صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4496

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

أوجه الخلل المزمنة في دول الخليج 2013: الثابت والمتحول

  • 14-06-2013 | 00:01

قدم د. عمر هشام الشهابي سرداً مقتطفاً من الاصدار الاستراتيجي "الخليج 2013: الثابت والمتحول" من مركز الخليج لسياسات التنمية، والذي اعده اكثر من 20 باحثا من ابناء دول مجلس التعاون لرصد وتحليل اهم تطورات المنطقة على مدى العامين الماضيين.

وقال د. الشهابي إن هذا البحث معنيٌّ أساساً برصد وتحليل التطورات في أوجه الخلل المزمنة في دول مجلس التعاون على مدى السنتين الماضيتين، وتبعاتها على دول المنطقة وشعوبها. وفي هذا السعي، نرى من المفيد أن نُقدّم تعريفاً عاماً لأهم هذه الأوجه، حيث يمكن إيجازها في أربعة أوجه خلل مزمنة رئيسية، وهي الاقتصادي والسكاني والأمني والسياسي:

الخلل الإنتاجي - الاقتصادي

يتمثل الخلل الإنتاجي في الاعتماد المُطلق، والمُتزايد، على ريع صادرات الثّروة الطبيعيّة المعرَّضة للنضوب، وهي النّفط الخام (الزيت والغاز الطبيعي). ومن المعروف أنّ مصدر مختلف أنواع الدّخل الرئيسية في دول المنطقة هو الريع النّفطي، والناتج من ارتفاع سعر النفط عشرات المرات بالمقارنة مع تكاليف إنتاجه، وهو خللٌ يتجلّى في تركيب النّاتج المحلّي الإجمالي وسائر الحسابات القوميّة الأخرى، لأن مصدر هذه المداخيل هو ريع تصدير ثروة طبيعية "ناضبة"، وليس إنتاجية الأفراد والمؤسسات، كما هو الحال في الاقتصاد الإنتاجي. ولكي نُدرك مدى هذا الخلل الإنتاجي؛ علينا أن نتصوّر ما يمكن أن يحصل لجميع مصادر الدّخل في المنطقة فيما لو تمّ استبعاد عائدات تصدير النّفط لأيّ سببٍ من الأسباب.

ونتيجة لعدم رغبة - وربما عدم قُدرة كلّ من دول المنطقة مُنفردة على تبنّي سياسة نفطيّة وطنيّة تخضع بموجبها صادرات النفط لاعتبارات التّنمية - فقد تمّت تلبيتها للطلب العالمي على النّفط بشكلٍ تلقائي، دون أدنى اعتبار للقدرة الاستيعابيّة أو الطّبيعة النّاضبة للثّروة النّفطيّة. وبذلك تزايد الاعتماد على ريع النفط منذ عقود، وأصبح هذا الرّيع هو المصدر لإيرادات الموازنة العامة، وميزان المدفوعات، والاستثمارات العامة، وسائر الحسابات القوميّة الأخرى.

وقد صاحب هذا الخلل الإنتاجي المستمر، خلطٌ بين المال العام والمال الخاص، وغياب الشّفافية تجاهه، وذلك إلى درجة اعتبار الموازنة العامة والاحتياطي العام سرّاً يُمنع على المواطنين في بعض دول المنطقة، وهو الأمر الذي أدّى إلى كثير من التسرّب، والهدر، وسوء تخصيص عائدات النفط في الاستهلاك الجاري، بدل توجيهها للاستثمار، كما أدّى هذ الخلل إلى تخلُّف سياسات إعادة تدويرها داخليّاً وخارجيّاً. وباستثناء الكويت - وتحديداً مع صدور دستور 1962 - لا تنشُر دول المنطقة حساباتٍ ختاميّةٍ للموازنة العامة، بحيث تتضمّن جميع أوجه الدّخل، والنّفقات العامة، ولا حسابات مُدققة للاحتياطي العام، كما انّها لا تنشر تقارير ديوان المحاسبة، في حال وُجدت أصلاً.

