سلوكياتنا الغريبة ورأي العلماء فيها
إنه جسمك وقد تظن أنك تتحكم به. لكن وراء ذلك الجسم الخارجي الهادئ تكمن غرائز ودوافع جامحة تحارب للخروج وتعريضك لمواقف محرجة أو سخيفة. تكون تلك السلوكيات غير اللائقة (مثل إطلاق الريح، الحازوقة، الحكّة، التثاؤب) مألوفة بالنسبة إلينا جميعاً، لكنها تبقى مثيرة للفضول حتماً. شخصياً لدي وجهة نظر مختلفة. فيما يعتبرها الآخرون شكلاً من المحرمات، أنا أجدها منطقة غير مستكشفة ومجالاً جديداً للأبحاث. لذا قررتُ دراسة سلوكياتنا المثيرة للفضول. توصلتُ إلى نتائج تسلط ضوءاً جديداً على جسم الإنسان وعقله وتطوره باعتباره حيواناً اجتماعياً.
الحكّة
الحكّة عذاب فعلي وقد كسبت مكانة لها في عمل {جحيم دانتي} الشهير، لكنها تترافق مع بعض المنافع أيضاً. من المعروف أن الجلد أول خط دفاعي في الجسم للتصدي لأي غزو خارجي ونحن نميل من الناحية العصبية إلى الحفاظ على سلامته. لذا حين يتعرض لتهديد الآفات الحشرية أو النباتات السامة أو أي عوامل أخرى تثير الحساسية، تقودنا الحكّة إلى منطقة المشكلة وتجعلنا نحكّها لمحاولة التخلص من العوامل العدائية ووقف الانزعاج. تطاول الحكّة البشرة وحدها، وليس الأعضاء الداخلية.نتفاعل أيضاً مع الإنذارات اللمسية الخاطئة حين نحكّ البشرة رداً على حالات جلدية مثل الأكزيما ومرض سعفة القدم وداء الصدفية، وحتى نتيجة أمراض الغدة الدرقية والسكري وبعض الأمراض العصبية. تتوقف الحكّة بفعل الألم. قد تمنح الحكّة القوية التي تؤذي الأنسجة راحة موقتة على المدى القصير ولكنها قد تنتج حاجة أكبر لِحكّ الجلد، فيدخل الفرد في دوامة من الحكّة المستمرة التي يمكن أن تخدش الجلد.مثل التثاؤب، الحكّة ظاهرة مُعدية. يمكن {التقاط} عدوى الحكّة عند مشاهدة شخص يحكّ جلده أو يشارك في محاضرة عن الحكّة أو يشاهد شرائح عن حشرات تسبب الحكّة مثل القمل. حتى قراءة هذه السطور قد تُشعرك بالحاجة إلى حكّ جلدك. الحكّة المعدية منطقية من الناحية التطورية: قد تنتقل البراغيث المعدية من عند جارك إليك ولكنها لن ترحل إذا بدأت تحك الجلد.الحازوقةتبدأ الحازوقة بشهيق مفاجئ ينجم عن هبوط الحجاب الحاجز وانقباض العضلات بين الضلوع، وهي تنتهي بشكل شبه فوري عند إغلاق منطقة الزردمة لإنتاج صوت الحازوقة المألوف. لأسباب مجهولة، يُعتبر هذا الفعل الغامض إحدى السلوكيات الأكثر شيوعاً من قبل الولادة، ما يشير إلى وجود دور تطوري في هذا المجال.تبدأ الحازوقة في الأسبوع الثامن تقريباً من الحمل، وتبلغ ذروتها بين الأسبوع العاشر والثالث عشر، ثم تتراجع خلال بقية الحياة. لكن بالنسبة إلى عدد قليل من الناس غير المحظوظين، تعود الحازوقة في مرحلة متقدمة من الحياة على شكل نوبات مستمرة قد تدوم 48 ساعة أو أكثر. يميل الرجال إلى مواجهة المشكلة أكثر من النساء بتسع مرات. سجّل المزارع تشارلي أوزبورن من أيوا معدلاً قياسياً في الحازوقة المزمنة لأن الحالة لازمته لأكثر من 67 سنة. لكن لحسن الحظ، تتوقف الحازوقة في العادة خلال النوم.يصمم {مولّد الحازوقة}الموجود في جذع الدماغ المكونات العصبية والعضلية للحازوقة حين يتلقى بعض المؤشرات. قد تتراوح الأسباب بين انتفاخ المعدة وخلل في المريء أو اضطرابات متنوعة في القفص الصدري والجهاز العصبي. لكنّ العلاجات أكثر تنوعاً من المشاكل. يعدد أفلاطون في كتاب {المأدبة} علاجات تشمل حبس الأنفاس وغرغرة الفم والعطس. تشمل علاجات أخرى أكل السكر، وشرب الماء رأساً على عقب، والتعرض لنوبة هلع، ووضع الأصابع في الأذنين.