«الهبوط» هل يُطيح بأسطورة الذهبين الأصفر والأسود؟!
خلال الـ200 سنة الماضية تبع متوسط أسعار السلع دورة متوقعة: ارتفاع في أحد العقود الزمنية، وبصورة حادة في أغلب الأحيان، يعقبه عقدان من الهبوط في ظل واقع أن الأسعار الحقيقية لم ترتفع منذ سنة 1800، لكن ثمة استثناءات لهذه القاعدة، إذ ارتفعت أسعار بعض السلع بما في ذلك النفط والنحاس بشكل فعلي.
يواصل الدمار الذي تسبب فيه تباطؤ الاقتصاد الصيني الكبير انتشاره وامتداده إلى ما وراء حدود تلك الدولة الآسيوية، ورغم أن معظم السلع تمتعت بالعودة مجدداً إلى الارتفاع مع مطلع الشهر الجاري، بعد صدور نتائج أفضل من المتوقع لمستويات التوظيف الأميركية، فإن الهبوط الذي طرأ على أسعار تلك السلع خلال الأشهر القليلة الماضية يشير إلى فقدان المكاسب التي جنتها خلال العقد الماضي.وبالنسبة إلى أولئك الذين لا يعملون في قطاع التعدين تعتبر هذه أنباء جيدة حقاً، إذ إن استرداد مستويات التوظيف الأميركية وعودة معظم السلع إلى الارتفاع يعد واحداً من أفضل المؤشرات حتى الآن على أن الاقتصاد العالمي قد عاد إلى وضعه الطبيعي.كان النهم الصيني الشديد على شراء كل ما يمكن تخيله من المواد الخام- بما في ذلك النفط والصلب وفول الصويا والذهب ضمن أشياء أخرى- يرسم صورة لمستقبل مليء بالارتفاعات اللانهائية في أسعار السلع مترافقاً مع هبوط مستمر في مستويات المعيشة في الدول المتقدمة.وفي ضوء نظرية عالم الاقتصاد توماس روبرت مالثيوس لتفسير مسألة الندرة التي يقول فيها: فإن استمرار الزيادة السكانية متجاوزة الموارد الغذائية، سيؤدي إلى زيادة الطلب من الاقتصادات النامية في الأسواق الناشئة، وهو ما سيترافق معه هبوط حجم المعروض من السلع في الأسواق ما يصعد بأسعار الموارد الطبيعية... أي أن ذلك يعني أن أسعار الغاز لن تعود مجدداً إلى الانخفاض، أو أن أوقية ستكلف آلاف الدولارات.وتجسدت ردود أفعال العديد من المستثمرين الدوليين في المراهنة بصورة كبيرة على الصين، ونظراً لصعوبة الشراء مباشرة من الصين، فقد عمد الكثير منهم بدلاً من ذلك إلى شراء السلع التي يحتاجها اقتصاد تلك الدولة من البلدان الأخرى: النفط من روسيا والحديد من أستراليا وهكذا.وهكذا ولدت الصلة بين الصين والسلع، وبدأ متعهدون ماليون ومستثمرون يكثفون من تعاملاتهم في صناديق الاستثمار السلعية- بما في ذلك الذهب والفضة، وتعاملوا معها كما لو كانت مثل الأسهم.دورة الصعود العظمىبدأت صناديق التقاعد في الولايات المتحدة، ولأول مرة، بتخصيص حصة من أصولها للتعامل في صناديق استثمارية سلعية، وحتى مجلس الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي) الأميركي انخرط في العملية من دون قصد وذلك عن طريق طباعة الكثير من النقود التي انتهت شريحة واسعة منها إلى تعزيز المضاربة على الصين والأسواق الناشئة الكبرى، وغالباً عبر استخدام السلع كواجهة للتعاملات.ثم ارتفعت الأسعار بصورة مكافئة ولافتة، وفي الفترة ما بين سنة 2000 و 2011 ارتفعت أسعار النحاس بنسبة وصلت إلى 450 في المئة، وارتفعت أسعار النفط 365 في المئة فيما قفز سعر الذهب بأكثر من 500 في المئة ليصل الى أكثر من 1900 دولار للأوقية. وقد تردد حديث عن احتمال وصول سعر برميل النفط إلى 200 دولار ووصول سعر أوقية الذهب إلى 10 آلاف دولار.كان وقتاً عصيباً ونسب كل شيء إلى الفكرة القائلة إن صعود الصين قد أطلق "دورة صعود فائقة" لأسعار لسلع يمكن أن تبقي الأسعار عالية إلى ما لا نهاية. تميل أسعار السلع، كالذهب، إلى الارتفاع عندما تتراجع الثقة بالنظام المالي، وتهبط عادة عندما ترتفع تلك الثقة، وهي تشبه في هذا الصدد السياسي الذي قال عنه ونستون تشرشل ذات مرة "لديه كل الفضائل التي أكرهها، وليس لديه أي عيب أعجب به".الأسعار المرتفعة للسلع تثري طبقة من النافذين الفاسدين بصورة أسطورية ومن أولئك القادرين على تطويع مهارتهم الرئيسة لضمان وجود روابط سياسية انتهازية تجلب لهم السعد. وفي غضون ذلك تضغط الأسعار العالية، خصوصاً النفط، على الفقراء وعلى الطبقة المتوسطة وتعمل ككابح للنمو في العالم الصناعي. وخلال حقبة الـ2000 تملك القلق الولايات المتحدة نتيجة صعود أقطاب فساد النفط والطغاة غير المستقرين في بعض البلدان المنتجة للنفط.