وفي هذا الصدّد، يُبيّن هذا البحث أن هناك ما يزيد على 750 مليار دولار اميركي من الفروقات في تقديرات عوائد صادرات النفط والغاز الفعليّة، في مقابل العوائد العامة المُعلنة رسميّاً على مدى العقد المنصرم، والتي تحتاج إلى تفسير، وتبيان سبب هذه الفروقات العالية.

وقد يكون المتحوّل الرئيسي على مستوى الخلل الاقتصادي؛ هو بروزُ شبح مصاعب اقتصاديّة عميقة، قد لا تكون بعيدة عن المنطقة، تتمركزُ أساساً في عدم قدرة إيرادات النفط المتقلبة على تلبية الاتفاقات المتفاقمة في بعض دول المجلس، خاصة ذات الموارد النّفطية المتواضعة نسبيّاً.

وقد يكون أفضل مثال على ذلك هو البحرين، حيث بدأت تلوحُ بوادر أزمة اقتصادية عميقة، تمثلت في تفاقم الدّيْن العام إلى نسبة 40 في المئة من إجمالي النّاتج المحلي، وتواصل العجز السنوي العالي في الميزانية، نظراً للمصروفات الجارية المتزايدة وعدم إمكانية إيرادات النفط من تلبيتها. وممّا يُفاقم من هذه الأزمة، هو تجذّر الاعتمادية على النفط، بوصفه العنصر الرئيس في إيرادات الميزانية العامة، حتى بلغ سعر البرميل المطلوب لمعادلة الميزانية أكثر من 100 دولار.

وتتزامن بوادر هذه الأزمة الاقتصاديّة مع ذروة الأزمة السّياسية الحادة التي تشهدها البلد منذ فبراير 2011، وستكون جدليّة التحوّلات السياسية والاقتصاديّة في البحرين؛ محطّ أنظار باقي دول المنطقة.

على الرغم من اختلاف حدة الوضع في باقي دول المجلس عند مقارنتها بالبحرين، فهذا لا يعني اختفاء بوادر الأزمة الاقتصاديّة كلياً عنها. ففي أغنى الدّول النّفطية، وخصوصاً في قطر والإمارات؛ بدأت الدّيون الخارجيّة تتراكمُ بشكلٍ مُقلق جدّاً، خاصة في دبي وقطر (وتشير التّقديرات المتحفّظة بأنّ حصة كل مواطن من الدّين الخارجي قد يزيد على 742 ألف دولار أميركي و302 ألف دولار أميركي في دبي وقطر على التّوالي)، ووصل إجمالي الدّيْن العام إلى أكثر من 30 في المئة من النّاتج المحلّي، وهذا رقمٌ مُقلق في دولٍ من المُفترض أن تكون مُصدِّرة لرأس المال.

وقد وصل سعرُ البرميل المُتطّلب لموازنة الميزانيّة في الإمارات إلى 85 دولارا، وهو رقمٌ عالٍ نسبياً. وفي حين نجدُ أنّ الوضع قد لا يُعتبر كارثيّاً على المدى القصير؛ فإن هذه الوضعية لا يمكن لها أن تستمر على ما هو عليه على المدى البعيد، خصوصاً في ظل تفاقم الخلل الإنتاجي في دول المنطقة، والمُتمثل في تواصل الاعتمادية على الرّيع المُحصل من بيع النّفط في أسواق خارجية ما انفكّت أسعارها تتقلّب، فتتقلب معها اقتصاداتُ المنطقة، صعوداً وهبوطاً.

الخلل السكاني المتفاقم

يُمكننا تعريف الخلل السّكاني على أنّ دول المنطقة تتأسّس على مجتمع يُشكل فيه وافدون غير مواطنين نسبةً عاليةً من سكان وقدرات المجتمع الاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعية، لفترةٍ ممتدّة ومتّصلةٍ من الزمن. مما لا شك فيه ان الوافدين لعبوا دورا تنمويا رئيسا في بناء ونهضة مجتمعات دول مجلس التعاون، وليس هذا موضوع النقاش. ففي كثير من المجتمعات في تاريخ البشرية تواجد فيها الوافدين بصورة مكثفة، لكن التطور في اغلب هذه المجتمعات على امتداد الزمن كان يعني اما عودة الوافدين الى ديارهم بعد انقضاء المهمة التي قدموا من اجلها، وبذلك تتقلص نسبة الوافدين، او ان يتم دمج الوافدين على مر الوقت في المجتمع فيصبحوا جزءا مكونا منه ومواطنين شركاء فيه تجمعهم وحدة الارض والمصير.