في سياق أبحاثي، اكتشفتُ أمراً آخر. يشمل علاج مسجّل الصوت بكل بساطة الوقوف إلى جانب الشخص المصاب بالحازوقة والإمساك بميكروفون. إنها طريقة فاعلة عند الأطفال تحديداً، وهي تثبت قوة الردع الاجتماعي لوقف عمل غرائزي قديم.التقيؤعند تناول مادة سامة، يبدي الجسم رداً فاعلاً وعنيفاً لمحاولة إرجاعها: التقيؤ. لكن يمكن أن تشعر أيضاً بالحاجة إلى التقيؤ لمجرد مشاهدة أو شم أو سماع شخص يتقيأ. ما سبب ذلك؟ ذهلتُ من هذه الظاهرة في طفولتي خلال رحلة عائلية طويلة حين شعرت قريبتي كارين بالغثيان في السيارة، فجعلت الركاب الآخرين يتقيؤون بدورهم.بعد عقود على ذلك، تسنى لي أن أحقق بظاهرة التقيؤ المُعدي (أو الهستيري). لاحظتُ أن الفتيات في مرحلة المدرسة المتوسطة أو الثانوية يكنّ أكثر ميلاً إلى التقيؤ. تظهر هذه النوبات في العادة خلال حدث جماعي يثير القلق. يتحدث الأشخاص عن شم روائح مبهمة مثل دخان عوادم السيارات، أو غاز المجاري، أو مذاق غريب، أو رائحة طعام أو شراب. تكون العوارض مبهمة على الأرجح ويختفي المرض سريعاً ومن دون أي آثار معاكسة.قد يبدو التقيؤ المُعدي مثالاً بارزاً على وجود خلل معين في الجسم، من الناحية التطورية، لكن يمكن التكيف مع الحالة والسماح للأشخاص ضمن المجموعة بالاستفادة من رد فعل الفرد الذي يتذوق مادة سامة قبل غيره. قد تكون الإنذارات العشوائية الخاطئة ثمناً صغيراً يجب دفعه لحث الأمعاء على إبداء رد فعل ينقذ الحياة. يعمد البعض في أميركا الوسطى والجنوبية إلى تنظيم جلسات تقيؤ جماعي عبر شرب خلطة {آياهواسكا» التي تحث على التقيؤ لمحاولة تطهير الجسم والتعارف في الوقت نفسه. الدغدغةالدغدغة ظاهرة استثنائية نظراً إلى أهميتها الفلسفية والعصبية والنفسية والعملية، وهي مواصفات مثيرة للاهتمام بالنسبة إلى سلوك لا يهتم به كثيرون.يبدأ كل شيء بملاحظة أننا لا نستطيع أن ندغدغ أنفسنا. إنه أمر جيد وإلا كنا أمضينا حياتنا ونحن نبدي ردود فعل سخيفة ومتواصلة من دون أن نعرف ما إذا كنا لمسنا شيئاً أو إذا لمسنا شخص آخر. تساهم العملية العصبية التي تتحكم برد فعلنا عند لمس الذات بالتمييز بين أنفسنا والآخرين. من كان ليظن أن الدغدغة البسيطة قد توفر حلاً للمشكلة الفلسفية القديمة والشائكة المرتبطة بالنزعة الفردية عند كل شخص.يمكن تطبيق هذه النظرة المدهشة بطريقة عملية. إذا تمكن علماء الحواسيب من إنشاء نظام للحلول الحسابية لأجل التمييز بين لمس الذات ولمس الآخرين، سيزيدون القدرة على التحكم بالرجال الآليين وقد يفتحون المجال أمام إنتاج آلة تتمتع بنزعة فردية خاصة بها.بما أننا لا نستطيع دغدغة أنفسنا، يتضح أن الدغدغة ظاهرة اجتماعية بطبيعتها. إنها وسيلة مهمة للتواصل اللمسي وتحسين الروابط بين الناس، وأظن أنها ركيزة لمحادثات الأطفال قبل أن يتعلموا النطق. صحيح أن الأشخاص الذين يدّعون كره الدغدغة كثيرون، لكن تشير دراساتي إلى أن الدغدغة تنحصر في إطار الأصدقاء وأفراد العائلة والأحباء بهدف إظهار العاطفة ولفت الانتباه.بفضل القدرة على الدغدغة المتبادلة، يمكن تصميم معارك دغدغة وألعاب جسدية وجنسية تكون مبرمجة عصبياً. كانت صعوبة التنفس الناجمة عن هذه النشاطات السبب الأصلي لأصوات الضحك التي كان يصدرها أسلافنا (تتابع حيوانات الشمبانزي إصدارها حتى الآن عند دغدغتها)، وقد تطورت تلك الأصوات وتحولت إلى قهقهات البشر المألوفة في الحقبة المعاصرة.