الصين وروسيا وحدود الصداقة الأسطورية!

نشر في 25-03-2013 | 00:01
آخر تحديث 25-03-2013 | 00:01
No Image Caption
 Sergei Karaganov الأجواء التي أحاطت بزيارة شي جين بينغ إلى روسيا- أول زيارة يقوم بها إلى دولة أجنبية بوصفه الرئيس الجديد للصين- تذكرني بشعار ما زلت أتذكره من أيام طفولتي المبكرة في أواخر خمسينيات القرن العشرين: "روسيا والصين، صداقة إلى الأبد". والمفارقة هنا هي أنه حتى في أوج انتشار هذا الشعار، كانت العلاقات الصينية الروسية في تدهور سريع، ثم بلغ الأمر ذروته بنوبات من القتال على طول نهر آمور في سيبيريا بعد أقل من عشر سنوات. تُرى هل أصبح الشعار الآن أكثر صدقاً؟

بعد أن فتحت الصين اقتصادها وخرجت روسيا من حالة الاتحاد السوفياتي، دخلت العلاقات الثنائية بين البلدين مرحلة جديدة، فالغلبة الآن للنوايا الحسنة، ولكن بعض الشكوك القديمة لا تزال قائمة- فضلاً عن بعض الشكوك الجديدة الناشئة.

ليس من المتوقع أن تخلص زيارة شي جين بينغ بتحقيق أي تقدم مفاجئ، فقد يكون بوسعنا أن نتابع عقد بضع صفقات لتصدير النفط والغاز الروسيين إلى الصين، ولكن ليس أكثر من ذلك. ورغم هذا فإن الزيارة في حد ذاتها تسلط الضوء على العديد من المظاهر المهمة للعلاقات الثنائية بين البلدين.

فبادئ ذي بدء، تستطيع كل من الحكومتين الروسية والصينية أن تقلل من أهمية علاقاتها بالولايات المتحدة، فالصين تنظر إلى روسيا باعتبارها الخلفية الاستراتيجية لها- وربما قاعدة- في منافستها المتزايدة الحدة مع الولايات المتحدة (ولكن ليس كحليفة لها بعد). وينظر قادة روسيا إلى المنافسة الصينية الأميركية باعتبارها إضافة محمودة لثقل بلادهم على الصعيد الاستراتيجي، والذي لا يدعمه نمو اقتصادي قوي كما هي الحال مع الصين. وكلما كان تحدي الولايات المتحدة للتوسع الحتمي "للمحيط الأمني" الصيني أكبر، كان ذلك أفضل بالنسبة إلى روسيا، أو هكذا يتصور المنظرون الاستراتيجيون في الكرملين كما يبدو.

ومن ناحية أخرى، بلغت العلاقات الصينية الروسية درجة غير مسبوقة من الدفء، فالصينيون يفعلون كل شيء ممكن تقريباً لتهدئة المخاوف الروسية، وقد نُحيت النزاعات الحدودية القديمة جانباً، كما يشهد حجم التجارة بين البلدين نمواً سريعاً.

وعلاوة على ذلك، لم يكن هناك أي توسع ديمغرافي صيني إلى سيبيريا، رغم أن العديد من الصحافيين والنقاد كانوا يتداولون هذه القصة. فعدد الصينيين المقيمين في روسيا- سواء بشكل رسمي أو في السر- يبلغ نحو 300 ألف، وكان عدد الصينيين الذين أقاموا في روسيا الإمبراطورية قبل ثورة عام 1917 أكبر من ذلك كثيراً.

ولكن تحت السطح، تستمر حالة عدم الارتياح في العلاقات الثنائية، ولأسباب تاريخية جزئياً. فالصين القومية تتذكر غزوات روسيا الإمبراطورية، في حين يشعر العديد من الروس بخوف مرضي من "الخطر الأصفر"، رغم أن المغول غزوا الصين وحكموها، في حين طُرِدوا من روسيا في نهاية المطاف (ناهيك عن أن الصينيين لم يقدِموا على غزو روسيا قط).