اما حاليا فلا هذا ولا ذاك هو الحاصل في دول مجلس التعاون، حيث تتزايد اعداد الوافدين مع مرور الزمن، وامكانية اندماجهم تبدو شبه معدومة لا من ناحية القدرة الفعلية او ارادة شعوب المنطقة. وهذا ينذر بأن التركيبة السكانية الحالية في دول المجلس غير مستدامة على المدى البعيد، وهنا مكمن الخلل. وبسبب إهمال إصلاح الخلل السكاني وتجاهله؛ ارتفع عددُ سكّان دول مجلس التعاون من عشرة ملايين في عام 1975، إلى 40 مليونا في عام 2010، وبذلك ارتفعت نسبة الوافدين في إجمالي سكان دول مجلس التعاون إلى 48 في المئة في عام 2011، مقارنةً بما يقترب من 22 في المئة في عام 1975. كما تدّنت نسبة مساهمة المواطنين في قوّة العمل إلى 33 في المئة مقارنة بـ61 في المئة في عام 1975.

هذا بالنسبة لإجمالي السكان وقوة العمل المجتمعة للمنطقة، أما الدول الصّغيرة منها؛ فقد تدّنت - في دولة قطر والإمارات على سبيل المثال - نسبة المواطنين من مجموع السكان إلى اقل من 15 في المئة، وتراجعت نسبة مساهمة المواطنين في إجمالي قوة العمل إلى 6 في المئة فقط، وذلك في عام 2010. ويُذكر أن الخلل السّكاني في دول المنطقة برز كظاهرةٍ عامة منذ الطفرة النفطيّة الأولى في عام 1973، مما يُبيّن ارتباطه الجلي بالخلل الإنتاجي/ الاقتصادي الذي تمّ سرده سابقا.

ويُبيّن هذا البحث أنّه في العقد المنصرم، برزت ظاهرة سياسات المشاريع العقارية الضّخمة المُوجّهة بشكلٍ رئيسي إلى المشتري الدّولي، وذلك في أربع من دول المجلس: (الإمارات، البحرين، عمان، وقطر). في كلٍّ من هذه الدول؛ اتّجهت سياسات ورؤى متّخذي القرار نحو دعم هذه المشاريع علنًا، وتمّ وضعها في صُلب واقع المنطقة وتطلّعاتها.

وبهذا، تغيّرت رؤية متّخذي القرار ومعاملتهم لظاهرة تدفّق الوافدين إلى المنطقة، وذلك من النّظر إليها بوصفها ظاهرة عَرضيّة لابدّ منها، هدفها سدّ متطلّبات الإنتاج في المنطقة، إلى تبني استقطاب الوافدين، ليكون ذلك هدفاً أساسيّاً ينبغي تشجيعه وتحفيزه بغرض زيادة الطّلب الاقتصادي عليه في دول المجلس. وتُبيّن الأرقام أنّ هناك نية لبناء ما لا يقلّ عن 1.3 مليون وحدة سكنيّة، تستوعب 4.3 ملايي قاطن، وهو ما يتعدّى سكان هذه الدّول الاربع مجتمعةّ.

تفكيك رؤية الحراك ومطالبه

تثار تساؤلات حول ردة الفعل الرسمية ازاء مطالب الحراك الشعبي، فيبرز أيضا أهمية تفكيك رؤية ومطالب الحراك. وإجمالا، لا توجد صورة متبلورة لرؤية ومطالب واضحة من قبل قادة هذا الحراك، بل إنه في كثير من الأحيان يُردّد بأن الحراك يتميّز بأنه بدون أي قيادة مركزية.