إطلاق الريحلن يكتمل أي تحقيق عن سلوكياتنا الجسدية الغريبة من دون التحدث عن إطلاق الريح. لطالما جذب هذا العمل غير اللائق انتباه العلماء والرأي العام على حد سواء منذ العصور القديمة. بسبب زيادة أهمية جراثيم الأمعاء، أبدى خبراء الجهاز الهضمي اهتمامهم بظاهرة إطلاق الريح. لكنّ اهتمامي الخاص بالموضوع يركز على جانب مختلف: نظراً إلى تنوع الأصوات التي ترافق هذه الحالة، لماذا نتكلم عبر الفم وليس المؤخرة؟!الأمر ليس تافهاً بقدر ما يبدو عليه لأن أي جزء من الجسم البشري لم يتطور بما يخدم وظيفة النطق تحديداً. نتكلم عبر الفتحة التي نستعملها للتنفس والأكل والشرب والتقيؤ، وتكون الحبال الصوتية عبارة عن قطعتين من النسيج تؤدان دور العازل لإبقاء المأكولات والمشروبات خارج مجرى الهواء حين نبتلعها. لماذا لم يشمل التطور إذاً الخيار البديل الذي يقضي باستعمال البطن والجزء السفلي من الأمعاء كمصدر للأصوات (يستطيع البعض التحكم بذلك) والعضلة العاصرة الشرجية كعازل متحرك؟تبقى هذه الفكرة ضعيفة لأن الشرج يفتقر إلى الخصائص التي تتسم بها المسالك الصوتية، مثل الفم واللسان والأسنان والحلق، لإصدار الأصوات. لكنّ هذا الأمر لم يمنع سمك الرنجة من استعمال ظاهرة إطلاق الريح للتواصل. يبقى السمك استثناء على القاعدة، ويواجه المشاكل بسبب طريقته هذه. يلفت سمك الرنجة انتباه الحيتان القاتلة والجائعة التي ترصد صوت الريح التي تطلقها الأسماك. باختصار، يبدو أن التكلم من المؤخرة لا يستطيع منافسة مسار تطور الكلام بشكله المألوف!التثاؤببغض النظر عن الهدف من التثاؤب العفوي (تبقى هذه الظاهرة مثيرة للجدل)، يتعلق أبرز جانب عجيب من التثاؤب عند البشر بقدرته على نقل العدوى. حين نشاهد شخصاً يتثاءب، يخوض الجسم عملية عصبية بدائية تصعب مقاومتها. لنتخيل شخصاً يتثاءب ويفتح فمه إلى أقصى حد ويثبّت نظره ويبتلع كمية كبيرة من الهواء قبل أن يزفر. هل بدأتَ تتثاءب؟التثاؤب ظاهرة مُعدية لدرجة أن كل ما يتعلق بها قد يسبب التثاؤب المتكرر، ويحصل ذلك عند رؤية أو سماع شخص يتثاءب أو قراءة موضوع عن التثاؤب أو حتى التفكير به. استنتجتُ مع زملائي أن الفيديوهات الصامتة التي تُظهر أشخاصاً يتثاءبون تولّد عدوى التثاؤب عند 55% من المشاهدين خلال خمس دقائق، وتحدث الجميع تقريباً عن الشعور بالحاجة إلى التثاؤب على الأقل.صحيح أن فتح الفم أحد أبرز مظاهر التثاؤب، لكن كانت الفيديوهات التي حذفت شكل الفم فاعلة بالقدر نفسه لحث المشاهدين على التثاؤب. ثم تبين أن الفيديوهات التي تعرض فماً يتثاءب بكل بساطة لا تدفع الناس إلى التثاؤب أكثر من الفيديوهات التي تعرض وجهاً مبتسماً. ربما يحصل ذلك لأن فتح الفم لا يرتبط حصراً بالتثاؤب بل إنه قد يتعلق بنشاطات أخرى مثل الغناء أو الصراخ. نتفاعل مع تركيبة الوجه كلها حين يتثاءب الفرد، بما في ذلك نظرة العيون.من وجهة النظر التطورية، التثاؤب العفوي ظاهرة قديمة (تصيب معظم الفقاريات) بينما يُعتبر التثاؤب المُعدي ظاهرة معاصرة نسبياً وهي تطبع الثدييات الاجتماعية، بما في ذلك حيوانات الشمبانزي وربما الكلاب.عند البشر، يتطور التثاؤب العفوي منذ وجود الجنين في رحم أمه، لكن لا يظهر الشكل المعدي عند الطفل قبل عمر الرابعة أو الخامسة، أي عندما يستطيع الأطفال أن ينسبوا الحالات العقلية إلى أنفسهم أو إلى الآخرين، ما يعزز فكرة أنّ التثاؤب المُعدي مرتبط بالتواصل الاجتماعي. صحيح أن بيولوجيا الأعصاب المرتبطة بهذا السلوك المثير للفضول لا تزال مبهمة، لكن من الواضح أننا نصبح كائنات عفوية ومتشابهة أثناء التثاؤب. حين تنتشر عدوى التثاؤب ضمن مجموعة، تنشط سلسلة من الروابط النفسية والعاطفية فيتحول الأفراد إلى كيان اجتماعي واحد يتألف من أعضاء عدة.