وتتلخص الأسباب الأكثر أهمية وراء هذا الشعور بعدم الارتياح في الاتجاهات الديمغرافية السلبية في أقصى شرق روسيا بمنطقة ترانسبايكال، والخوف- الذي يشترك فيه جميع جيران الصين- من القوة الصينية المتغطرسة، والواقع أن المنتقدين محقون: فإذا استمر شبه الكساد الحالي في سيبيريا، فإن العالم سيشهد نسخة ثانية ملحمية من الحالة الفنلندية، ولكن هذه المرة في الشرق. وقد لا يكون هذا هو أسوأ سيناريو تواجهه دولة ما، ولكنه ليس الاحتمال الأكثر إبهاجاً للروس، نظراً لشعورهم العميق بوضع بلادهم كقوة عظمى.

بيد أن هذا السيناريو ليس حتمياً، ومن المؤكد أنه لم يكن يخطر على ذهن شي جين بينغ أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى لقائهما في موسكو. فالصين تمر بأزمة هوية في حين تواجه التباطؤ الاقتصادي الحتمي والحاجة إلى تطبيق نموذج جديد للنمو.

وفي الوقت نفسه، تعاني روسيا أزمة هوية أشد عمقاً، فقد تمكنت بطريقة ما من تحمل صدمة ما بعد النظام السوفياتي، والآن تعافت منها، ولكن على مدى الأعوام الستة الماضية، كانت روسيا في حالة أشبه بعالم النسيان، بلا استراتيجية، ولا أهداف، ولا إجماع بين النخب على رؤية للمستقبل.

وبالنسبة إلى العلاقات الصينية الروسية، فإن مثل هذه الشكوك الجوهرية قد تشكل نعمة، فبوسع كلا الزعيمين أن يثق بعدم إقدام الآخر على خلق مشاكل إضافية، بل أيضاً في مساعدته بشكل سلبي فيما يتصل بقضايا جيوسياسية. على سبيل المثال، أثبت البلدان في ما يتصل بمسألة سورية أننا نعيش حقاً في عالم متعدد الأقطاب. وستدعم صفقات النفط والغاز الجديدة الاقتصاد في البلدين.

وفي الأمد البعيد، ستعتمد العلاقات الصينية الروسية إلى حد كبير على قدرة روسيا على التغلب على الركود الحالي والبدء بتنمية واستغلال الموارد المائية الكبيرة وغير ذلك من الموارد في منطقة ترانسبايكال، ولكي يتسنى لها هذا فإنها ستحتاج إلى رأس المال والتكنولوجيا، ليس فقط من الصين، بل أيضاً من اليابان، وكوريا الجنوبية، والولايات المتحدة، ودول جنوب شرق آسيا. وقد يعمل إقليم ترانسبايكال بسهولة نسبياً على توسيع العلاقات مع الاقتصادات الآسيوية المتعطشة للموارد، لمصلحة الجميع. فحتى مشكلة العمالة قابلة للحل، حيث بوسع الملايين من العمال من آسيا الوسطى السوفياتية سابقاً- وربما من كوريا الشمالية المتحررة تدريجياً- أن يشاركوا في التنمية الطموحة التي ستكون مطلوبة.

ولكن الخطوة الأولى لابد أن تكون البدء بخلق الظروف الملائمة لجعل الحياة والعمل في المنطقة جذابة للروس. إن قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والباسيفيكي التي استضافتها فلاديفوستوك العام الماضي لم تسفر إلا عن خلق جيب من التنمية. غير أن الأمر يتطلب استراتيجية تنمية شاملة للمنطقة بالكامل، وإذا لم يحدث هذا فإن التفاهم الودي الحالي بين الصين وروسيا سيتبدد لا محالة. ذلك أن روسيا ستشعر بالضعف، وسيدفعها هذا إما إلى تبني سياسات حافة الهاوية وإما الخضوع لإرادة الصين.

لكن في هذه المرحلة، تبدو العلاقات بين الصين وروسيا أفضل من الصداقة الأسطورية التي كانت بين البلدين أيام طفولتي، ولن يتوانى شي جين بينغ أو بوتين عن القيام بأي شيء لتأكيد هذا.

* الرئيس الفخري لهيئة رئاسة مجلس السياسة الخارجية والدفاع، وعميد كلية الاقتصاد العالمي والشؤون الدولية في المدرسة العليا للاقتصاد بجامعة روسيا للبحوث الوطنية.

«بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة»

back to top