ويرى البعض أن هذه اللامركزية قوة ومكمن نجاح الحراك في استيعاب وتفادي الضربات الأمنية التي كانت تطيح بالأحزاب المنظمة سابقا، بينما يرى الآخرون أن غياب القيادة والمطالب الواضحة يُهدّد بتشتت الحراك أو اختطافه من قوى انتهازية. ففي كثير من الأحيان تبقى المطالب والرؤى السياسية مبهمة لهذه التحركات، وتتمحور في الأساس حول رفض الوضع الحالي والتركيز على الجانب الحقوقي المدني البحت برفض السجن والتعذيب والتأكيد على حق حرية الرأي والتجمع الخ.

وفي الحالات التي يتواجد تبلور لمطالب سياسية محددة، كما هي الحال في البحرين، فيتبين أن هناك انقساماً حادّا في رؤية ومطالب المعارضة، كما هي الحال بين من يطالب بجمهورية ومن يطالب بمملكة دستورية.

وقد يكون أحد الظواهر المقلقة التي بدت تطلّ بشكل جدي في دول المجلس هو شبح الانقسام بناء على المذهب والإثنية والمناطقية. فلقد لوحظ تنامي هذا الانقسام والخطاب، والذي – وإنْ كان في كثير من الأحيان تدعمه وتغذيه بعض الأجهزة الرسمية - إلا أنه أصبح واقعا ملموسا في المجتمع له دوافعه الذاتية. ففي البحرين أصبح الانقسام بناء على المذهب أمرا واقعا لا يمكن انكاره، أما في الكويت فمسألة "الحضر" و"البدو" قد اخذت درجة جديدة من الحدية، وتبرز هذه المسألة بأشكال متفاوتة بين أغلب دول المجلس.

وتبقى طريقة تعاطي الأطراف المختلفة، بما فيها الأنظمة الحاكمة، وفئات الشعب، وقادة المعارضة، بالإضافة إلى التطورات الإقليمية والدولية، هي ما سيقرر طريقة تفاعل هذه العوامل على أرض الواقع، وعما إذا اكان الحراك سيؤدي إلى تغيرات سياسية حميدة بناء على مبدأ الديمقراطية والمواطنة، أم أن الأمور ستأخذ منحى أكثر احتقانا أمنيا وطائفيا واثنيا ومناطقيا.

وتقوم رؤيتنا في هذا العمل على أساس فهمٍ تحليليّ يؤكّد القول إنه من الخطأ النّظر إلى كلّ من أوجه الخلل على أنّها قضيةٌ مستقلة، أو اعتبار هذا المجموع من الخلل على أنّه مجرّد مجموعةٍ من المشاكل المشتّتة وغير المترابطة جوهرياً. نذهبُ في هذا الاصدار إلى ضرورة أنّ نُحلّل أوجه الخلل جميعاً، وفي وحدةٍ عضويّة متماسكة الأبعاد، مُتضافرة العناصر.

كذلك، من الخطأ معاملة أوجه الخلل المزمنة وكأنّها ظواهر جامدة، يستحيل أن يطرأ عليها التّغيير، فجدلية التّاريخ لا تتحرّك في خطوطٍ مستقيمة مرسومة مسبقاً، بل إنّ تفاقم أوجه الخلل المُزمنة، والتّناقضات التي تُولِّدها؛ تجعل من الصّعب، بل من المستحيل، التنبؤ بدّقةٍ بكلّ ما قد يحصل من توابعها.

وعلى نفس القدر من الأهمية؛ هو كيفية تعامل الأطراف ذات المصلحة مع هذه التغيّرات. فعندما تخرج التّبعات عن المألوف، تجد الأطراف المختلفة نفسها على المحكّ، وخارج نطاق ما اعتادت على التعامل معه، أكانت الحكومات المحلّية، أم فئات الشّعب المختلفة، أم القوى الدّوليّة.

لهذا نرى من المهم أن نُحلّل ما هو ثابت في أوجه الخلل المزمنة على مستوى المنطقة، وما هو متحوّل فيها على مدى السّنوات الماضية والقادمة. انطلاقاً من هذه الرّؤية الجامعة؛ نُقدِّم هذا العمل من الخليج عن الخليج والى الخليج، على أمل تشكيل وجهة نظرٍ نقديّة، بما يؤسّس لرؤى تطويرية تُسهِم في تأسيس نظرةٍ شاملة في المستقبل.

