مفاهيم التطور تغيّر تفكيرنا بالشيخوخة البيولوجية
سيؤثر التفكير الجديد بشأن الطبيعة التطورية للشيخوخة البيولوجية بعمق في الأبحاث الطبية التي تتناول الأمراض المرتبطة بالسن. إليكم السبب.
قبل داروين، لم يفكر أحد بأنّ أصل مدة الحياة يختلف عن أصل الخصائص الأخرى التي تطبع كل فصيلة من الكائنات. السبب الذي منح الفأر ذيلاً طويلاً وعيوناً خرزية جعله أيضاً يعيش لفترة محددة، وتتفاوت تلك الفترة بين مختلف الأجناس. تتراوح مدة حياة الثدييات بين أقل من سنة عند بعض الفئران وأكثر من 200 سنة عند بعض الحيتان.في عام 1859، جاء مفهوم «البقاء للأصلح» مع داروين ليغير تلك الفكرة. قيل إن الكائنات تطور خصائص لا تُعد ولا تُحصى وتكون كل واحدة منها كفيلة بإطالة الحياة و/أو تعزيز عملية التكاثر. بما أن إطالة الحياة وتعزيز التكاثر ظاهرتان إيجابيتان، قيل إن الكائنات تتابع تطورها وصولاً إلى الخلود. لكن في الوقت الراهن، بعد مليارات السنين من تطور مدة الحياة، لماذا لم تصبح الكائنات خالدة أو على الأقل محدودة بالقدر نفسه بفعل قانون فيزيائي أو كيماوي عالمي؟ لماذا تتفاوت مدة الحياة لهذه الدرجة حتى بين الكائنات المتشابهة من الناحية البيوكيماوية؟ كتب المفكرون المعاصرون في تلك الحقبة لداروين وطرحوا عليه هذا السؤال! كان واضعو النظريات البيولوجية يسعون منذ ذلك الحين إلى تطوير نظرية تناسب نظرية التطور وتتماشى في الوقت نفسه مع الأدلة التجريبية مثل الملاحظات المرتبطة بمدة الحياة.
اليوم، يصدّق معظم اختصاصيي الشيخوخة والباحثين في مجال الطب واحدة من نظريتين أساسيتين ظهرتا في نهاية المطاف عن الشيخوخة: نظريات الشيخوخة المبرمجة التي اقتُرحت للمرة الأولى في عام 1882 تعتبر أن الأجناس عموماً مزوّدة بآلية لتنظيم العمر، وهي تحد مدة الحياة عمداً وتحصرها بقيمة معينة لكل فصيلة بهدف الحصول على منفعة تطورية.في المقابل، اعتبرت النظريات غير المبرمجة أن كل فصيلة تتمتع بحاجة تطورية للعيش خلال فترة معينة، وبالتالي لا تطور إلا القدرة على تجاوز عمليات التدهور الطبيعية بالدرجة الضرورية للعيش حتى ذلك العمر. يشرح المفهومان السبب الذي يمنح مختلف الأجناس عمراً مختلفاً. كذلك يتطلب المفهومان تعديلات كي يتماشيا مع فكرة «البقاء للأصلح» التي تعلّمناها جميعاً في صف علم الأحياء في المرحلة الثانوية.منفعة تطوريةترتكز النظريات غير المبرمجة المعاصرة على فكرة طرحها بيتر مدور الحاصل على جائزة نوبل، فهو افترض في عام 1952 عدم وجود منفعة تطورية للعيش أو التكاثر بعد مرحلة عمرية معينة لكل فصيلة. في الحقيقة، تنطبق نظرية «البقاء للأصلح» على الكائنات الشابة، ويمكن تعريف كلمة «شابة» هنا نسبةً إلى العمر الذي يسمح للكائن بالتزاوج. لا تهتم الطبيعة بما يحصل للكائنات المُسنّة. فالموت والتدهور ليسا عائقاً تطورياً إلا إذا حصلا قبل مرحلة عمرية حاسمة.