنطقة بإطلاقهم عشرات الأعيرة النارية في الهواء.

أفرجت النيابة عن الزوجين... وفشلت الشرطة في كشف أفراد العصابة الملثمين، واختفت وعد منذ سنوات.. وربما إلى الأبد.

back to top