الخلل الأمني والاتكالية على الغير

يتمثل جوهرالخلل الأمني في عدم مقدرة دول المجلس على الدفاع عن نفسها وتأمين  الاكتفاء الذاتي من الحماية العسكرية، وذلك لأسبابٍ تتعلّق بصغر وضعف كلٌّ من دول المنطقة منفردةً. وهو الأمر الذي جعلَ كلا منها تجد "أمنها" في التّحالف مع دول عظمى، وإعطائها تسهيلات عسكريّة من أجل حماية نفسها. ولا ينبغي النّظر إلى علاقة دول المنطقة مع الدّول الكبرى على أنها علاقة صداميّة بحتة، أو على أنها علاقة تبعيّة خالصة. ولكن الصّحيح هو النّظر إليها بوصفها علاقة مصالح مشتركة، تشهد أحياناً قدراً من التقاطع، وأحياناً أخرى تمرّ بظروفٍ متنافرة.

ومما لا شك فيه ان دول المجلس تواجه تحديات وتهديدات جوهرية في اقليم مضطرب امنيا، كما كان الحال مع غزو العراق للكويت في 1990 واحتلال ايران المتواصل للجزر الاماراتية، الا ان جوهر الخلل يكمن في اسباب عدم قدرة دول المجلس في التصدي لأي تهديدات لأمنها بنفسها. ولارتباط هذا الخلل بالبنيّة الاقتصاديّة والسّياسيّة في دول المنطقة؛ فإن في ذلك ما يُعقد المشاكل المرتبطة بتلك البُنى، ويضيف إليها بُعداً آخر يُضاعف صعوبات الحلّ والتّجاوز.

وتُبيّن الإحصائيّات، أنّه في عام 2012 تواجد حوالي 30 ألفا من القوّات العسكريّة الأجنبيّة في دول مجلس التعاون، بالإضافة الى 20 الف عنصر آخر من البحرية الأميركية التي تجوب بحار الخليج.

وثمّة بعد آخر للخلل الأمني يخص وضع المنطقة الأمني الحرج في جانب المقوّمات الحياتيّة الحديثة، والتي تمثّل أهم الموارد الأساسية، وهي الماء، والغذاء، والطاقة، والبيئة الطبيعية. حيث تعتبر دول المنطقة من أفقر دول العالم من ناحية الثروة المائيّة والغذائيّة، وهي – أساساً – تعتمد بشكلٍ كلّي على ثروةٍ ناضبةٍ في توفير احتياجاتها من الطاقة والكهرباء. في المقابل، فإنّ استهلاك المنطقة للمياه والغذاء والكهرباء يُعتبر الأعلى عالميّاً. هذه التّركيبة المكوّنة من استهلاكٍ مفرط، وشُحّ في الموارد؛ يُنذر بخلطةٍ متفجّرةٍ قد تضع المنطقة في وضع حرج، وفي زمنٍ قد لا يكون بعيداً.

الخلل السياسي

أخيراً، وليس آخراً، يجبُ التّطرق إلى الخلل السّياسي، ويتمثّل هذا الخلل في غياب نُظم حُكم ديمقراطيّة، وعدم مراعاة مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية، وضعف المُشاركة السّياسيّة الشّعبيّة الفعّالة في تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة في أغلب دول المنطقة، وهو الأمر الذي أدّى إلى استمرار الخلل في علاقة السّلطة بالمجتمع، والذي نتجَ عنه وجود "سلطة أكثر من مطلقة، ومجتمع أقل من عاجز".

قد يكون هذا كله معروفاً للجميع، وقد تمّ التّطرق إليه بأشكال متفاوتة في دراساتٍ وكتاباتٍ سابقة، لكن أهمية الخلل السّياسي – في هذا السّياق- عادت إلى الواجهة في خضم تداعيات الانتفاضات العربية التي أطاحت بحكّام في تونس ومصر وليبيا، وقد وصلت موجات الاحتجاجات إلى أغلب دول مجلس التعاون. وهذا يُعطي دافعاً قويّاً لإعادة تقييم الوضع السّياسي في هذه الدّول، والتّأمّل في وتيرة التّطورات داخل كلّ دولةٍ على حدة، بالإضافة إلى تحليل أوجه التقاطع والتشابه بين دول المجلس مجتمعةً.