بالنسبة إلى معظم الناس الذين كانوا ينتبهون إلى الدرس في صف علم الأحياء، تبدو فكرة امتلاكنا شكلاً من آلية الانتحار التي تحد مدة الحياة سخيفة وهي لا تتماشى بأي شكل مع فكرة «البقاء للأصلح» ولا مع نظرية الشيخوخة غير المبرمجة المعاصرة. في عام 2002، تابع عدد من علماء البيولوجيا البارزين كتابة فكرة مفادها أن الشيخوخة المبرمجة عند الثدييات تُعتبر مستحيلة نظرياً. نتيجةً لذلك، تجاهل الباحثون في مجال الطب الأدلة المتزايدة على الشيخوخة المبرمجة مثل الجينات التي تسبب مظاهر الشيخوخة. من المعروف أن كلمة «مستحيل» تُضعف أي كمية من الأدلة.في غضون ذلك، حاول عدد من واضعي النظريات الآخرين خلال الستينيات شرح بعض التناقضات الواضحة الأخرى بين الملاحظات المتوافرة ونظرية التطور. تعتبر نظرية داروين أن كل حيوان فردي يناضل لضمان صموده الشخصي وصمود شريكه وتوجيه سلالته والتصدي لمنافسيه من الفصيلة نفسها. أنتج الفرد الذي صمد لفترة أطول وتكاثر بنسبة أكبر عدداً إضافياً من الأحفاد الذين يتمتعون بتصميمهم الفردي الذي يختلف عن منافسيهم، وبالتالي نجح في نشر خصائصه الفردية. هذا هو «بند المنفعة الفردية» أو مفهوم «كلب يأكل كلب» ضمن نظرية التطور لداروين. حصل إجماع واسع على أن التدهور والموت الناجمين عن الشيخوخة لا يمثلان أي منفعة تطورية من وجهة نظر الثدييات الفردية!لكن بالإضافة إلى جميع القواعد الاجتماعية البشرية والقوانين التي تحد مصلحة الأفراد خدمةً للمنافع العامة، راقب واضعو النظريات سلوكيات الحيوانات (مبدأ «الغيرية») حين تتصرف تلك الحيوانات بطريقة تتعارض مع مصلحتها الفردية، وذلك على ما يبدو بهدف تحقيق منفعة عامة تضمن صمود الجماعة. ثم ظهرت مجموعة من التناقضات الأخرى بكل وضوح على مستوى «بند المنفعة الفردية». وسرعان ما ظهر عدد من النظريات التي تعتبر أن منفعة صمود الجماعة أو الأقارب، أو منفعة انتشار الجينات (نظرية الجينات الأنانية)، أو منفعة عملية التطور بحد ذاتها (نظرية قابلية التطور)، قد تعوّض عن درجة معينة من الأضرار الفردية وتؤدي إلى تطور خاصية فردية معاكسة (أو حيادية بحسب رأي مدور) مثل الشيخوخة المبرمجة عند الثدييات. ثم ظهرت نظريات متعددة عن الشيخوخة المبرمجة استناداً إلى منفعة غير فردية تنجم عن فترة حياة محدودة. وفق هذه النظريات، وبعيداً عن العمر المخصص لكل فصيلة (للأمر علاقة أيضاً ببلوغ مرحلة النضوج التي تسمح بالتزاوج)، ثمة جوانب سلبية من الناحية التطورية للعيش لفترة أطول. وفق مثال بسيط جداً، ستؤدي إطالة حياة بعض أجناس الثدييات إلى تراجع التنوع الجيني. قد يتزاوج ذكر أعزب عمره طويل مع أجيال عدة من سلالته الخاصة! منفعة فرديةطرحت الاكتشافات في علم الوراثة (بعضها حديث نسبياً) مسائل إضافية ترتبط بنظرية الآلية التطورية التقليدية التي تضمن المنفعة الفردية حصراً. اليوم، يُعتبر افتراضان على الأقل من افتراضات داروين (وهما أساسيان في موضوع المنفعة الفردية وغير الفردية) خاطئين على الأرجح. إليكم الحقيقة المستجدة: عملية التطور ليست بسيطة وسلسة بل إنها معقدة وعشوائية. ربما لاحظ القارئ أن أبرز نظريتين متقاربتان في ما بينهما ولكنهما بعيدتان عن نظرية التطور التقليدية. انتهى الجدل بين هاتين الفكرتين: لا تولّد الشيخوخة بعد المرحلة العمرية الحاسمة أي ضرر واضح من الناحية