ولهذا السبب تظل أسعار السلع، ومنها الذهب والنحاس، منخفضة في هذه السنة بأكثر من 10 في المئة على الرغم من الارتداد الذي حققته في الآونة الأخيرة، وبالتالي فهي تعتبر أنباء جيدة، إذ إن الرابطة بين السلع والصين شرعت في التفكك. وبعد ثلاثة عقود من التسارع الفائق لأسعار السلع أدى تباطؤ الاقتصاد الصيني المحتم إلى اندفاع الهواء خارج الفقاعة: ومنذ فترة الذروة في شهر أبريل من سنة 2011 هبط أوسع مؤشر متاح لقياس أسعار السلع بنسبة وصلت إلى 16 في المئة، وخلال الأشهر القليلة الماضية بدأت الأموال في التدفق إلى خارج صناديق الاستثمار المتخصصة في تداول معظم السلع.وتم استبدال طيف مالثوس من ارتفاع الطلب وانكماش العرض بإدراك جديد يقول، بالنسبة إلى معظم السلع، بأن الطلب مستقر وأن العرض يرتفع بسرعة. وقد ظل الطلب على النفط مستقراً في الدول المتقدمة منذ سنة 1995 لأن أسعار النفط المرتفعة ألهمت جهود الحفاظ على الطاقة في دول مثل اليابان والولايات المتحدة.كفاءة الطاقةالآن ومع انطلاق جهود كفاءة استخدام الطاقة في البلدان الناشئة بشكل جيد حيث تعمل الصين جاهدة على إنتاج سيارات كهربائية، على سبيل المثال، رغم استمرارها في بناء العشرات من مصانع الفحم الحجري، فقد يرتفع الطلب العالمي خلال العقد الحالي، وربما يتحول الجدل من سيناريوهات "ذروة النفط" التي كانت تهدد بخفض المعروض إلى خطر حدوث صعود حاد في الطلب عليه وصولاً إلى "ذروة الطلب".ومن المؤكد أن العالم لم يعد خائفاً من احتمال فقدان السلع المهمة ونفادها، وقد جذبت الأسعار العالية الاستثمارات إلى مناجم النحاس، ومواقع صهر الألمنيوم، ومصادر إنتاج المعروضات من السلع الأساسية الأخرى على اختلافها. في العقد الماضي، قفزت المبالغ المستثمرة في قطاع الطاقة والمواد الأساسية غير الزراعية بنسبة 600 في المئة، مقارنة مع متوسط زيادة بلغ 200 في المئة في القطاعات الأخرى.وتعد الطفرة التي طرأت على إنتاج الغاز الحجري في الولايات المتحدة واحدة من النتائج التي ولدتها مثل هذه النفقات والاستثمارات، فمنذ عام 2001 زاد إنتاج الصين من المعادن الصناعية بنسب مضاعفة بلغت نحو 140 في المئة بالنسبة إلى خام الحديد، ووصلت إلى 775 في المئة للنيكل.ويعتبر هذا جزءاً من الدورة العادية في الاقتصاد العالمي، وليس دورة فائقة... فعندما تحدث طفرة في أسعار السلع فإن ذلك يحد من الطلب وفي الوقت نفسه تجتذب الأموال والابتكارات من أجل زيادة الإمدادات التي تفضي إلى إحباط أسعارها مجدداً. وخلال الـ200 سنة الماضية تبع متوسط أسعار السلع هذه الدورة المتوقعة: ارتفاع في أحد العقود الزمنية، وبصورة حادة في أغلب الأحيان، يعقبه عقدان من الهبوط في ظل واقع أن الأسعار الحقيقية لم ترتفع منذ سنة 1800. ولكن ثمة استثناءات لهذه القاعدة- حيث ارتفع بعض السلع بما في ذلك النفط والنحاس بشكل فعلي، غير أن الذهب حافظ على قيمته. ويصل سعر الأوقية في الوقت الراهن إلى حوالي 1500 دولار، وهو السعر ذاته الذي بلغته في سنة 1980 إذا عدل في ضوء معدلات التضخم.وإذا حافظ هذا النموذج التاريخي على وضعه، فإن ذلك يعني أننا ندخل اليوم إلى حقبة طويلة من الهبوط في أسعار السلع التي قد تستمر لنحو عقدين من الزمن، وهذا شيء جيد بالنسبة إلى المستوردين مثل الولايات المتحدة، كما كانت الحال في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي عندما شهدت الأسعار هبوطاً. ويتعين أن يفضي الهبوط الحالي في سعر التجزئة بالنسبة إلى البنزين إلى زيادة القوة الشرائية للمستهلك الأميركي ويقلص من أثر السياسة الأميركية الرامية إلى إلغاء المخصصات الحكومية.وفي غضون ذلك، فإن الدول التي نعمت بطفرة في أسعار السلع الأساسية خلال السنوات القليلة الماضية من المرجح لها أن تواجه عودة محبطة إلى مقدرات الحياة العادية ومحنها.