وكانت الحركات الاحتجاجاية على أشدّها في البحرين، ولكن التّحرّكات في الكويت وعمان وصلت أيضا إلى مراحل غير مسبوقة، وحتى في السعودية والإمارات بدأت تظهر بوادر حراك معارض ذي كتلة عددية حرجة، بل إن هناك بوادر حراك، وإنْ كانت خجولة، شرعت بالظهور في قطر أيضا.

وتميّز هذا الحراك استراتيجيا؛ بالاعتماد الكبير على برامج التواصل الاجتماعي، خاصة "تويتر" و"فيسبوك"، حيث تمّ إعلان أكثر من مسيرة وتجمّع على هذه البرامج. وفيما عدا حالة قطر والإمارات نسبيا؛ قد يكون أكثر ما ميّز هذا الحراك هو النزول إلى الشارع في مسيراتٍ واحتجاجات، خاصة من قبل الشباب، وهو ما كان غائباً عن الساحة (فيما عدا البحرين) لمدّةٍ طويلة. كما تميّز هذا الحراك عامة بمسحة الخطاب الحقوقي الليبرالي عليه، مركّزا بشكلٍ مكثف على خطاب حقوق الانسان، خاصة في الإمارات والبحرين والسعودية وعمان، هذا بالاضافة إلى تواصل دور الخطاب الإسلامي (بشقيه السني والشيعي) في لعب دور اساسي، وإنْ كان قد خفّ بريقه، وامتزج في كثيرٍ من الأحيان مع الخطاب الحقوقي. ولعب التواصل مع المنظمات غير الحكومية الغربية دوراً محوريّاً في دعم هذه الاحتجاجات وتوفير التغطية الإعلامية الغربية للتطوّرات في الخليج، والتي برزت بشكل مكثف وبصورة غير معهودة سابقا، خاصة في الإمارات والبحرين.

في المقابل، تفاوتت ردّة فعل السلطة. القاسم المشترك بين كل دول الخليج كان إعلان مزايا وعطايا مادية جديدة للمواطنين، وهي استراتيجية تقليدية للتعامل مع أي اضطرابات شعبية محتملة، أكانت عن طريق رفع الرواتب أو المنح أو توفير أعمال جديدة في القطاع العام، وفُعّلت هذه الاستراتيجية في كل دول المجلس بلا استثناء.

بالإضافة الى ذلك، فقد لعبت استراتيجية القوة الأمنية دورا محوريا أيضا، وإن تفاوتت حدتها بين دول المجلس. فنرى أنها كانت أشد وطأة في الإمارات والبحرين والسعودية، وقد تكون البحرين هي من تصدر استعمالها، بينما كانت الأخف في قطر ذات الحراك السياسي المتدني نسبيا. أما بالنسبة إلى الإصلاح السياسي الجدي،  فلم تأخذ هذه الاستراتيجية حيزا كبيرا في أي من الدول، فيما عدا عمان بعد إجراءات السلطان في عام 2011 والتي أدّت إلى تغييرات وزارية ودستورية تعدّت ما عداها في الدول الأخرى. وعلى الرغم من أن البحرين أجرت تعديلات دستورية أيضا، فانها إجمالا تم رفضها من قبل المعارضة واتهامها بأنها شكلية وبلا أي مغزى، على عكس الحال في عمان. ويرى بعض المراقبين أن هناك بوادر حركة متسارعة من التغيرات السياسية أيضا في السعودية، بما فيها دخول المرأة إلى مجلس الشورى والانفتاح النسبي الإعلامي، إلا أن طبيعة هذه الإصلاحات لاتزال موضع شكوك حول مدى نطاقها وجديتها. اما في الكويت، فقد ادت الضغوطات السياسية الى تغيير رئيس مجلس الوزراء وحل المجلس النيابي اكثر من مرة، ولكن مازالت تبعات هذه الهزات السياسية من الناحية الدستورية والقانونية غير واضحة.