التطورية (وبالتالي لم تطور الأجناس يوماً عمراً أطول)؛ أو يؤدي الحد من الصمود بعد مرحلة حاسمة معينة إلى منفعة بسيطة على الأقل (وبالتالي طورت الأجناس آليات انتحار). التجادل حول الاختلاف بين المنافع المعدومة وشبه المعدومة نهج عقيم وغير نافع! يتضح الآن أكثر من أي وقت مضى أن الشيخوخة المبرمجة عند الثدييات هي النظرية الصحيحة. تعتبر نظريات الشيخوخة المبرمجة القائمة راهناً أن مجموعة واسعة من المنافع التطورية ستنجم عن حدود العمر المبرمجة. حتى إن بعض المدافعين البارزين عن نظرية الشيخوخة غير المبرمجة اعترفوا بصحة المفاهيم التطورية المرتبطة بالمنافع غير الفردية، أي تلك المفاهيم الضرورية لدعم نظرية الشيخوخة المبرمجة عند الثدييات. يُثبت ذلك صحة مفهوم الشيخوخة المبرمجة لأن هذا النوع من الشيخوخة يتماشى بشكل أفضل مع الأدلة التجريبية.مؤشرات مستقلةما أهمية هذا التطور؟ تتوقع نظريات الشيخوخة المبرمجة وغير المبرمجة وجود آليات مختلفة جداً وراء عملية الشيخوخة، وبالتالي وراء أمراض مرتبطة بالسن مثل السرطان وأمراض القلب. لذا من المتوقع أن يؤدي تبني النظرية الخاطئة إلى تأخير تطور الطرق الفاعلة لمعالجة أو تجنب الأمراض المرتبطة بالسن التي تُعتبر اليوم السبب الأساسي لوفاة الناس فوق عمر الأربعين في الدول النامية! على سبيل المثال، تشير نظريات الشيخوخة غير المبرمجة إلى أن مختلف مؤشرات الشيخوخة تكون مستقلة عن بعضها البعض، وبالتالي يجب تطوير العلاجات وتقنيات الوقاية فردياً بحسب كل حالة. كذلك، تشير نظريات الشيخوخة المبرمجة إلى وجود قواسم مشتركة قابلة للعلاج بين مختلف المؤشرات. إذا استطعنا السيطرة على الشيخوخة، جزئياً على الأقل، عبر برنامج مثل الذي يسيطر على وظائف الإنجاب، قد نتوقع وجود «ساعة بيولوجية» يمكن تعديلها طبياً. كذلك، يمكن أن نتوقع وجود مؤشرات مثل الهرمونات المستعملة لتنسيق النشاطات في مختلف الأنسجة عند أداء وظيفة الشيخوخة التي يمكن تعديلها أيضاً.يتحدث الباحثون الذين يتبنون نظريات الشيخوخة غير المبرمجة عن تجنب أو مكافحة الأضرار التي ترتبط في العادة بمرض معين. في المقابل، يتحدث مناصرو النظريات المبرمجة عن مؤشرات ومستقبِلات تعيق برنامج الشيخوخة وتحفز مفعولاً من شأنه تأخير الشيخوخة، مثل ضبط استهلاك السعرات الحرارية أو الرياضة، وذلك بهدف «خداع» برنامج الشيخوخة.تدرّب معظمنا منذ سن مبكرة على تصديق الفكرة القائلة إن عملية التطور تؤدي إلى نمو جميع الخصائص «المفيدة» عند الكائن بينما تنجم جميع الجوانب «المعاكسة» عن عمليات تدهور عشوائية أو قوى خارجية. سنخطو خطوة عملاقة إذا اقتنعنا بأنّ جوانب مثل ضعف العضلات، والتدهور الحسي والعقلي، وأمراض القلب والسرطان، وزيادة التعرض للأمراض المُعدية، والتهاب المفاصل، ومؤشرات أخرى على الشيخوخة، قد تكون «مفيدة» أيضاً عند مقاربتها من وجهة النظر التطورية، ما يعني أنها تنجم عن عملية تشمل آليات تطورية معقدة تشبه تلك التي تنتج خصائص الكائنات «المفيدة» تقليدياً. لكن ما لم نقم بتلك الخطوة، لن نفهم يوماً ظاهرة الشيخوخة أو الأمراض المرتبطة بالسن.